قِطة شرودنغر وقسورة القرآن

محمد علي عبد الجليل
2013 / 1 / 21

قِطَّةُ شرودنغر هي مفهوم قدَّمه الفيزيائي النمساوي إرﭭـن شرودنغر (Erwin Schrödinger) (1887 – 1961) ليشرحَ من خلاله تصوُّراً مختلفاً عن تفسير مَدْرسة كوبنهاغن في ميكانيك الكَمّ والذي تبَــنَّـاه كلٌّ من العالِـمَينِ: الفيزيائي الدانماركي نيلس هنريك داﭭــيد بور [بوهر] (Niels Henrik David Bohr) (1885 - 1962) والفيزيائي الألماني ﭭـرنر كارل هَـيزنبرغ (Werner Heisenberg) ‏ (1901 –1976).

تخيَّــلَ شرودنغر تجربةً ذهنيةً تتمثَّـــلُ في حبسِ قِطَّةٍ داخلَ صندوقٍ مزوَّدٍ بغِطاءٍ وفيه عدَّادُ غيغر [جيجر أو غايغر] (compteur Geiger ou Geiger-Müller), وكميةٌ قليلةٌ من مادةٍ مُشِعَّة بحيث يَـكونُ احتمالُ تحلُّلِ ذَرَّةٍ واحدةٍ خلالَ ساعةٍ ممكناً. فإذا تحلَّـــلَتْ ذَرَّةٌ فإنَّ عدَّادَ غيغر يضرِبُ ضربةً تكسر زجاجةً تحتوي حامضَ الهدروسيانيك acide cyanhydrique [حمض سيان الماء] السَّامّ الذي يسيلُ ويقتلُ القِطَّةَ فوراً. يقف المُشاهِدُ أمامَ الصندوق المغلَق ويريد معرفةَ هل القطةُ حيةٌ أمْ ميِّتة. بحسب الميكانيك الكمومي [فيزياء الكَمّ]، القطةُ حيةٌ وميتةٌ في الوقت نفسه، لأنَّ الذَّرَّةَ تضمحِلُّ ولا تضمحلُّ في الوقت نفسه، أيْ أنَّ القِطَّة في حالة مركَّبةٍ من الحياة والموت. ولكنْ إذا تدَخَّلَ راصدٌ خارجيٌّ وفتحَ الصندوقَ فلا بدَّ أنْ يجدَ القطةَ في إحدى الحالتين (إما حية وإما ميتة)، ولا يمكن أنْ يراها في الحالتين معاً، لأننا لا نَعرِفُ حالةَ تراكب بين الحياة والموت. فبمجرد أنْ يتدخَّــلَ الراصدُ الخارجيُّ يَظهَـــرُ معنى واحد.

قِصَّةُ القِطَّةِ هذه تحتملُ عِدةَ قراءاتٍ وتأويلاتٍ مختلفة. رُبَّما كان شرودنغر يريد من تجربته المتخيلة دحْضَ تفسيرِ مَدْرسة كوبنهاغن في ميكانيك الكَمّ والذي يؤدي إلى مقولة أنَّ القطةَ حيةٌ ميتة في آن معاً. ولكنَّ هذه التجربةَ يمكن فهمُها أيضاً كتأكيدٍ لنظرية الكَمّ.

تجربةُ شرودنغر وتفكيكيةُ جاك دريدا وتعاليمُ جِدُّو كريشنامورتي تشير جميعاً إلى أنَّ مسألة القراءة فردية بحتة وأنَّ الوجودَ مرايا تُريكَ أخفى الخفايا. وبما أن المسألة كذلك فسأتفكَّرُ وأتأمَّلُ وأقرأُ نفسي بنفسي.

