مدخل للتعامل مع الكتب المقدسة

لطيفة الحياة
2007 / 2 / 2

أجمل اللحظات عندما تتفحص الكتب المقدسة وكأنها أنزلت عليك، تسبح في رحابها دون حدود ولا خلفيات، تجلس إليها خالي الذهن إلا من آليات طرح السؤال، تتابع تفاصيل تفاصيلها وتجول بين أسفارها ومقاطعها وسورها وآياتها. تستوقفك القضايا لتسائلها وتستنطقها و تستشكلها فتكبر في دماغك وتؤرقك وتقض مضجعك. والأجمل من ذلك كله، عندما تكون صاحب منهج على ضوئه تجول وتقارن وتحلل وتساءل وتحاجج وتنتقد.
بهذا، فقط نستطيع أن نتعامل مع النصوص المؤسسة ونقتحم عالم الأديان والكتب المقدسة. فنقول أقوالنا ونبدي آراءنا ونجيب على أسئلتنا وإشكالاتنا بما جادت به أدواتنا المعرفية من مناهج وآليات وتقنية، نكسر قيود الكهنوت ورجال الدين المكبلة للعقل والتفكير، نحرر رقابنا من مشانق القراءات السلفية التي تخنق كل من يسعى لتجاوزها، نتصالح جميعا مع النصوص المقدسة كل ومنهجه وتخصصه بعيدا عن منطق الوصاية والاحتكار من قبل مؤسسات ومنابر كهنوتية.
نعم، لابد من تسخير العلوم الإنسانية ومناهجها في مقاربة النصوص الدينية، باعتبارها جزء من أدوات عصرنا المعرفية، فكما انه لا يمكن فتح جمجمة إنسان حالياً بأدوات فرعونية لا يمكن أيضا قراءة النصوص بمناهج وآليات ماضوية. صار لزاما أن نطالب بمقاربات الفيلسوف والمؤرخ والجغرافي والأنثربولوجي والاقتصادي واللغوي وعالم الاجتماع وعالم النفس والطبيب والفلكي في قضايا الدين، إذ تعدد التخصصات معناه تعدد المناهج والآليات فتعدد الآراء فتلاقح الأفكار فاتساع الرؤيا، مما ينضج الإجابات بما يخدم الإنسان ويسهم في ركب الحضارة وتطوير حلقاتها عبر الزمان.
لم يعد بمقدور رجل الدين الإجابة عن أسئلة وقضايا الإنسان المعاصر، ليس لأنه لا يريد ذلك، لكن لعجز تكوينه أمام طبيعة الظاهرة الدينية من جهة، وعدم انفتاحه على بقية العلوم ومناهجها التي تكسبه آليات التحليل والدراسة من جهة ثانية، فلقد باتت الموسوعية اليوم رهينة المؤسسات والمراكز حيث يجتمع الباحثون ذوي التخصصات المتنوعة للتدارس كل حسب منهجه وتخصصه دون أن يزعم احدهم انه قنص الحقيقة النهائية. هذا، جعل العالم يسير نحو رفض الوصاية الدينية من قبل الناطق الرسمي والممثل الشرعي والوحيد للدين.
إن الباحث في الكتب المقدسة مطالب-اليوم أكثر مما مضى- بالموضوعية والعلمية فيما يقدمه من دراسات وأبحاث. مطالب بان لا تأخذه سكرة دين عن صحوة بحث، مطالب بان لا ينطلق من خلفيات مسبقة و عبارات وأحكام قيمة، مطالب بان ينسى من يكون إلا انه باحث، أن يفرق بين الأيمان والبحث، بين الذات والموضوع، أن ينشد الحقيقة لا غير مهما تعارضت مع عقيدته ومذهبه، وكما قال نيتشه "من أراد الراحة فليعتقد ومن أراد أن يكون من حواريي الحقيقة فليسأل ". تستدعي الموضوعية والعلمية أن يطلق الباحث الرصاص على ذاته لا بغرض الانتحار ولكن بغرض بتر الأعضاء الميتة من مثل اليد المشلولة والعين العوراء، فلا يقف في البحث عند حدود ولا يعترف بخط احمر ولا محظور.
فالباحث الجاد هو من يتعامل مع الكتب المقدسة باعتبارها موضوع دراسة، وليس موضوع إيمان ووعظ، فلا ينطلق من قناعات إيمانية وإنما من فرضيات وإشكالات علمية، هو من يصل كل العقول والحساسيات والمعتقدات على جناح البرهان والحجة والدليل، هو الأقدر على الذهاب بالأسئلة إلى منتهاها دون تردد، هو من يعمل سلاح النقد وأدوات التفكيك المعرفية والمنهجية في كل مسارات اللبس. هو من يتحلى بأخلاق البحث العلمي الرصين.
مثل هؤلاء الباحثين من يحتاج عالم اليوم بل، هؤلاء من سيصنع لهم توقيعا في عالمنا التواق للاعتدال والحوار والسلم والتعايش بعدما أعيته الحروب وقهرته خطابات التطرف وشعارات العنصرية ومقولات الأفضلية المؤججة لنيران الحروب الدينية. هؤلاء من سيستطيع تقريب الهوة بين الناس ومحو خطوط الفوارق الوهمية، هؤلاء من سيسهم في فك الرهان بين النص والثقافي، بين الإلهي والبشري، بين الثابث والمتحول. هؤلاء من سيظهر دين الله على الأديان جميعا، سيسمع صوت العقل سكان الكرة الأرضية، ويقرب الشمال بالجنوب وينشر التنمية، اجل، هؤلاء من سيعلي من دين الإنسانية، دين العقل والعدل والقيم السامية.



حرر في اغادير: 06-11-16

على الساعة الثالثة صباحا