قصتي مع الحجاب /بين حصار القراءات السلفية وبراءة القرآن

لطيفة الحياة
2007 / 3 / 8

-قصتي مع الحجاب-
بين حصار القراءات السلفية وبراءة القران
لقد أثارني هذا العنوان الكبير العريض على صفحات منتدى الحوار المتمدن "حجاب المرأة بين التقاليد الأجتماعية والبيئية والموروث الديني" فاحببت أن اطلع على ما بالداخل، فإذا بها دعوة للاستكتاب في موضوع الحجاب بمناسبة الثامن من أدار اليوم العالمي للمرأة. وأنا أتابع تفاصيل الدعوة مررت بعدة أسئلة استوقفني منها السؤال الأتي: ما هو دور الإسلام كدين في فرض معتقداته وتصوراته للمرأة وحجابها والانتقاص من مكانتها الاجتماعية وعقلها؟
أحببت أن أتوقف مع هذا السؤال الذي فرض على الكتابة والمشاركة في الملف لأمرين اثنين، أولاهما أنني متحجبة ومن مدة ليست بالقصيرة ومقتنعة الآن أن القرآن بريء من حجابي هذا، الذي لا يجد له مستندا إلا في القراءات السلفية السابقة للنص. و ثانيها أنني لا اتفق مع صياغة السؤال لبعدها عن العلمية والموضوعية، إذ بها نوع من التحامل على دين لم نعرفه إلا من خلال التأويلات البشرية المرتهنة لثقافات وأنساق معرفية قديمة. فهل فعلا القران كنص مؤسس هو من فرض على المرأة الحجاب؟ من يتحمل مسؤولية الانتقاص من المكانة الاجتماعية للمرأة ومن عقلها في بلدان المسلمين هل هو القران أم هي القراءات السلفية السابقة ؟
اعتقد أنه هكذا كان على الأسئلة أن تطرح بعيدا عن أي إيديولوجية، وطمعا في مزيد من العلمية والموضوعية كأساس هام عنده يبدأ العلم ويبدأ البحث العلمي الجاد والمثمر. فلقد علمتني تجربتي في الحياة أن اكبر عدو للعلم والتطور العلمي هو الإيديولوجية مهما كانت ألوانها وأشكالها.
هذه، الإيديولوجية التي كان لها النصيب الكبير في ارتدائي ما سمي بالحجاب في سن مبكر من حياتي، وأنا تلميذة في سن 16 من عمري، جنبا إلى جنب مع ثقافة الوسط المحافظ الذي ترعرعت فيه. وسط يؤهلني للحجاب تارة باسم العفة والوقار والحشمة وتارة باسم التدين والخوف من الله ومن عذاب جهنم. فالمرأة عورة، صوتها عورة، جسدها عورة، أشياءها عورة، كل ماله صلة بها فهو عورة. لا يسمح لها بإبراز غير الكفين والوجه وأحيانا حتى هذا الوجه لا يكاد يظهر بالزى التقليدي للمنطقة(الملحاف -جلابة بالقب والنقاب). فكشف أي موضع من جسمها هو فتنة بل، دليل على قلة تربيتها و فسادها.
على الرغم من سلطة الوسط المحافظ هذه، بقيت متحررة من هذا الحجاب بل، متحايلة عن لبسه إلى أن بلغت السادسة عشر من عمري حيث طوقتني الإيديولوجية الإسلامية، وحاصرتني من كل الجهات. جهة الأصدقاء أبناء التنظيمات الحركية وجهة أساتذة مادة التربية الإسلامية، وجهة ثقافة الإرهاب والرعب والقبور، التي تروج لها كتيبات الجيب المنتشرة بين تلاميذ المؤسسة التعليمية عن طريق أعضاء نشيطين في المؤسسات التنظيمية للإيديولوجية التي كانت تطاردنا كفئران في ساحات وقاعات الثانوية بل، وخارجها لتستقطبنا لصفوفها.