قراءتي الأدبية لتجربة شرودنغر أعطتني معنىً إشارياً آخَرَ، وهو أنَّ النصَّ يُشبهُ الصندوقَ المغلَقَ المفتوحَ على كلِّ التأويلات وقد حُبِسَتْ فيه لا قِطَّةٌ واحدةٌ بل رموزٌ لقِطَطٍ وكِلابٍ وبَشرٍ وأفكارٍ وأحاسيسَ وانطباعاتٍ وصراعاتٍ... وهذه الرموز تحملُ في الوقت نفسه معانيَ كثيرةً متقاربةً أو حتى متناقضة؛ ولا معنىً ثابتاً لها ما لم يتدخَّــلْ وعيُ القارئ. أيْ أنَّ القارئ هو الذي يحدِّد المعنى. فكما أنَّ القِطَّةَ، في تجربة شرودنغر، تحتملُ وهي في الصندوق مَعنَيينِ متضادَّينِ هما الحياة والموت، كذلك في اللغة، وخاصةً العربية، هناك كلماتٌ تحملُ المعنى ونقيضَه (الأضداد contronymes، autantonyms). والقارئُ هو الذي يحدِّد أحدَ المعنيين تبعاً للسياق. ففي القرآن، مثلاً، استُخدِمَت كلمةُ "ظنَّ" بمعنيين متناقضين: الشك واليقين، واختلفَ المفسِّرون في معنى كلمة "قُرْء" هل هو الطُّهرُ أَمِ الحيض.

القرآن، كنصٍّ، يتضمَّنُ، بالإضافة إلى أشياءٍ أخرى، أسماءً لحيواناتٍ كثيرة: البقرة والفيل والحية والثعبان والخيل والبغال والحمير والكلب والذئب والعِجْل والجراد والقمل والضفادع والغنم والإبل والغُراب والهُدْهُد والطير والحوت واللحم الطري [السمك] والعنكبوت والجَمَل والناقة والقِردة والخنازير والنحل والنمل والأنعام والبهيمة و"القسورة". هذه الحيواناتُ والأشياءُ والأفكارُ تعكسُ البيئةَ الجغرافية والثقافية لمكان ظهور القرآن وزمانِه وتحملُ، بالإضافة إلى معانيَ حقيقيةٍ، معانيَ رمزيةً ومجازيةً أيضاً. فالحية تعني الحيوان الزاحفَ المعروفَ، وقد تشير إلى الدهاء أو الحذر أو المكر أو الحياة أو القوة أو الطاقة أو الحركة أو التخفِّي أو الحكمة أو العلاج أو المرأة أو الإغواء أو غيرها من المعاني وذلك بحسب كل ثقافة وكل فرد.

