. النبي موسى وأسرار تربيته في القصر الفرعوني

لطيفة الحياة
2007 / 1 / 20

عاش موسى وقومه في ظل الحضارة المصرية قبل الخروج - حسب الطرح التوراتي وكل الآراء القائلة بذلك - فلقد غادروا مصر في حدودها الجغرافية ولم يغادروها كثقافة إحيائية، فبينما هم يجتازون البحر بعد شقه تطلعوا للوراء ليروا فرعون وجنوده يغرقون، فانطلقوا ظنا منهم أنهم قد تخلصوا من مصر ومن فرعون ومن قهره واستبداده، ولم يكن ليخطر لهم على بال أنهم محملون بأهم شيء من أرض الخروج، وهو الثقافة التي تشبعوا بها وأشربوها، ولعل القرآن كان دقيقا في التعبير عندما قال:"وأشربوا في قلوبهم العجل".

هنا لا علاقة للعجل بالقلب سواء كان حيوانا حقيقيا أم مجسدا، وعليه فلن نخوض في نقاش عجل السامري وهل كان خواره حقيقيا أم متهيئا فقط ؟ كما نرى أن العجل المقصود هنا ليس الذي صنعه السامري، ولكن المراد به تلك الخلفية الثقافية الإحيائية، الكامنة وراءه والتي حملوها من أرض الخروج ولم يستطيعوا عنها فكاكا؛ ومن ثَـمَّ، فالعجل كان مجرد رمز لهذه الثقافة.

فإذا سلمنا بأن الخروج تم من مصر، فإن ثمة سؤالا مستشكلا في أذهاننا، وهو لماذا صنع السامري آلهة عجلا ؟ بالرغم من أن الفترة التاريخية التي عايشوها لم يكن فيها للعجل -كحيوان مقدس- مركزية ضمن آلهة الدولة الحديثة؛ بل كان ضمن التاسوعات المهيمن عليها من قبل الإله آمون، أما مرحلة أخناتون( نبي أتون ) فيتحدث فيها عن وجود توحيد، فهل كان السامري مصريَّ الجذور؟وإذا كان الجواب بالنفي، فما تراها تكون أصوله الحقيقية ؟

وعليه، فمـا تراها تكون علاقة أصله الجغرافـي بالعجـل ؟

إن سبر أغوار الخلفية الثقافية للحضارة المصرية التي تشبع بها كل من عاش بين أحضانها، بما فيهم بني إسرائيل، ليجعلنا نستشعر خطورة الموقف الذي سيواجهه النبي موسى ( التوراتي/القرآني)، وجسامة المسؤولية الملقاة على عاتقه. فهو مقبل على دعوة قوم يعتمدون خصائص ثقافية معينة أهمها: أن الآلهة تكلم البشر، وأن الملك هو الإله في الأرض، وأن جميع السلطات متمركزة في يده، وأن قوة هذه الآلهة في قدرتها على الإتيان بالخوارق من الأعمال الحسية المتجلية للعين المجردة. فنجاح موسى في مهمته الدعوية رهين باستيعابه هذه الآلياتِ الثقافيةَ وبإدراكه أهميتَها في خلق تواصل مع المتلقي ( فرعون، قوم فرعون، بني إسرائيل ) وتجاوبه معه. وحتى يتحقق له التجاوز المتمثل في الدفع بالعقل خطوات إلى الأمام بعيدا عن الإحيائية، والسير به نحو آفاق أكثر نضجا، حيث الوحدانية الإلهية الحقة. إلا أنه قبل أن نتحدث عن مضمون الدعوة وأدواتها لابد من أن نقف مع حامل هذه الدعوة للناس الذي هو موسى، فلا ينبغي أن ننسى أنه هو الآخر عاش في أحضان أرض الخروج وتأثر بنسقها الثقافي، كما أنه مقبل على مخاطبة فرعون ( الملك الإله ) الذي له هيبته وسلطته ومكانته في قومه.

