أحقا كسفت شمس صبحي؟

لطيفة الحياة
2007 / 1 / 24

هكذا، خاطبتني من داخلي، وأنا أحاول أن ألم أشلائي التي في اقل من ثانية أحسست أنها تضيع مني بعيدا، الم أشلاء منهكة وأقاوم جيش الهواجس والمقولات المتطرفة التي تشن هجومها من كل صوب، مقولات مشوشة طالما تهربت منها ومازلت، فما صدقت وجدت فرصتها لتهاجمني باحثة لها عن مواقع خفية عندي. مواقع تجعلها تتلبسني، تسكنني، تحتلني، تسحقني، تنفيني، تسحبني عن خط الوسط والاعتدال لتعيدني مكرهة إلى زوايا التطرف والانغلاق، زوايا كنت اعتقدت أني هجرتها فتحولت إلى ذكرى وأطلال، زوايا مظلمة قاتلة لم اهجرها إلا عندما أشرق صبحي.

صبح لا كالاصباح، صبح مشرق بدد كل ظلامي فأنار دربي وهداني سبيلي وكسر كل قيود الخوف والرعب في قلبي. إشراقه يصحبني في كل خطواتي، يسبقني لينير دروبي فيأخذ بيدي، يرشدني، يطمئنني، يهدأ من روعي يسير بي دوما نحو بر الأمان. حيث تنبث ارضي وتزهر ورودي وتثمر أشجاري وترفرف فراشاتي وتزقزق عصافيري. فارسم أجمل اللوحات بيدي واغني أعذب الألحان وارقص أحلى الرقصات واحلم اسعد الأحلام، هناك فقط أستطيع أن أحلق في سماء الكون واشم عبير الحياة وأعانق أنا.

عشقت الصبح بل، أدمنت الاصباح حتى ظننت أن كل أيامي إشراق في إشراق فما خلت يوما أنني سأفتح عيناي لأفاجأ بحلكة الظلام. أتيه بين الزوايا والأركان ويسحقني الخوف، فتتملكني كل الهواجس، وتؤرقني الكوابيس فلا أكاد أحلم إلا بالأشباح، ولا اسمع إلا أصوات خفافيش الظلام تتطاير فوق راسي لتسقط أخر خيوط الأمن والأمان.

آه ثم آه... لقد خذلتني شمس صبحي، لم تشرق فلم تشرق معها فرحتي وامني ولا حتى طمأنينة نفسي، لم تشرق فكاد كل شيء يموت في المهد، جمال لوحاتي، عذوبة الحاني، توازن رقصاتي، رفرفة فراشاتي، زقزقة عصافيري، ربيع ارضي. لماذا تكاد الحياة تتوقف فجأة؟ لماذا يكاد يضيع كل شيء مني؟ لماذا تكاد ورودي لا تزهر وفراشاتي لا ترفرف وعصافيري لا تزقزق؟

ويلي، قد كسفت شمس صبحي، كسفت فجأة ولن أقول دون سابق علم، كسفت وكنت اعلم أن الكسوف ظاهرة كونية حتما آتية، آتية وليس العيب في إتيانها ولكن في عدم الوعي بها. كسفت وفي لحظة الكسوف هذه، وتحت وطأة الظلام أدركت أنني أدمنت إشراق شمس الصباح إلى حد أنساني رحيل شمس المساء، إدمان أنساني أن جمال الغروب بداية إعلان عن إشراق جديد، إدمان لم أدرك معه انه لا معنى لصبح دون مساء ولا لليل دون نهار ولا لنور دون ظلام. إدمان كاد ينسيني سنن الكون، كاد يفهمني أن الزمن كله إصباح.

اجل، هذا وعي وفلسفة جديدة، فلسفة لا أستطيع أن أقول عنها إلا أني كرهتها وأحببتها في آن واحد ; كرهتها لأني أعتقدتها جاءت لتقاوم لحظة الموات من اجل استمرارية ربيع الحياة، اعتقدت ذلك، لأنها تشكلت تحت وطأة الظلام والحنين والشوق لشمس صبح لم يشرق. بينما أحببتها لأنها استطاعت أن تقهر جيوش المقولات المشوشة وتحفظ لي توازني، الذي جعلني اتبث في مكاني ولا انزلق عائدة للزوايا القاتلة و المظلمة. فلسفة أعطتني أملا في إشراق جديد، إشراق بعد كسوف، إشراق قد يعمق الإدمان للشمس أكثر من الأول. إدمان للشمس مع الوعي بالكسوف، الوعي العميق بظواهر وسنن الكون.

نعم، لن يشرق صبح دون شمس، ولن يحل مساء دون غروب، ولن يرحل الطيب من ورده، ولن يهرب الغصن من ظله. وكل شروق يليه غروب وكل غروب يليه شروق وتستمر الحياة.

فمتى سيزول الكسوف فتشرق شمس صبحي؟