لنأخذ "القسورةَ" مثالاً. فقد اختلفَ المفسِّرون في معنى اللفظة "قَسْوَرَة" الواردة في سورة المُدَّثِّر (الآيات 49 و50 و51): "فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنفِرَةٌ، فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ". هناك ارتياب في معنى "القسورة". لا ندري على وجه الدِّقَّة هل تشير الكلمةُ إلى حيوان (أسد أم حمار) أم إلى إنسان أم إلى صوت أم إلى وقت (أول الليل) أم إلى أداة (حَبْل). قال المفسِّرون في معنى "القَسْوَرة" أنها هي: الأسد (بلسان الحبشة) أو الرُّماة أو القنَّاص أو الرُّماة من الصيادين أو حِبال الصيادين أو رجال القَنْص أو جماعة الرجال أو أصوات الرجال أو الرِكْز [أيْ: الصوت الخفي] أو الصوت العالي المفزِع أو ظلمة الليل أو أوَّلُ سوادِ الليل. ويرى كريستوف لوكسنبرغ [لُكسَنْبرغ] (Christoph Luxenberg) أنَّ لفظة "قسورة" سريانية الأصل وتعني الحِمارَ الهَرِم الذي لا يقوى على حمل شيء. "القسورة" كلمة تحتمل أكثر من معنى في الوقت نفسه. وإنَّ تدَخُّـلَ القارئ هو الذي يُرَجِّح معنىً على معنىً آخر فيرى الوجهَ الذي يريد من وجوه المعنى المتعدِّدَة. وكأنه يفتحُ صندوقَ النص فيرى فيه "القسورةَ" إمَّا أسداً وإما حماراً وإما إنساناً وإما صوتاً وإما ظلمةً وإما حَـبْــلاً. ولكنْ لا يراها جميعَ هذه المعاني في الوقت نفسه، بل يرجِّحُ أحدَها. إنَّ القارئ أو المفسِّر لَـيُـطوِّع المعنى بما يتناسبُ ومعتقداتِه ووعيَه. وقد يُـــكْرِهُ النصَّ على حملِ معاني الثقافة والجماعة التي ينتمي إليها القارئُ، فيَـقْسِرُ النصَّ ليخدمَ غاياتِه ومآربَه. فيرىَ "الديكَ حماراً"، على حد تشبيه أبي نواس، ويرى الحِمارَ الهَرِمَ الضعيفَ أسداً فَتيَّاً قوياً، ويرى في القتل حياةً! يبدو أنَّ سياقَ الآية يُـرَجِّحُ معنى الاشمئزاز والنفور على معنى الخوف، فيكون إذاً معنى "القسورة" أقربُ إلى الحمار الضعيف منه إلى الأسد القوي، أيْ أنَّ النصَّ يشيرُ إلى أنَّ "وثنيِّي مكَّة" يَنفِرون من "التذكرة-القرآن" اشمئزازاً كنُفُورِ الحمير من حمار ضعيف هزيل. وبالتالي يكون المعنى الذي قدَّمه لوكسنبرغ أقوى وأبلغ.

النصُّ بشكلٍ عام، أيُّ نصٍّ مكتوب، والنصُّ المسمَّى مقدَّساً بشكلٍ خاصٍّ، أيُّ نصٍّ مقدَّس، يحتملُ بالقوةِ أكثرَ مِن معنىً في الوقت نفسه وقد يحملُ معانيَ متضادة. فالنصُّ يشبهُ إذاً صندوقاً مغلقاً ولكنَّ محتواه مفتوح على كلِّ الاحتمالات. وإنَّ تدخُّـل الراصد الخارجي (القارئ) هو الذي يرجِّح احتمالاً على آخر، أو معنى على معنى آخر، مما يؤدي إلى اختفاء كل المعاني وظهور معنى واحد يعكس موقفَ القارئ. النصُّ ليس سوى مرآةٍ تُظهِر صورةَ القارئ الفكرية والنفسية التي رسمَتْها له بيئتُه ومحيطُه. فما إنْ ينظر القارئُ في النص حتى يرى قناعاتِه وقِناعَه الذي وضعَه له المجتمعُ بتواطُؤٍ منه.

النصُّ ليس كما يقول البنيويون متناسقاً ولا منسجماً ولا مستقلاً ولا يمتلك سلطةً ولا مركزاً ثابتاً. بل هو، كما يقول التفكيكيون، متنافر مفكَّك ومفتوح (حمّال أوجه) ولانهائي ولا مركزَ ثابتاً له ولا سلطة له بل للقارئ. فالقارئ هو من يُـــفَــــعِّـــلُ النصَّ فيحدِّده ويجدِّده بإعطائه معنىً محدَّداً في وقت محدَّد ومكان محدَّد. وهذا المعنى هو خاص بالقارئ. إذاً، ما يحدِّد "معنى" النص ليست عناصرَ من داخل النص، بل تدخُّلُ القارئ في فضاء النص، على غرار تجربة قطة شرودنغر (التي يُحدِّدُ "حالتَها" تدَخُّــلُ الراصد الخارجي)، مما يؤدِّي إلى قراءات لا حصرَ لها. ولهذا قديماً قال عليٌّ بن أبي طالب بأنَّ القرآن حمَّال أوجه. فالنصُّ يؤكِّد مبدأَ الارتياب أو الريبة أو اللايقين (principe d incertitude). ولهذا أيضاً وضعَ فقهاءُ المسلمين ضوابطَ لتأويل القرآن وتفسيره لتقليل الارتياب وتقليص دور القارئ حتى لا تفلتَ سلطةُ النص من بين أيديهم.