للأسف، كانت حركتي وجرأتي وحماسي وفاعليتي وعلاقاتي الاجتماعية الواسعة ما لفت انتباه الإيديولوجية إلي، فلم يهنأ لها بال إلا وأنا في دائرتها بل، عضو فاعل من داخلها.هكذا، لبست ما سمي الحجاب الذي عززته مرحلة الجامعة وتنامي موجة ما سمي بالصحوة الإسلامية آنذاك، والتي استثمرت في الظروف المحيطة بالعقل العربي حينها من حرب الخليج وغيرها من نكبات إضافة إلى تخصص شعبة الدراسات الإسلامية وطبيعة مقرراتها التلقينية التي لا تورث علما ولا منهجا بقدر ما تورث عقلا مشحونا تابعا شعاره الوصاية على الدين والناس.
اجل، لقد لبست الحجاب و يا ليتني لبسته أنا وكفى لكنني سعيت لإلباسه للعديد من زميلاتي وبنات العائلة، ممن يرونني ألان خارج الإسلام لأنني اخبرهن أنني تجاوزته كقناعة بينما أرى فيهم أنا جريمتي النكراء التي كنت أحسبها يوما حسنة، فلقد كان أسهل شيء أن تشجعهم على لبسه بينما صعب جدا أن أقنعهم بان لا علاقة له بالقران.
كما قلت وسأظل أقول دوما أن العلم وثقافة السؤال هي المحرر الكبير من عمى الإيديولوجيات مهما كانت قيودها التي تضربها على عنق الإنسان. فمازلت أتذكر كيف كان الكتاب والانفتاح الفكري عاملا أساسا في تفتح أعيننا على الكثير من النقط السوداء، التي تراكمت لتبلور أسئلة معرفية مهمة في علاقتنا بالكون وبالله وبالطبيعة. هذه، الأسئلة التي جرتنا إلى نقد المنظومة التعليمية والتربوية للدين وباقي مؤسساته ومنابره في مجتمعاتنا بما فيها شعبة الدراسات الإسلامية التي تخرجت منها وكلية الشريعة التي ما أن وعيت الأمور في نصابها حتى غادرتها في السنة الثانية من السلك الأول نحو وحدة للبحث والتكوين في: "مستقبل الأديان والمذاهب الدينية في حوض البحر الأبيض المتوسط" برئاسة الدكتور مصطفى بوهندي، الذي كان له فضل تجميع فريق من الباحثين من تخصصات مختلفة على مشروع دراسة النص بمناهج العلوم الإنسانية.
في رحلة الدراسات العليا وفي جو من المعانات مع الكهنوت الديني بمؤسساته ومنابره شققنا طريقنا الوعر- رفقة الدكتور بوهندي وبعض الأساتذة المناصرين للمشروع والمناضلين من اجله- نحو الدين بل الأديان والمذاهب الدينية. انفتحت على كتب مقدسة أخرى غير القران وعلى أديان أخرى غير الإسلام وعلى مذاهب دينية أخرى غير الشيعة والسنة. اكتسبت مناهج علمية جديدة، وانفتحت على علوم أخرى وقرأت كتب عدة لكتاب ومفكرين مختلفين ففتحت لي نوافذ عدة بدل نافدة فاتسعت رؤيتي و تغيرت نظرتي للدين.
حينها كشفت لي أسرار كثيرة في حياتي أهمها ضرورة تنقية النص التأسيسي من التلبس الثقافي، واقصد بالنص التأسيسي «التوراة» و«الإنجيل» و«القرآن». إذ، يخضع النص الديني للتنزل البشري فيخالط العقل الإنساني الذي يعطيه حقيقته من الجملة الثقافية التي ينشأ فيها ويعيش، وعليه فمهما يكن النص منزلا فلا يعني هذا أنه يحوي معناه التفسيري، ومعناه التأويلي بداخله.
كانت هذه القناعة كافية لتعيدني لطرح الأسئلة في كثير من الأمور التي تهمنا كانسان بشكل عام وكامرأة بشكل خاص في علاقتنا بالإسلام كما قدمته لنا القراءات السلفية السابقة. فكان موضوع الحجاب هذا، من بين الأسئلة المطروحة على النص المؤسس، واقصد هنا النص القرآني باعتباره المصدر الوحيد للتشريع الإسلامي، والذي على ضوئه تقرأ جل الروايات والكتب والمشاريع الدينية.
