تفاعلا مع وفاء سلطان / من خلال حلقات الشيخ محمد وظاهرة اللسان الداشر.

لطيفة الحياة
2007 / 4 / 5

لأول مرة اقرأت للسيدة وفاء سلطان، التي لا أكاد اعرفها إلا من مقالاتها هذه، التي شدني إليها عنوانها " الشيخ محمد وظاهرة اللسان الداشر" إذ كنت أحاول تصور المضامين التي ستأتي تحت هذا العنوان، مع محاولة لفهم طرفيه، فمن يكون الشيخ محمد هذا؟ وماهية ظاهرة اللسان الداشر؟ غصت في المقالات لأعرف الشيخ محمد وافهم ظاهرة اللسان الداشر، وأنا أتتبعها لم اعد اهتم لمحمد ولا للظاهرة بل، صرت مهتمة بوفاء سلطان نفسها. هذا القلم الذي كتب كثيرا من أفكاري، ويتحرق كما أتحرق، ويطرح هم الانتشال من القاع، ويستغرب حال الجاليات المسلمة في دول المهجر. ويتساءل متى نتعلم القفز أعلى من السقف بل، متى نزيل هذا السقف؟
صحيح سيدتي وفاء وكما يظهر من صورتك انك تكبريني سنا، ومما لا شك فيه تكبريني تجربة وانفتاحا
والمثال الشعبي المغربي يقول:" اللي فاتك بليلة فاتك بحيلة " فاعتقد انه بيننا فارق ليالي كثيرة(سنوات) وبالتالي فبيننا حيل كثيرة وكثيرة جدا( تجارب في الحياة) إلا أنني لا أنكر ها هنا انك كتبت بقلمي وتحدث بلساني، وعبرت عن بعض أفكاري وطرحت بعضا من أسئلتي، مما شجعني أكثر للتواصل معك والتفاعل مع قلمك في نقاط عدة قد تكون أولها تجربة عالم النفس الأمريكي على البراغيث في أخر حلقة من حلقات مقالاتك عن اللسان الداشر.
أعجبني الإسقاط الذي أحدثيه لتجربة هذا العالم على حال المسلمين وبالخصوص (النخبة المثقفة) مع سقف الفهم الديني للإسلام. فلطالما تصورتها هكذا، لكن خانني التشبيه الذي لا أراك إلا قد وفقت فيه هنا. نعم وفقت في إسقاط حال البراغيت على حال مثقفينا ودعاتنا و بعض مفكرينا الذين أبو إلا أن يقفزوا قفزات اقل من السقف الذي رسمه لنا الأسلاف برؤاهم وكتبهم وتفسيراتهم للنصوص المقدسة. سقف بنته كتب التفاسير والروايات الحديثية وجهود وتأويلات علماء السلف الذين لا لوم عليهم أبدا، إذ أنهم كانوا رجال زمانهم وفكروا بقدراتهم العقلية التي منحهم إياها سقفهم المعرفي وأدواتهم المعرفية. واللوم كل اللوم على دعاة ومفكري وباحثي هذا العصر، الذين لم يحركوا عقولهم في علاقتهم بالنصوص واكتفوا بأخذ الجاهز مما خلفته العقول السابقة واعتبروه مقدسا لا يعلو عليه. متناسيين أن هذا التراث وان كان صالحا لزمانه فيستحيل أن يصلح لزمننا كما يستحيل أن يصلح ما ننتجه اليوم لزمن يأتي بعدنا.
إن ما خلفه الأسلاف من تفاعل مع النصوص المقدسة المؤسسة لا يكاد يخلو من الثقافي، هذا الثقافي الذي يتدخل في فهمهم للمقدس بل، يتلبسه. فلا ينبغي أن نغفل على أن النص الديني يخضع للتنزل البشري فيخالط العقل الإنساني الذي يعطيه حقيقته من الجملة الثقافية التي ينشأ فيها ويعيش، وعليه فمهما يكن النص منزلا فلا يعني هذا أنه يحوي معناه التفسيري، ومعناه ألتأويلي بداخله. فلنأخذ مثلا، مفهوم الإله نفسه كمعنى مقدس، ومتعال على البشر فلقد خضع ومازال يخضع لهذه الإسقاطات، إذ ينظر للإله الواحد في قدرته على التجسد، وأحيانا في قدرته على الحلول، وأحيانا أخرى في قدرته على مخاطبة الإنسان بواسطة. فكل مطلق إذن، يتحول لدى الإنسان إلى نسبي، إذ يعيد الإنسان إنتاج المفاهيم الخاصة به، وعلى ضوء هذا، يتبين لنا أن الحكم في مقاييس النظر في النص هو الثقافة.
بما أن ثقافتنا اليوم متطورة عن ثقافة الأسلاف فبالضرورة أن يكون تفاعلنا مع النصوص المؤسسة أكثر تطورا من تفاعل الأسلاف معها. ولهذا، وجب علينا جميعا الانفتاح على النصوص بكل ما نملك من أدوات معرفية وما بلغه سقفنا المعرفي من مستويات في التحليل والتعامل مع المعلومة.هكذا سنقفز أعلى من السقف فلا تصدق علينا تجربة عالم النفس الأمريكي. بل ليس هناك سقف أصلا إذا نحن وعينا الأمر بعقولنا.
وأنا أقرا لوفاء سلطان مقالاتها حول"الشيخ محمد وظاهرة اللسان الداشر" لفت انتباهي أسلوبها التنكيتي الذي يعتمد التشبيه والإسقاط من اجل تقريبنا من الفكرة أو الأفكار. أسلوب اقرب ما يكون لأسلوب المفكر السوري خالص جلبي، إذ كلاهما يجعلك تتابع قراءة مقالاته الطويلة دون ملل ولا تعب. أسلوب يركز على أمور صغيرة لا تكاد تشكل مشكلا إلا لمن ابتلاه الله بالدقة في التـأمل والملاحظة. فوفاء سلطان اهتمت في مقالاتها هذه بالتفاصيل الدقيقة لحياة الشيخ محمد الداشر وسلطت عليها الضوء لتكبرها أكثر وأكثر، فتربطها بالتخلف العام الذي يعيشه العقل العربي اليوم.