إنَّ مبدأ اللايقين أو الارتياب الدلالي في أي نص مكتوب أكبر منه في الكلام المنطوق لأنَّ الكلام المنطوق يندرج ضمن سياق زماني ومكاني معروف للمتكلم والسامع، في حين أنَّ سياق النص المكتوب غائب وغير واضح وغير معروف للقارئ. وعلى الرغم من أنَّ علماء المسلمين وضعوا أسبابَ النزول لتحديد سياق النص القرآني، إلا أنه مازال يكتنفه الغموضُ. وهذا أمرٌ طبيعي.

الكلامُ هو ترميزٌ واختزالٌ للواقع. والكتابةُ هي ترميزُ للكلام، أيْ هي ترميزُ الترميزِ وانعكاسُ الانعكاس. وبالتالي، يكون ضياعُ المعنى أو انحرافُه في النص المكتوب أكبرَ منه بكثير في الكلام المنطوق. ربما لهذا السبب وردَ في التراث أنَّ العِـــلْــمَ يؤخَذ من الصدور لا من السطور، أيْ أنَّ المعنى يكون في قلب القارئ لا في قلب النص. المعنى وعيٌ والوعيُ يكونُ لدى القارئ لا في النص. فكلُّ دِينٍ يهتمُّ بالنص أكثر من اهتمامه بالقارئ يُساهِــمُ في تراجُعِ وعي أتباعِه.

في كل نص مكتوب لا يوجد إذاً أيُّ يقين في المعنى، بل هناك ارتيابٌ نظراً لعدم توفُّـر السياق. وبالتالي لا يمكن للنص المكتوب أنْ يكون له معنى واحد، بل معانيَ شخصية لا حصر لها ولا يمكن للقارئ أن يدركَ من المعاني إلا ما هو موجود في داخله هو لا في داخل النص. ففي داخل النص كما في داخل المرآة لا يوجد شيء أصلاً. ما نراه في النص وفي المرآة هو نحن أنفسُنا، حركاتُنا وسكَناتُنا، رغباتُنا ودوافِعُنا، جَمالُنا وبشاعتُنا، تناقضاتُنا وانسجاماتُنا، صمتُنا وثرثرتُنا. لا يعكس النصُّ إلا قارئَه كما لا تعكس المرآةُ إلا ناظرَها. وبالتالي، لا يمكنُ فرضُ تفسيرٍ محدَّد للنص على أحدٍ لأنَّ لكل شخص تفسيرَه الخاص وصورتَه الخاصة. وهكذا، لا يمتلك النصُّ قراءةً واحدة ولا حقيقة واحدة بل قراءات وحقائق مختلفة ومتناقضة وشخصية جداً. وهذا ينطبق على كل نص.

