بطالة الشواهد العليا في المغرب/بين المقاربة الامنية واستحقاقات 2007

لطيفة الحياة
2007 / 5 / 28

تحولت العاصمة الإدارية المغربية (الرباط) إلى قبلة حجت إليها أفواج من المعطلين الحاملين للشواهد العليا(الدكتوراه، دبلوم الدراسات العليا المعمقة،دبلوم الدراسات المتخصصة). والقادمين من مختلف المدن الجامعية المغربية شمالا وجنوبا شرقا وغربا، هدفهم الوحيد والمشترك هو نيل حقهم الدستوري المتمثل في الإدماج المباشر والفوري في سلك الوظيفة العمومية. ويزيد عددهم عن الألفين بالنسبة للمسجلين في قوائم المجموعات الأربعة (الاستحقاق-النصر- المبادرة-الحوار) في حين مازالت هناك مجموعات أخرى قيد التشكيل.

اختارت هذه الأفواج من الأطر العليا النزول للرباط العاصمة للتعبير على كون مشكل بطالة الشواهد العليا مشكلا وطنيا وليس مشكلا جهويا، وانه لم يعد يحتمل السكوت عنه في بلاد ترفع شعارات كبيرة مثل: التنمية البشرية وحقوق الإنسان... وتراهن مجموعات الأطر على انتخابات 2007، التي أوشكت على موعدها، كورقة ضغط للتسريع في إيجاد حل لملفها. إلا أن المسؤولين عن ملف التشغيل في الحكومة المغربية قابلوا الهياكل الممثلة للأطر بحوارات غير جادة، إذ لم تكشف عن إرادة حقيقية لحل مشكل بطالة الشواهد العليا بقدر ما كشفت عن التجاهل والتماطل والتسويف. بل، بلغ الأمر حد إغلاق أبواب الحوار أمام جل مكاتب مجموعات الأطر.
دفع هذا الخيار المجموعات الأربع للأطر نحو تنسيق جهودها وخلق إطارا نضاليا موحدا تحت اسم "المجموعات الوطنية للأطر العليا المعطلة" كما شجعهم على تصعيد خطهم النضالي بالنزول اليومي للاحتجاج أمام قبة البرلمان، ورفع شعارات تنديدية بسياسة الحكومة في مقاربة مطلبهم.

وهناك في الساحة الخضراء تصطف أفواج الأطر بهياكلها التنظيمية ولافتاتها التعبيرية وجها لوجه مع أشعة الشمس الحارة، رافعة شعارات قوية تكشف عن ملامح قراءة جديدة لسرب الحمام المتطاير، ونافورات الماء، وأشجار النخيل السامقة أمام قبة برلمان الديمقراطية وحقوق الإنسان. هذه الصورة التي تكتمل بنزول رجال الأمن ببدلهم المختلفة الخضراء والزرقاء وهراوتهم السوداء. والتي إن عبرت عن شيء فإنما تعبر عن قدرات بلداننا في تسريع عمليات القمع مقابل تأخير كل مصالح الإنسان العربي.

تقف قوات الأمن بهراوتها في شخص شباب في سن العشرينات والثلاثينات اغلبهم إن لم نقل جلهم حظهم من التعليم اقل ممن يحاصرونهم من الأطر. يقفون وهم على أهبة الاستعداد للضرب والركل في أي لحظة، لا يفرقون بين الذكور والإناث، ديدنهم الوحيد إسكات الحناجر وتفريق الأفواج ومنعهم من خوض أي شكل نضالي يثير انتباه الرأي العام، حفاظا على الصورة الجميلة للحكومة المغربية. يقف هؤلاء (الأمن) من أبناء الشعب المغربي لمواجهة إخوانهم (الأطر) من أبناء الشعب نفسه، هكذا إذن، يواجه الشعب بالشعب مقابل حماية من يتلاعب بمصالحهم جميعا، ولينعم بالأمن والاستقرار. لقد فطنت أفواج الأطر العليا لهذه المقاربة لكن هل فطن إليها جهاز التدخل السريع، وهو يرفع عصاه ليهوي بها على جسد أخيه الإطار، الذي اختار أن يسلك طريق البحث العلمي للإسهام في تنمية بلده. وما كان ليخطر له على بال أن وطنه سيناقشه يوما بلغة العصا والهراوات.