إن السيدة وفاء سلطان- من حيث لا تدري- قد انخرطت في دين الله الذي هو دين الإنسان والقيم الإنسانية. هذا الدين القرآني الذي بدأ مع ادم (أول الأنبياء وليس أول الخلق) واستمر مع موسى والمسيح والرسول عليه السلام، ومازال مستمرا مع كل من يحترم الإنسان ويقدره ويحيا على نصرة قيم الإنسانية من حب وسلم وعدل وخير. في هذا الإطار افهم هذا المقطع من مقالها:" كتب إليّ قارئ رسالة الكترونيّة جاء فيها: إنني أتفق معك في معظم ما تكبينه عن الإسلام والمسلمين، ولكنني أحس بأنك تروّجين للمسيحيّة بطريقة خفيّة وخبيثة!
أروّج للمسيحيّة؟!! لن أختلف معك على هذا الأمر وسأشرح وجهة نظري حياله!
بطريقة خفيّة وخبيثة؟!! لماذا أريد أن أتخفّى عندما أروّج للمسيحيّة؟ هل مازال أحد فيكم يظنّ أن وفاء سلطان تخاف فتتخفى عندما تروّج لفكر أو تحارب فكرا آخر؟
أروّج للمسيحيّة؟ نعم! ولكن ليس كدين وإنّما كتعاليم سمحة سمت بإنسانها وارتقت به ووضعته في مقدّمة البشر. أنا لا أدين بالمسيحيّة ولا بأيّ دين وعندما أقرر أن أتبنى دينا، أقولها علنا وبلا وجل أو خوف، ستكون المسيحية على قمة جدول خياراتي!
الدين في نظري مرحلة بدائية، قد لا يكون للإنسان مفرّ من المرور بها، لكّن المسافة التي تفصل بين الدين والله في النهاية مسافة شاسعة، ولكي يتوحّد الإنسان في الله عليه أن يجتاز تلك المسافة متحررا من أيّ اعتبار ديني، سابحا في الفضاء العلوي صعودا إلى حيث تكمن الحقيقة المطلقة!" (1) هي قالت أنها تروج للمسيحية ليس كدين ولكن كتعاليم سمحة سمت بالإنسان وارتقت به. ولا أضنها ها هنا تقصد سوى السلم والحب والمساواة التي جاءت في تعاليم السيد المسيح لإنقاذ الإنسان من ظلم وتعسف الكهنوت الديني اليهودي، الذي أثقل كاهل المجتمع بالطقوس الكهنوتية من قرابين وذبائح و تقدمات للهيكل وخيمة الاجتماع وكذا العنصرية والكره والعداوة.
جاء السيد المسيح وحرر الإنسان من قيود الكهنوت الديني اليهودي، وما أن رحل حتى كبست قبضة الكهنوت المسيحي على الإنسان من جديد واستمرت في خنقه ليأت محمد عليه السلام فيحرر الإنسانية من هذه القيود، فما أن يموت حتى يبرز كهنوت جديد. كهنوت الإسلام التاريخي الذي تأسس على أرضية الصراع على العرش والخلافة فتمزق جسم الأمة وظهرت الفرق الإسلامية، وتم بدأ التلبس الثقافي للنصوص المؤسسة.
ومع الكهنوت الإسلامي ظهرت مجموعة من المرويات المنسوبة للرسول الأعظم، مع هذا الكهنوت ظهرت المذهبية والتفرقة العنصرية، مع هذا الكهنوت برزت التفاسير وبرزت الكتب ذات الهالة والقداسة من مثل كتاب البخاري ومسلم اللذان حكما لهما بالصحة لأغراض سياسية.
في هذا الجو الكهنوتي ظهر ما تناقشه السيدة وفاء سلطان في مقالاتها من هموم الإنسان مع الدين. وهو ما تناقشه اليوم اغلب الدراسات والأقلام باسم الإسلام. وهنا ستسمح لي الأستاذة وفاء وكل من يحمل نفس الرؤيا أن الفت انتباههم إلى أن ما يناقشونه لا علاقة له بدين الله ولا بالقران. فما يناقشونه له علاقة بالكهنوت الديني وكيف فهم النص عبر مراحل التاريخ، هذه الفهومات التي تلبستها الأنساق الثقافية البدوية التي بدأت فيها رسالة محمد عليه السلام. وللأسف الشديد مازال الإسلام كرسالة يفهم في قوالبها البدائية الماضوية، وبسببها يحاكم القران اليوم كنص مكنون متجدد العطاء.
إن الموضوعية والعلمية تفرض علينا الفصل بين النص وبين فهم القراءات السلفية له عبر التاريخ. هذه القراءات التي استوفت مدة صلاحيتها في عصرنا هذا، لان ما قدمته من إجابات لا يصلح كإجابات على أسئلة وقضايا الإنسان المعاصر. فما نحتاجه اليوم هو العودة للنص للتفاعل معه من جديد بعقولنا وأدواتنا المعرفية المعاصرة من مناهج ونظريات علمية متطورة في كل العلوم الإنسانية. وبعبارة أخرى لابد من مقاربة النصوص المؤسسة بمناهج العلوم الإنسانية. وعندما نتحدث عن العلوم الإنسانية فإننا نتحدث عن تخصصات عديدة ومناهج عديدة تتكامل فيما بينها لمقاربة حقيقة النصوص بعيدا عن وصاية الفقيه أو المحدث أو دارس ما سمي ب ( العلوم الشرعية).
وعليه فكل ما طرحته الأستاذة وفاء سلطان من إشارات نبيهة حاولت من خلالها توضيح لا إنسانية الدين الإسلامي ما هي في نظري إلا مشاكلنا مع التراث ومع الفهم السلفي الماضوي للنصوص المقدسة. وأحب هنا أن ألفت انتباهها وانتباه كل من يتبنى طرحها لما يلي:

1- كثير من السلوكيات التي لم تعجبك أستاذتي عند المسلمين لا تكاد تجدين لها مبررا قرآنيا بل، تتأسس على المرويات التي نسبت للرسول الأعظم. هذه المرويات ( السنة) تحتاج أن يعاد قراءتها على ضوء القران لا أن يقرا القران على ضوءها. فالأصل هو القران، إذ لا مفر من أن نتجرأ ونعلن أن ما وصلنا باسم السنة هو الأخر تدخلت فيه اليد البشرية ولعبت فيه كما لعبت في التوراة والإنجيل. وتتحمل هذه المرويات مسؤولية كبيرة في إعاقتنا الدينية. وان الرسول بريء من هذه الخرافات والعصبية والكره والتفرقة الذي تؤسس له هذه المرويات.
2- لابد من اكتشاف منهج للدخول للقران لان دخوله دون منهج هو الضلال بعينه. هذا المنهج الذي سيجعلنا نقف على البعد الإنساني لدين الله الذي هو دين الإنسان وهو نفسه دين الإسلام. لكن أي إسلام نقصد؟ هل هو ما نراه اليوم؟
3- الإسلام حسب ما فهمته شخصيا من القران هو السلم والأمن والأمان وان تكون مسلما معناه أن يسلم الناس من أداءك. والإسلام ضد الإجرام، فكل من سلم الناس من أداءه هو مسلم قراني مهما كان انتماءه ولونه وجنسه. ( يمكن العودة لمقال لي حول مفهوم الإسلام دردشة بيني وبين الأستاذ عمر أبو رصاع).
4- تحدثت الأستاذة وفاء عن القراءة والترتيل والفرق بينهما، ورأت أن المسلمين لا يقرا ون القران بل، يرتلونه " المسلمون لا يقرأون كتابهم، بل يرتّلونه! هناك فرق كبير بين أن تقرأ وبين أن ترتّل! القراءة عمليّة حيويّة، يتفاعل خلالها العقل مع المادة المقروءة، يفكّر.. يحذف.. يضيف.. يتساءل.. يجيب.. يبدّل.. يغيّر.. يرفض.. يقبل. والترتيل عمليّة منفعلة آليّة يهمد خلالها العقل تحت تأثير النغمة، وليس تحت تأثير الكلمة" أنا معك أن القراءة ليست هي الترتيل، فأول سورة نزلت دعت لفعل القراءة وليس فعل الترتيل. "اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم "العلق) هنا دعوة قرآنية للقراءة أو بالأ حرى الجمع بين القراءتين، قراءة القران وقراءة الكون. فلا يمكن فهم القران دون التبحر في الكون وفهم أسراره فهناك علاقة جدلية بين الاثنين. هذه العلاقة التي نجدها غائبة في القراءات السلفية مما جعل نتائجها غير صالحة لعصرنا. والجمع بين القراءتين ليس معناه تكثيف اليدين والتكاسل حتى يصل علماء العقل إلى نتائج علمية مبهرة ثم بعد ذلك ينطق حفظة النص والنقل قائلين: إنها موجودة في القران. و يكفيني هنا أن انقل ما ذكره زميلي إبراهيم بن نبي في الفرق بين القراءة والتلاوة " قبل أن نصل إلى دليل الآيات أعلاه علينا أن نحاول فهم دليل الفعل "قرأ" و "قرآن".
فعل "قرأ" يدل على إخراج ما هو مكنون في رحم و بيانه. فبفعل قرأ يخرج ما هو مكنون في كتاب الكون من رموز و يخرج قرء للناس لبيانها، وبفعل "قرأ" تخرج بيانات ثلاث من جوف المطلقة دما يبين أنّها غير حامل:
"و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" البقرة :228