هناك فكرتان في القرآن تحثنا على نقد القرآن هما: نبذُ الاتِّباع والدعوةُ إلى التفكير.
1)- محاربة الاتِّباع: ينتقد القرآنُ في أكثر من آية اتِّباعَ الموروث والتقاليد أياً كانت وبدون قيد أو شرط. أليس الإسلامُ والقرآن هما مما وجدْنا عليه آباءنا؟ يقول القرآنُ: "بل نتَّبع ما ألفَينا [وجدْنا] عليه آباءنا" (البقرة، 170)؛ "قالوا: وجدْنا آباءنا لها عابدين" (الأنبياء، 53)؛ "قالوا: يا صالحُ قد كنتَ فينا مرجوَّاً قبلَ هذا. أتـنهانا أنْ نعبدَ ما يعبدُ آباؤنا؟! وإننا لفي شكٍّ مما تدْعونا إليه مريب." (هود، 62)؛ "وإذا قيل لهم: اتَّبِعوا ما أنزلَ اللهُ قالوا: بل نتَّبع ما ألفَينا عليه آباءنا. أَوَلَو كان آباؤهم لا يَعْـقِلون شيئًا ولا يهتدون." (البقرة، 170)؛ "وإذا فعلوا فاحشةً قالوا: وجدْنا عليها آباءنا واللهُ أمرَنا بها." (الأعراف، 28)؛ "قالوا: أَجِئْتَـنا لِتَـلْـفِـتَـنا عما وجدْنا عليه آباءنا؟!" (يونس، 78)؛ "قالوا: بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون." (الشعراء، 74)؛ "قالوا: بل نتَّبع ما وجدنا عليه آباءنا." (لقمان، 21)؛ "بل قالوا: إنَّا وجدْنا آباءنا على أُمَّـةٍ [ملَّة أو دِين] وإنَّا على آثارهم مهتدون." (الزُّخرُف، 22)؛ "وكذلك ما أرسلْنا من قبلكَ في قريةٍ من نذيرٍ إلاَّ قال متْرَفوها: إنَّا وجدنا آباءنا على أُمَّةٍ وإنَّا على آثارهم مقتدون." (الزُّخرُف، 23)
2)- الدعوة إلى التفكير: يدعو القرآنُ إلى التفكير في كل شيء بدون قيد أو شرط. ومن أهم هذه الأشياء التي يجب التفكير بها القرآنُ نفسُه، ليس بهدف اتِّباعِه (لأنَّ القرآن ينتقد الاتِّباعَ)، بل بهدف معرفته. يقول القرآن: "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق" (العنكبوت، 20)؛ "قل انظروا ماذا في السموات والأرض" (يونس، 101)؛ "أوَلَـمْ يـنظروا في مـلكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء" (الأعراف، 185)؛ ففي مثل الآيات وغيرها من الآيات المتضمنة عباراتٍ مثل: "أفلا يعقلون"، "أفلا يتفكرون" هي دعوة صريحة إلى النظر والملاحظة والتفكير والبحث بأي شيء وبدون شرط.

في المسيحية نجد عبارةَ "وتَعرِفون الحقَّ والحقُّ يحرِّرُكم" (يوحنا، 8: 32). ممَّ يحرِّرُنا الحقُّ إنْ لم يحرِّرْنا من سلطة النص ومن أغلال الإيديولوجيا ومن عمى الأقنعة والـ"طَمَّـاسات" أو "الطَّمَّاشات" (الغِمامة أو كمامة عينَيْ الحصان، œillères، blinkers، blinders)؟!

ما نقوم به من تحليل ونقد ليس كرهاً بالقرآن أو حباً بغيره، بل وصفاً لما هو موجود بدون تحيُّز. ما يهدي الإنسانَ ليس القرآنُ ولا اللهُ، بل اختبارُ الإنسان وعملُه. الهدايةُ هي أنْ أعرِفَ نفسي. والقرآنُ، كغيرِه من النصوص، يَحوْلُ بيني وبين رؤيتي لنفسي لأنه يقدِّم لي رؤيةَ واختبارَ أشخاصٍ غيري لهم تجربةٌ غيرُ تجربتي وحاجاتٌ غيرُ حاجاتي وعاشوا في زمن غير ومني، وبالتالي فاتِّباعُ رؤيتهم وتَبَـنِّي خبرتِهم يمنعني من تحقيق رؤيتي وخبرتي. لقد صوَّروا ضوءَ الشمس المنتشر في مكانهم وزمانهم ووضعوا الصورةَ في كتاب ونشروا الكتابَ وقالوا: "من أراد أن يرى الشمسَ فليقرأ هذا الكتابَ." وكلُّ من اعترض عليهم سفَّهوه وربما قتلوه.