هذا، النص القرآني الذي لا يمكننا استنباط معانيه وقيمه الإنسانية السمحاء ما لم نتعرف على منهجيته المعرفية الداخلية، أي دخوله بمنهج واضح المعالم، منهج يستخرج من ضمن القران نفسه، ولا يأتيه من الخارج. منهج حصل فيه التراكم ومازال يحصل، منهج يعتمد ضوابط معينة في التعامل مع النص القرآني أساسها أن لغة الإله ليست هي لغة البشر. ومن ثمة فان المفردة القرآنية ذات مفهوم لا تعبر عنه مفردة أخرى كما نجد في لغتنا العربية، وبصياغة أكثر وضوحا المفردة القرآنية لا تقبل الترادف ولا الاشتراك اللفظي.
على هذا الأساس عدت للقران للبحث في بنيته اللغوية بعد إطلاع كبيرو نقاشات علمية عديدة مع مفكرين مهتمين بالنص الديني على رأسهم المفكر السوداني أبو القاسم حاج حمد وأستاذي مصطفى بوهندي والدكتور الفاضل نصر حامد أبو زيد الذي تتبعت بعض إشاراته النبيهة من خلال كتاباته و محاضراته في المغرب و كذا، الزميل إبراهيم بن نبي المتخصص في الفيزياء.
هكذا، لبست الحجاب تحت تأثير الوسط والإيديولوجية، التي تستند لقراءات سلفية ترتهن لأزمنة ولأنساق ثقافية وكذا لسقف معرفي، مهما قلنا عنها فلا يمكن أن ننكر أنها اقل حظا معرفيا مما نعيشه اليوم كما لا يمكن أن تكون أعلى من سقفنا حسب سنن الله في الكون والتطور العقلي. هذه، القراءات السلفية التي ظهرت كحصيلة لتفاعل العقل مع النص في زمان ومكان ما -ابعد من زماننا ومن ظروفنا- قد تكون نجحت في الإجابة على أسئلة وقضايا الإنسان في زمنها لكنها وللأسف فشلت في ذلك في القرن الواحد والعشرون بل، تخنق فينا أي حس للإنسانية وتهين كرامتنا خاصة نحن الإناث.
المرأة التي تعيش اليوم في زمن بلغ فيه رصيد الإنسانية مبلغا من الحقوق مازالت تمتهن كرامتها وتسحق إنسانيتها بسبب فهم هذه القراءات للنص القرآني، فهم تأسس على ذكورية الخطاب القرآني ففسر فيه كل شيء متعلق بالأنثى في إطار تابع وملحق بالذكر، مما يجعل المرأة تعاني يوما عن يوم باسم التدين ولن أقول هنا باسم الدين.
فالدين واحد بينما التدينات مختلفة ومتعددة عبر التاريخ الإنساني. دين واحد هو "دين الله" الذي بدأ مع أدم عليه السلام ( ليس لأنه أول الخلق ولكن لأنه أول الأنبياء) واستمر مع بقية الأنبياء من موسى وعيسى إلى محمد عليه السلام. دين الله هذا، هو نفسه دين الإنسان الذي سيظهره الله على الأديان جميعا.
دين الإنسان لا يتأسس لا على الطقوس ولا على المظاهر والأشكال ولا على الانتماءات الجغرافية والألسن.هو دين يتأسس على القيم الإنسانية السمحاء من عدل وخير ومحبة وسلام وسلم وامن وصدق وتعاون إلى أخره من قيم التعايش والحوار والتسامح. هذه، القيم التي لا تميز شعبا دون أخر ولا معتقد دون أخر ولا لون دون أخر ولا فرقة دون أخرى. قيم تتواجد أينما تواجد الإنسان، والإنسان منتشر عبر الكرة الأرضية وعبر كل الفرق والمعتقدات والألوان والأجناس.
الم يقل القران " إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا" هذه، الآيات التي فسرتها القراءات السلفية أنها محصورة زمنيا مع حدث من الأحداث في زمن الرسول عليه السلام. في حين أرى أن نصر الله مستمر مع الزمن، لأنه حدث متواصل.كما انه قال: "ورأيت الناس يدخلون في دين الله" ولم يقل ورأيت المسلمين أو اليهود أو المسيحيين أو البوذيين أو غيرهم وإنما قال( ورأيت الناس) حتى لا يتزايد فريق على أخر أو متدين على أخر بأنه المعني بالقول. وأيضا قال( يدخلون في دين الله) ولم يقل يدخلون في الإسلام ولا في اليهودية ولا في المسيحية.