وفي غضون بداية الأسبوع الماضي قررت "المجموعات الوطنية للأطر العليا المعطلة" الاحتجاج أمام قبة البرلمان لعلمها بانعقاد جلسة للنواب البرلمانيين. هؤلاء الذين هالهم الكم الكبير للمسيرة، فما ملكوا جوابا غير تلصص النظر بين الفينة والأخرى من خلف ستائر النوافذ و زجاج الباب الرئيسي لاستطلاع منظر الساحة الخضراء المقابلة لهم، والتي تنكرت لجماليتها هذا الأسبوع وتطوعت لخدمة أبناء الشعب من مختلف بقاع الوطن الحبيب، مساحة جميلة أبت إلا أن تعزز بكل مكوناتها مسيرة الأطر ونضالهم، شعارات قوية ترددها عقول سلمية وقامات شامخة وصابرة جنبا إلى جنب مع أسراب الحمام المتطاير والنخيل الشامخ والورود الملونة.
اجل، لقد تماهت الطبيعة مع الأطر لتخاطب النواب البرلمانيين بعدما كانوا بالأمس يستثمرون مكوناتها رموزا لدعاياتهم الانتخابية وأحزابهم السياسية من: جمل وحمامة ونخلة ووردة وفرس ومصباح ومفتاح... تماهت النخلة والحمامة والوردة والماء والنافورة اليوم مع المحتجين لتسائلهم عن حجم تحملهم للمسؤولية في حل ملف الأطر وكل حركات الاحتجاج المغربية. وكالعادة صم هؤلاء أذانهم عن الإنسان وعن الطبيعة، وولوا ظهورهم إليهم، واستقلوا سياراتهم الفاخرة متجاهلين مطلب وملف أولاد الشعب، الذي أوصلهم لهذه المقاعد ووضع فيهم ثقته ليمثلوه ويحلوا مشاكله.


انصرف النواب البرلمانيون إلى فيلاتهم وسهراتهم ومكالماتهم الهاتفية المطولة بينما بقيت أفواج الأطر محاصرة من كل الجهات رافعة لشعار قوي بحناجر قوية يلاحق هؤلاء ( وعليكم صوتنا، خليتونا ومشيتوا، وقضيتوا صوالحكم، دارت الأيام وجيتوا، وهاذ الحكومة والله فيها لا بقيتوا ) عله يجد ضميرا حيا، وعل صداه يصل أمهاتهم وآباءهم وشعبهم في أرجاء الوطن الحبيب، الذين ينتخبون كل أربع سنوات. ينتخبون على من ينساهم وينسى همومهم بمجرد إعلان نتائج التصويت، فيقضي مصالحه وينتفخ رصيده في البنوك براتب شهري لو تم توظيفه لمعالجة مشاكل أبناء الشعب لحلها. فهل من بين هؤلاء النواب من تساءل يوما عن ما يقدمه من خدمات مقابل ما يأخذه من امتيازات و أموال؟

ذهب النواب البرلمانيون يستعدون لحملاتهم الانتخابية القريبة، يبدعون في الكذب ألوانا وأشكالا، وأغلق المسؤولون كل أبواب الحوار مع الأطر، وما تبقي لهم إلا لغة العصا والهراوات كحل ومقاربة لملفهم العادل والمشروع بنص الدستور المغربي. فهل ستفلح المقاربة الأمنية في إسكات الأطر وتفريق مسيراتهم الاحتجاجية أم أنها ستأجج نضالا قويا ؟

تحت ضغط الوقت وقرب موعد الانتخابات من جهة وتماطل المسؤولين من جهة ثانية صعدت الأطر من احتجاجاتها، وكثفت مسيراتها أمام البرلمان رافعة شعارات تنديدية تلفت نظر الرأي العام للخلل في سياسة الحكومة وارتباطها بخيارات التنمية والانتخابات في البلاد من مثل:
- قالوا المواطنة، والانتخاب حق لنا، ولا داعي للانتخابات بلا تشغيل الكفاءات.
- وقالوا علاش عزفوا الشباب عن صناديق الانتخاب، وشكون أنت وشكون أنا اللي الزرواطة هالكنا؟.
- (قالوا الدولة قوية، احسب لينا في التنمية، وقالوا الهراوة هي تعالج كل قضية، واضرب اليوم واضرب غدا، وحتى لاين حتى لاين)
- واخا تعيا ما تطفي غاتشعل غاتشعل، هي نار المعطل، نار قوية غا تشعل).
تردد هذه الشعارات على مسمع من المسؤولين ومن سكان الرباط، الذين يتابعون المشهد يوميا من على أرصفة شارع محمد الخامس. شعارات ممتزجة بصراخ الأطر الناتج عن الضرب والرفس والمطاردات الأمنية لهم عبر أزقة الشارع ومحلاته ومقاهيه. فتتحول المسيرة الواحدة لمسيرات والمجموعة الواحدة لمجموعات وهكذا ينتهي اليوم بإصابات بليغة في صفوف المعتصمين تتراوح بين الكسور والرضوض والإغماءات والجروح المتفاوتة الخطورة. يتم نقلها بسيارات الإسعاف- التي تكون في الخدمة بمجرد نزول الأمن- إلى مستشفى ابن سينا بالرباط.
تقترب انتخابات 2007 ويقترب معها نزول الأحزاب لمخاطبة الشعب واستجداء عطفه، بينما تبقى المقاربة الأمنية هي خيار الحكومة، ويبقى التصعيد والشعارات التنديدية هي سبيل أفواج الأطر العليا، ويبقى الجواب للأيام عندما تتفاعل العصا مع الشعار والهم لتفرز نواب جدد وحكومة جديدة. فهل ستفرز تفاعلات ما قبل 2007 سياسة جديدة لحكومة استحقاقات 2007 أم أن المقاربة الأمنية هي الحل الدائم لمطالبنا ومشاكلنا مهما تغيرت حكوماتنا؟