المشكلة في القرآن بشكل خاص وفي كل نص مقدَّس أو ديني بشكل عام هي أنَّ قداسته تمنع الحيادية. فالمؤمنُون به يَتَدافعون إلى الدفاع عنه وإلى قبوله قُبولاً مطلَقاً، وغيرُ المؤمنين به ينتقدونه ويرفضونه رفضاً مطلَقاً. موقفُ القُـــرَّاء من النص القرآني ليس كموقفهم من أي كتاب آخر غير ديني. عقيدتُهم تمنعُهم مِن رؤيةِ العيوب والمزايا فيه أو مِن رؤيته كما هو بدون عيوب ولا مزايا. إنَّ الذهن البشري قادر على تبرير أي شيء نطلبه منه لنؤكِّدَ صحة عقيدتنا مهما كان متناقضاً. وبالتالي فموقفُ من يرى فيه الكمالَ المطْـلَقَ والخيرَ المطلق إلى حد الإعجاز لا يختلف كثيراً عن موقف من يرى فيه النقصَ المطلق والشرَّ المطلق إلى حد التفاهة.

فلنخلعْ عن القرآن صفةَ القداسة ولننظرْ إليه بعين محايدة، هذا إذا امتلكنا الجرأةَ والشجاعةَ في أنْ نكون أحراراً من عقائدنا وقيودنا، ليس لنقده ولا للدفاع عنه بل لرؤيته بدون أي حكم مسبق. فبمجرَّد أنْ نُــقيِّـــدَ الحقيقةَ في رموزٍ لغويةٍ مكتوبةٍ تُـــقيِّـــدَ هذه الرموزُ تفكيرَنا فننسى أنَّ الحقيقة موجودةٌ خارجَ النصوص وخارجَ الأديان. لنقرأ القرآنَ كما نقرأ نصاً لا يهمنا ولا نعرفه ومن دون أي تقييم. عندئذٍ نراه على حقيقته، وبتعبير أدق نرى حقيقتَـنا فيه. لِنَصِفْه بعلمية محايدة قدر الإمكان، كما نصف أي شيء في هذا العالَم.

يقول المسلمون، وحتى المنفتحون منهم، إنه يجب الحذرُ من نتائج الدراسات التي أجراها على القرآن المستشرقون وغيرُ المؤمنين به بشكل عام، بحجة أنها غير حيادية. وهذا صحيح من جانب. ولكنَّ هذا الحذر يجب أنْ ينطبقَ أيضاً على جميع الدراسات التي تنطلق من أفكار مسبقة جاهزة سواء كانت مُدافِعة أم مُهاجِمة. فإذا رفضْنا كلَّ ما فيه نقدٌ وقبِلْنا كلَّ ما فيه مديح فقط فإننا لا نختلف عن أي ديكتاتور يصنِّفُ الشعبَ إلى مؤيِّد ومُعارض فيقبل ويقرِّبُ المؤيدَ ويرفض بل يقتل المُعارِضَ. وليس في هذا التصرف أي صفة علمية، بل اتِّباع الأهواء ومعتقدات الآباء. رفضُ الدراسات القرآنية التي قام بها غيرُ المؤمنين بالقرآن يجب أنْ يؤدِّيَ إلى رفض دراسات المسلمين للسبب نفسه الذي رُفِضَتْ من أجله دراساتُ غير المسلمين، وهو عدم الحيادية. وبالتالي، يجب الحذرُ من أي بحث يدافع فقط عن النص القرآني من دون أي نقد. فهل وصفُ المسلمين لكتابهم بالمعجِز أكثرَ حيادية من وصف غير المسلمين له بأنه نص عادي يعكسُ عصرَه وتناقضاتِه. ربما علينا، لكي نأخذَ صورةً شبهَ كاملةٍ، أنْ نجمعَ جميعَ الصور المختلفة والمتناقضة إلى بعضِها البعض كما تُـركَّبُ قِطَعُ البَـزْل [الْـــﭙَـــزْل] (puzzle, casse-tête) في لعبة أُحْجِية الصور المقطوعة.

