عار عليك يا مصر/بالأمس محنة ابو زيد واليوم نوال السعداوي

لطيفة الحياة
2007 / 3 / 9

متى ستتوقف مهزلة التكفير هذه؟ متى سنرفع الوصاية على العقل؟ متى سنعي أن الأصل في الإنسان هو الاختلاف وليس النمطية التي هي سمة منتجات المصانع والمعامل؟ متى سنعي أننا مهما تفاعلنا مع النص المقدس فلا يمكننا الثماه معه؟ إلى متى ستظل العقول الجامدة تحاكم العقول الحية؟ هل من حق فرد أو جماعة أو مؤسسة أو فكر احتكار الدين؟هل من حق بشر أن يتأله ويحاكم الناس؟
مازلت أتذكر جلوسي أمام الدكتور ناصر حامد أبو زيد في ندوة دولية بالمكتبة السعودية بمدينة الدار البيضاء، إذ كان يتحدث فكنت أنا أتساءل بيني وبين نفسي: ترى ما ذنب هذا الرجل؟ ما لذي قاله حتى تلفظه مصر من أحضانها؟ لماذا تطرده مصر بينما أكلف أنا سفرا ووقتا وجهدا ومصاريف لألحق الندوة واستمع إليه؟ لماذا يقبل على المغرب من هولندا ولا يقبل عليه من بلده الأم مصر؟ ما الذي قاله الرجل ليستحق التكفير؟ ومن يكن مكفريه بل، ماذا قدموا للفكر؟ ومن بوأهم منصب التكفير هذا؟
فإذا، كان نصر حامد أبو زيد كفر من داخل الجامعة، وبدأت محنته من بين أسوارها فماذا ننتظر إذن، من بلد تنكرت فيه الجامعة لدورها الحقيقي، وتخلفت عن دورها القيادي في المجتمع؟ إذا كانت الجامعة المصرية كمناخ يفترض فيه احتضان الاختلاف والتنوع الفكري هي نفسها من تزعمت لغة التكفير فرحمة الله عليك يا مصر ويا مصريين ويا عرب. إذا لم تستطع الجامعة المصرية أن تضمن لمن يتكلم من داخلها حرية التعبير فهل يضمنها له من كان خارجها وبعيدا عنها؟ إن الجامعة التي تقبل أن يكون بين أحضانها مكفرة للناس فأكيد أنها لن تخرج للمجتمع إلا جيوشا من المكفرين الأوصياء على الدين. إذ لا يمكن أن نقطف تفاحا من شجرة الزيتون ولا زيتونا من شجرة التفاح؟
أعتقد انه بعد محنة الدكتور نصر حامد أبو زيد، والتي كانت وصمة عار في جبين الجامعة المصرية بل، وكل المؤسسات والمنابر والوزارات التعليمية في مصر لا يمكن أن يفاجئنا ما يحصل للدكتورة نوال السعدواي اليوم. فمصر التي شهدت ولادة فكر النهضة وحَضَنَت كبار كتابها ليست هي مصر نفسها التي تطارد عقولها وتحاكمهم وتبلغ في أحكامها عليهم حد التكفير والردة والطرد من جغرافيتها. هذه، مصر التي تصفق لعمرو خالد وما يمثله من مد ثقافي تحاكم نصر حامد أبو زيد وتطارد نوال السعداوي. هذه مصر التي انطلق منها يوما عمروا خالد ليلمع صورة المسلمين لدى الدانمركيين والعقل الغربي عامة -بشأن ضجة الرسومات- هي نفسها بلد أبو زيد الذي يعيش بهولندا مع زوجته، وهي نفسها بلد نوال السعداوي التي غادرتها الآن في اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية. فعن أي حوار يتحدث عمروا خالد؟ وأي صورة سيلمع أمام من يحتضن عقوله الحية ويحتضنهم في وقت لم تسع صدور بلدانهم وإخوانهم آراءهم المنفتحة؟ فما الذي تغير فيك يا مصر حتى صرت تطبلين لعمروا خالد وتطاردين نوال وتكفرين أبو زيد؟ لماذا تراجع المد الحضاري فيك؟لماذا هان عليك أبناءك ومازالوا يهونون؟
إن استمرار بقاء أبو زيد في هولندا بعيدا عن بلده وهروب نوال إلى الولايات المتحدة لأهم مؤشر عن الوضع المتردي الذي بلغته مصر والثقافة المصرية بل، الثقافة العربية عامة. مؤشر على أن الشعوب العربية أسلمت رقابها للجهل والتخلف حتى خنقها تحالف قوى الاستبداد السياسي والكهنوت الديني. مؤشر على أن البحث العلمي في بلداننا العربية مازال تحت وطأة الإيديولوجية. مؤشر على أن حرية الفكر والتعبير مازالت شعارات تحلق في سماء بلداننا ولم يآن الأوان لتنبث في أراضينا ونجني ثمارها. مؤشر على أن بين ظهرانينا من تأله فصار يعتبر نفسه وصي علينا وعلى عقولنا. مؤشر على انه وجب علينا التفكير في اللجوء السياسي قبل التفكير في إشكالات الفكر والثقافة الإسلاميين. مؤشر على أننا إما أن نتحرك من اجل إنسانيتنا جميعا وإما أن نصفق لهؤلاء وهم يخنقون حرياتنا.
إن رهان مساندة هؤلاء العقول وأمثالهم هو رهان مساندة الحوار والحرية والتعايش، هو رهان مساندة الإسلام الإنساني، رهان مساندة دين الإنسان الذي هو دين الله الذي سيظهره على الأديان جميعا،رهان المستقبل. فهؤلاء العقول لا ينقضون الإسلام من خارجه؛ ولكنهم ناقدين للفكر الإسلامي من داخل الإسلام، وبالتالي فقضيتهم ليست قضية دينية، ولكنها قضية سياسية في الجوهر، قضية نقد لفكر ديني حدث بينه وبين الاستبداد السياسي تزاوج تام فصار كلاهما يتقوى بالأخر، فلما تكلمت هذه العقول محاولة فتح كوة من الضوء ثارت حفيظة هذه القوى، فصارت تدافع عن مصالحها باسم حماية القران من التعسفات متناسية أن القران لا حاجة له بدفاعاتها وانه يحمل قوته بداخله.
القران بريء من أفعال هؤلاء، القران لا يقول بطرد الناس من بلدانهم وتكفيرهم، القران لا يطالب بختان الرجال حتى ينسب إليه ختان الإناث، القران لا يمنع أحدا من النقاش ولا يوقف أحدا عن التعبير، القران لا يؤسس لذكورية ثقافية ولا يضطهد انثى، القران ضد الإرهاب الفكري و التأله البشري، القران يدفع للنقاش ويشجع على السؤال ولا يخيفه أبدا، القران نفسه من يقول:"قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين". القران لا يعاتب أحدا بوزر غيره مهما كانت درجة القرابة بينهم، القران لا يصادر كتابا ولا يمنع طبعه ولا نشره. القران ابعد من سلوكيات هؤلاء مهما حاولوا التستر وراءه. فمن يتبع القران لن يصفق لجرائم هؤلاء ولكنه سيساند العقول الحية ويقف إلى جنبها ضد قوى الظلم والاستبداد والكهنوت الديني.