فكيف اقتنع بإله لم يره ؟ وكيف تقبل أن يخاطب فرعون إله عصره وما أدراك ما فرعون ؟

يحكي التوراة والقرآن - معا - كيف أن الأقدار ساقت موسى إلى داخل القصر الفرعوني حيث تربى في صغره ومكث فيه سنين "قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا سنين" وقد تختلف التوراة عن القران في كيفية دخوله القصر وعلى يد من دخل، وكيف تقبله فرعون لكن كل هذا لا يهم بقدر ما يهمنا أنه دخل القصر فعلا وتربى فيه، فهل كان السر وراء هذا هو حمايته من القتل الذي لحق جميع الأطفال في سنه؟ أم كانت الحكمة من ذلك أكبر بكثير من هذا ؟

أعتقد أن العناية الإلهية كفيلة بحفظ موسى (الرضيع) من القتل في أي مكان أخر غير القصر، لكنها اختارت تربيته داخل القصر لأبعاد مستقبلية تدخل ضمن قول القرآن في سورة طه "واصطنعتك لنفسي.." فالله سبحانه يهيأ موسى لمخاطبة فرعون كملك وإله في ثقافة عصره. وإن مخاطبة شخصية بمثل هذه المواصفات والمهام والوظائف لن تتيسر لأي كان، ولكنها تسهل في وجه موسى الذي تربى وسط القصر كمقر للإله (فرعون) وكمركز لجميع السلط آنذاك والوظائف والمهام المتعلقة بسير البلاد.


إن تربية القصر بما توفر له من مركزية وأهمية حينها هي التي أسهمت في تشكل الشخصية الموسوية بما زودته به من خصائص قيادية واستيعابية للأدوات المعرفية لثقافة عصره الإحيائية وتتجلى بوضوح على مستويات عدة:

المستوى الأول: تكليم الله لموسى.

كان أول استدعاء إلهي لموسى عبر "العليقة " أي شجرة ملتهبة وكان بصوت مسموع، وقد أشارت التوراة لذلك "وأما موسى فكان يرعى غنم حميه يثرون كاهن مديان، فقاد الغنم إلى ما وراء الطرف الأقصى من الصحراء حتى جاء إلى حوريب جبل الله، وهناك تجلى له ملاك الرب بلهيب نار وسط عليقة، فنظر موسى وإذا بالعليقة تتقد دون أن تحترق فقال موسى": أميل الآن لأستطلع هذا الأمر العظيم، لماذا لا تحترق العليقة؟ " وعندما رأى الرب أن موسى قد دنا ليستطلع الأمر، نداه من وسط العليقة قائلا:" موسى" فقال: "ها أنا" فقال: "لا تقترب إلى هنا، اخلع حذاءك من رجليك لأن المكان الذي أنت واقف عليه ارض مقدسة" أما القرآن فيقول في سورة طه ﴿وَهَل أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً. فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى.إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴾ فموسى نفسه تعرف على الله من خلال العمل الخارق للعادة (اتقاد العليقة دون احتراقها.) التي شكلت أمام أعينه أمرا عظيما على حد قول التوراة " أميل الآن لأستطلع هذا الأمر العظيم" فموسى لم يصب بالرعب حينما خاطبه الله في العليقة على الجبل المقدس كما أصيب به وهو يرى العصا تهتز أمامه كالجان، وذلك لسبب انه عاش في ظل ثقافة تعتقد بان الآلهة تكلم البشر وما فرعون إلا إله يكلم الناس ويقضي بينهم "وقال فرعون يأيها الملا ما علمت لكم من إله غيري" وفي هذا الإطار نفهم سر تكليم الله موسى، وعدم التكلم من خلاله كعيسى، أو الوحي له بوساطة كمحمد.

المستوى الثاني: الأمر الإلهي لموسى بدعوة فرعون.

لم يستصغر موسى القرآني أبدا من قدره وشأنه أمام فرعون عندما أمره الله بالذهاب إليه لمخاطبته ودعوته. إذ لم يشكل له الأمر حدثا كبيرا وعظيما بقدر ما هاله أمر الأدوات والآليات التي سيتمكن بها من مخاطبته هو وقومه وذلك لأنه على مقربة سابقة، واحتكاك مسبق بالفرعون وبقصره ولعل الآيات صريحة في هذا. "اذهب إلى فرعون انه طغى. قال رب اشرح لي صدري ويسر لي آمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي" وقال في سورة أخرى: "وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين .قوم فرعون ألا يتقون. قال رب إني أخاف أن يكذبون" فجواب موسى كان دائما يتجه إلى آليات مخاطبتهم ولم يتجه أبدا إلى الاستصغار من قدره أمام فرعون وقومه، على عكس التوراة التي يظهر فيها موسى خائفا من المواجهة مع فرعون " من أنا حتى أمضي إلى فرعون وأخرج بني إسرائيل من مصر؟ فأجاب أنا أكون معك" فانسجاما مع ما ذكرناه فإننا نرفض هذا النص التوراتي ونعده من مواطن التحريف التي طالت النص المؤسس.