ثم ما هو الإعجازُ؟ كلمة لا معنى لها، إذْ كيف لنصٍّ مكتوبٍ أنْ يكون معجزِاً. كيف لرموزٍ محبوسةٍ في صندوق أنْ تكونَ بلا مثيل، في حين أنَّ كلَّ اللغات رموزٌ مماثلة؟ يبدو أنَّ الإعجاز (بمعنى عدم إمكانية الإتيان بمثله) ما هو إلا دعاية إيديولوجية لترويج القرآن لدى العامة وغير العارفين. فلو كان معجزِةً لغويةً لما انتقدَه بشدَّةٍ معاصروه من عرب قريش الذي وُضِعَ بلغتهم ولما انتقدَه غيرُهم (مثل: يوحنا الدمشقي (القرن السابع الميلادي) وبارشو لوميو الرهاوي (القرن الثاني عشر الميلادي) وابن كمونة اليهودي (توفي 1284 م) والباحث الليبرالي أحمد القبانجي، الذي يشير إلى أنَّ العرب لم يأتوا بمثل القرآن لخوفهم من القتل وإلى أنَّ هناك ما هو أبلغ من القرآن بكثير ككتاب نهج البلاغة، وكذلك معروف الرصافي وغيرهم). لو كان معجزاً لآمنَ به العربُ جميعاً دونَ تردُّد ولما احتاج واضعوه والمؤمنون به إلى فرضه بالقوة فكلُّ من ينتقدُ القرآنَ يُقتَـل أو يُــسَـفَّه أو تُتلَف كتُبُه وتُطمَسُ أفكارُه. يربطُ الإعجازيون إعجازَ القرآن ببلاغته واحتوائه على حقائقَ علميةٍ في حين أنه يمتلئ بالإطناب والإسهاب والغموض ومخالفة أبسط الحقائق العلمية، كما أوضحَ أحمد القبانجي. والبلاغةُ هي إيصال المعنى بوضوح وإيجاز. ألا يحتوي القرآن على آيات لم يفهمْها كِبارُ المفسرين واللغويين؟! لقد أدركَ المعتزلةُ زيفَ ادِّعاء الإعجاز فلجأوا إلى تبريره بالصِّرْفة فقالوا إنَّ عدمَ الإتيان بمثله ليس بسبب عجز العرب بل لأنَّ الله صرَفَهم عن ذلك.

شهرةُ القرآن ليست إذاً بسبب إعجازه وقيمتِه، بل نتيجةَ عواملَ سوسيولوجيةٍ وثقافيةٍ وعسكريةٍ واقتصاديةٍ وسياسيةٍ محدَّدة. فكِتابُ تعلُّـم الفيزياء (Initiations à la physique)، مثلاً، الذي كتبه عالِمُ الفيزياء الألماني الشهير ماكس ﭙــلانك (Max Planck) (1858 - 1947)، مؤسِّسُ نظرية الكم وأحدُ أهم فيزيائيِّي القرن العشرين، قد حقَّقَ شهرةً واسعةً، في حين أنه كِتاب فارغ بحسب رأي الفيلسوفة الفرنسية الشهيرة سيمون ﭭـايل (Simone Weil) (1909 - 1943) (في: رهانات العلم حول: النظرية الكوانتية)، إذْ تقول:

"بعضُ النقاد، مأخوذين بشهرة المؤلِّف العلمية، ظنوا أنهم رأوا في هذا الكتاب فكراً عميقاً؛ وجاؤوا بعدة شواهد ليدعموا رأيهم، فكانت هذه الشواهد أفكاراً مبتذلة مكرَّرة لا مثيل لسطحيتها. فلو تغاضينا عن شخص المؤلِّف لكان هذا الكتابُ بحقٍّ شِبْهَ فارغ من الأهمية إلاَّ في بعض الصفحات. فكل ما يمتُّ فيه بصِلة إلى الفلسفة العامة والله والنفس البشرية والحرية والمعرفة ووجود العالَم الخارجي قليلُ الأهمية، ذو معنى عام، ولكنه مبتذَل وغامض سطحي."