دين الله هذا، الذي هو دين الإنسان، هو نفسه دين القران. الذي لم نعرفه بعد بل، عرفنا بدلا عنه قراءات سلفية كهنوتية تلبست النص القرآني وتماهت معه. فصار الناس يتحدثون عن القران ويحاكمونه من بعيد دون أن يعوا أن بينهم وبين القران حاجز منيع تراكم عبر قرون وقرون من التخلف والجمود الذي عرفه العقل العربي.
من هذا، المنطلق استوقفني سؤالكم أعلاه في دعوة الاستكتاب لأشارككم التفاعل في موضوع أو ظاهرة الحجاب. علني أقربكم من قصتي مع الحجاب التي هي في الغالب تجربة كل متحجبة. تجربة لم تبدأ نتيجة تفاعل عقلي حقيقي مع النص القرآني، ولكنها بدأت بخضوع مني للقراءات السلفية الماضوية للنص القرآني. فلما إذن، أحاكم القران أو احمله مسؤولية ليست له؟
ادعوا كل متحجبة أو مهتم بظاهرة الحجاب في المجتمعات المسلمة أن يعود للقران ويقف مع جل الآيات التي قيل عنها أنها تؤسس للحجاب كما نعرفه فيجلس إليها بهدوء تام. وبعد الهدوء يقوم بتفكيك الآيات ومضامينها في علاقتها بموضوع السورة التي جاءت فيها، على أساس أن سور القران وحدات موضوعية. بعد ذلك، يقوم بجرد بعض المفردات الهامة من مثل: حجاب- جلابيبهن- نساء- خمورهن - جيوبهن.....
نقصد بالجرد تتبع هذه المفردات في كل مواضع ذكرها في القران من اجل معرفة مفاهيم كل مفردة على حدا، على أساس أن لا ترادف في القران. حينها فقط سنجد أنفسنا فتحنا باب التفاعل الجاد مع النص القرآني المتمثل في مقاربته بمناهج العلوم الإنسانية التي تعد من بين الأدوات المعرفية لعصرنا الحالي.كما أننا سنكسر كل قيود القراءات السلفية التي تفرض علينا حصارها في كل شيء.
وختاما انهي مشاركتي ببعض الإشارات- في انتظار نشر مقال خاص حول الحجاب في القران- من مثل: الحجاب ليس هو الخمار- الشعر لا يدخل في مفهوم الجيب- النساء ليسوا هم الإناث- الزينة ليست هي الحلي- الجلابيب لا تعني اللباس.
ولمن يهمه أن يتفاعل معنا في بعض التأملات في القران وخاصة سورة النساء التي تعد منشأ كثير من الأحكام التي ربطت بالإناث في مجتمعاتنا أن يدخل منتدى معراج القلم قسم الدين والإنسان http://www.mi3raj.com


حرر بأغادير
يومه:07-03-02
العاشرة صباحا

-------------------------------
باحثة مغربية في مستقبل الأديان والمذاهب الدينية في البحر الأبيض المتوسط.
نوع من اللباس النسوي في المغرب تلتحف به المرأة وتغطي وجهها بطرف منه. أما الجلابة أو الجلباب فهو زى تقليدي مازال حاضرا لغاية اليوم لكن بشكل متطور جدا.
مفكر سوداني أهم كتاباته:" المنهجية المعرفية للقران" العالمية الإسلامية الثانية جدلية الغيب والإنسان والطبيعة" ومجموعة من الإنتاجات الأخرى وبخصوص قضايا المرأة، منشورة ضمن مكتبة منتدى معراج القلم http://www.mi3raj.com
باحث مغربي ورئيس وحدة البحث والتكوين في مستقبل الأديان والمذاهب الدينية، له مقالات وكتابات عدة في الأديان.
باحث جزائري متخصص في الفيزياء، مقيم بالديار الفرنسية. نشر منهجه وبعض أبحاثه في منتدى معراج القلم قسم المنشورات http://www.mi3raj.com
سورة النصر.