المستوى الثالث: مواقف موسى خارج القصر.

تعرض موسى لمواقف عدة بعد خروجه من القصر، وقد نعتمد بعضا منها للاستدلال على بعض الصفات القيادية في شخصه التي عزونها للوسط الذي تربى فيه (القصر). وأولها المقاضاة بين الناس التي كانت من خصائص القصر والملك وذلك عندما صادف الرجلين المتصارعين فتدخل فوكز احديهما فقتله، فالنص التوراتي يحكي احتجاج احد الرجلين ضد موسى مستنكرا فعلته وتدخله قائلا: "من أقامك رئيسا وقاضيا علينا.." فكان الرجل يرى موسى تجاوز حده بالمقاضاة بينهما التي ليست من صلاحياته أبدا.

أما الموقف الثاني فيتعلق بما شهدت له به من قوة وأمانة إحدى المرأتين اللتين سقى لهما حينما كانتا تذودان على ماء مدين" قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين."

أما الموقف الثالث هو حينما جاء لمخاطبة فرعون فواجهه فرعون بجريمته التي ارتكبها في حق الرجل الذي وكزه بعصاه فمات "وفعلت فعلتك التي فعلت وآنت من الكافرين. قال فعلتها إذا وأنا من الضالين. ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي رب حكما وجعلني من المرسلين.." فموسى هنا لم يكن لينكر جريمته بل، اعترف بها بكل جرأة وقوة في التعبير ولم يكن خائفا حينها ولم يكن مستعطفا لفرعون عندما استنكر عليه..

المستوى الرابع: حوار موسى مع فرعون.

لقد كان حوار موسى مع فرعون قمة في مدارس تعلم الحوار، إذ لم يرد في نقاش موسى له ما ينتقص من قدره كشخص وكملك أمام قومه وما كان له ليتلفظ بمصطلحات مشينة في حقه بالرغم من تعنت فرعون وتكبره. فلقد كان يحاوره بخصائص ثقافة عصره ويقارعه حجة بحجة." قال فرعون وما رب العالمين. قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين." وقال:" قال لئن آتخدت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين. قال أو لو جئتك بشيء مبين."

ويقول تعالى في سورة طه "قال فمن ربكما يا موسى.قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.قال فما بال القرون الأولى. قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى" فموسى لم يكن غرضه التقليل من شان فرعون بل، كان حافظا لمقامه عند قومه وفي الوقت نفسه، متجها بخطابه للأدوات المعرفية التي كانت من خصائص ثقافة عصره، فكان يوجهه دائما ناحية نقاش البراهين والحجج المعرفية الحسية "قال أو لو جئتك بشيء مبين" فتربية موسى ضمن القصر أكسبته لغة مخاطبة الملوك، إذ لن يكون من السهل على العقل تقبل مخاطبة راع غنم لملك إله (فرعون) دون أن يحدث مشاكل.فأظن أن للوسط (القصر) دور مهم في إكساب موسى آليات مخاطبة الملوك.

المستوى الخامس: استيعاب موسى لخصائص ثقافة عصره.

لقد استوعب موسى جيدا الخصائص الثقافية لعصره وعرف أن مخاطبة فرعون وقومه وبني إسرائيل ليست بتلك السهولة ما لم يعزز خطابه بنفس الأدوات المعرفية لثقافتهم والمبنية على الحس والأعمال الخارقة واعتقد أن هذا الاستيعاب أيضا كان من بين مزايا تربيته في القصر إذ لم يكن بمعزل عنها فقد تشبع بها باعتبارها بيئته لذلك نجده ارتعب عندما اهتزت العصا كالجان ولم يرتعب عندما كلمه الله. "فألقاها فإذا هي حية تسعى. قال خدها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى" وفي سورة القصص "وان الق عصاك فلما رءاها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب .يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الأمنيين" وكذلك كان موسى مركزا في خطاباته لهم على الآيات الحسية، حتى أنها كانت صلب جوابه على فرعون عندما هدده بالسجن في حالة ما اتخذ إلها سواه. "قال لئن اتخذت ألها غيري لأجعلنك من المسجونين. قال أولو جئتك بشيء مبين. قال فآت به إن كنت من الصادقين. فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين"