القرآنُ كذلك. وكلُّ من يجرؤ على نقده يُــعَــدُّ كافراً أو ملحداً أو مرتداً أو مجنوناً. ولو قُـــدِّمَ للمؤمنين بالقرآن ألفُ دليلٍ على أنه نصٌّ عاديٌّ لا بلاغةَ فيه ومترجَمٌ أو مجموعٌ من عدة نصوص متناقضة فسيطلبون أنْ نأتيَ بمثله ولو أتيناهم بأجودَ منه (وهناك ما هو أجود منه بكثير) لما اعترفوا بذلك. فقد أعمَتْهم عقيدتُهم عن رؤية أية بلاغة غير القرآن وشوَّهَ قرآنُهم ذائقتَهم اللغوية.

القرآن ليس سوى رموزٍ لغويةٍ مكتوبةٍ تشير إلى أحداث وأشخاص وأمكنة وأفكار وانفعالات حصلَتْ في زمن ما بعيد عنا وليس زمننا. إنه رموزٌ أفرزَها عصرٌ أو عصورٌ سابقة لتلبية حاجات اجتماعية وسياسية معيَّنة ويستخدمها بعضُ البشر الآن لأغراض فردية أو جماعية مِن أجلِ حمايةِ الأنا (الفردية أو الجمعية) مثلاً أو تخدير النفوس أو تهدئتها أو تلبية حاجتها إلى التعلُّـق بشيءٍ ما وإلى الانتماء أو لخدمة الصراع الديني والإيديولوجي أو بهدف السيطرة على النفوس أو على الآخرين أو غير ذلك من أهداف لا حصر لها.

لأراقب أحاسيسي ومشاعري ورغباتي وحركات ذهني ودوافعي عندما أدافع عن القرآن (أو عن غيره) أو عندما أهاجمه. لماذا أدافع عنه؟ عندما أدافع عنه عمَّ أدافع في الحقيقة؟ أدافع عن عقيدتي، عن أفكاري، عن الأنا الوهمية التي شكَّــلْــتُها والتي سأغادرها حتماً؟ ألا يمكنني أنْ أعيشَ بسلام بدون القرآن وبدون أي نص آخر؟ أليس هناك أفراد كثيرون غيري قد يكونون أسعدَ مني بكثير ولا يعرفون لا القرآنَ ولا غيرَه من الرموز اللغوية المكتوبة والملبَّسة بأنانية القداسة؟ ثم ما هي معايير القداسة؟ هل الحروفُ المرسومةُ على ورقٍ أَقْدَسُ من الإنسان والشجرة والجرادة والفراشة والبعوضة والحجر والهواء؟ لماذا لا يكون العكس صحيحاً؟ أليس الهواءُ الذي لولاه لما كنا أَقْدَسَ من أي رمز وأي كتاب؟ ولماذا اختَــلَـقْـنا مفهوم المقدَّس أصلاً؟ وإذا كنتُ مهاجماً للقرآن، فلماذا أهاجمه؟ هل القرآن يمنعني من أنْ أتنفَّسَ وأشربَ وآكُـلَ وأعيشَ وأسمعَ وأرى وأستمتعَ وأختبر؟ قد يمنعني إذا سمحتُ بذلك. فالمسألةُ إذاً تتعلَّق بي وحدي. إذاً، لأرى بعينيَّ الشمسَ لا الصورةَ الباهتة التي رُسِـمَتْ منذ قرون.