أمّا فعل "تَلو" فهو يدل على تتبع الكلمات المتتالية سواءا كانت مسطرة في صحيفة أو متتابعة في صوت أو منظورة في الكون. فتلاوة الكلام (الكلام في القرآن ليس خطابا شفويا بل هو ما نطلق عليه
Information " (3)

5- إن القران مكنون ومتجدد العطاء يكتفي بإعطاء الإشارات لمن يريد أن يتبعها في كل العلوم والمجالات. القران لا يحسم ولا يعطي إجابات نهائية، القران يرشد فقط ويمنح العقل فرص التحرك والتفاعل في إطار الجمع بين القراءتين. وعلى هذا الأساس نرفض ما يخرج به علينا بعض العلماء من مثل: ( الإعجاز العلمي في القران). فإذا كان القران لا يعطي إجابات حاسمة فكيف له أن يعطي علما متكاملا؟ ثم ماذا سوف يكون رد فعل هؤلاء عندما يتجاوز العقل والعلم ما اعتبروه هم بحقيقة قرآنية؟ هل سيقبلون بان يتجاوز العلم القران؟

6- لا يمكن أن نفهم القران بلغتنا العربية البشرية، فلغة القران شيء ولغتنا شيء أخر. لغة القران لا تقبل الترادف ولا الاشتراك اللفظي فكل مفردة تعبر عن معنى خالص. ومواقع الحروف والمفردات في القران كمواقع النجوم. كلما تغير عن مكانه اختل المعنى.

مع تحياتي وللنقاش والتواصل المعرفي بقية

1- وفاء، سلطان، الشيخ محمد وظاهرة اللسان الداشر، الحلقة الثالثة، الحوار المتمدن، عدد: 1809 ،2007 / 1 / 28.
2- وفاء، سلطان، الشيخ محمد وظاهرة اللسان الداشر، الحلقة الثانية، الحوار المتمدن، عدد 1808 - 2007 / 1 / 27
3- بن نبي، إبراهيم، خطوات في تأسيس منهج قراءة القرءان، الجزء الأول، منشورات منتدى معراج القلم،www.mi3raj.com