وأوتي موسى مجموعة من المعجزات الحسية كشكل من أشكال تعزيز خطابه، فبينما تؤكد التوراة أن موسى هو الذي طلب من الله أن يمنحه آيات يقنع بها فرعون و قومه، فالقرآن لا يفصل في الأمر، واكتفى بذكر هذه المعجزات﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى. قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى. فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى. قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى. وَ اضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى. لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى. اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ بينما جاء في سفر الخروج ما يلي: "فقال موسى": ماذا إذا لم يصدقوني ولم يصغوا إلي وقالوا: إن الرب لم يظهر لك ؟ فسأله الرب : ما تلك التي بيدك ؟ فأجاب : "عصا" فقال: "ألقها على الأرض" فألقاها فإذا هي حية، فهرب منها موسى. فقال الرب لموسى: "مد يدك واقبض عليها من ذيلها" فمد موسى يده وقبض عليها، فارتدت عصا في يده. وقال الرب: "هذا لكي يؤمنوا أن الرب إله آبائكم، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب قد ظهر لك" ثم قال الرب أيضا: "أدخل يدك في عبك" فأدخل يده في عبه. وعندما أخرجها إذا بها برصاء كالثلج، وأمره الرب : "رد يدك إلى عبك ثانية" فرد يده إلى عبه ثانية ثم أخرجها من عبه وإذا بها عادت مثل باقي جسده.." فسواء كان موسى هو طالب هذه الآيات أم لا، فالأهم في ذلك كله هو أنها واردة بقيمتها المعرفية آنذاك. وكما يبدو واضحا فهناك اتفاق بين المصدرين على أن أولى المعجزات هي معجزة العصا التي تتحول لحية، وكما قال أبو القاسم حاج حمد فهي "أرقى تجسيد للقوة (الإحيائية) في ظاهرة الطبيعة وهي قوة إحياء حقيقي غير تلك القوى السحرية المتوهمة. فعصا موسى حين ألقى بها في مواجهة حبال السحرة وعصيهم والتي (خيل) له أنها تسعى، قامت –عصا موسى- بالتقاف الصور السحرية المتوهمة وتجريد أعين الناظرين عن مؤثراتها السحرية، فوضحت على حقيقتها، مجرد حبال وعصي، فالذي حدث أن السحر قد أبطل وليس بسحر مضاد وإنما بالتقاف الصور المتوهمة.." ونظرا لوقع هذه المعجزة على عقول السحرة (باعتبارها من بين أهم خصائص ثقافتهم) الذين عاينوها مباشرة، خروا ساجدين لرب موسى في الحين، ودون أدنى مشاورة أو خوف من فرعون، الذي لم تزده إلا تجبرا وطغيان﴿ قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ. وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ. قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ. يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تأمرون عرا. قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِي. يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ. وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ. قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ. قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ. وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ .فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ. وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ.﴾

وبعد هذه المعجزة الحسية القوية سيضطر موسى للدخول مع فرعون في سلسلة من المفاوضات، كانت كل حلقة منها تتضمن بعضا من خوارق الإعجاز مما أسمته التوراة بالضربات (ضربة الدم، ضربة صعود الضفادع، ضربة غزو البعوض، ضربة أسراب الذباب، ضربة إهلاك المواشي، ضربة الدمامل المتقيحة، ضربة سقوط البرد، ضربة غزو الجراد، ضربة موت الأبكار)، وقد نرجأ عدد هذه الضربات والأعمال الخارقة الحسية لقوة تجدر الثقافة الإحيائية في قلوب الناس وخاصة زعيمهم فرعون، الذي لم يهتم القران بذكر اسمه ولا اسم قومه وسحرته، فهؤلاء بالنسبة للتلاوة القرآنية ليسوا إلا معالم للربط بين الأحداث التي تصور أفكارا ومضامين ومنعطفات هي اكبر من أن ترتبط بأشخاص وبزمن ومكان معينان، لذلك لا ينبغي النظر إلى عدم استجابة فرعون وقومه بتلك البساطة التي تصورهم أعداء ومتعنتين فقط، ولكن ربطهما بتجدر الثقافة الإحيائية في قلوبهم وتمكنها منهم بما ترتكز عليه من أدوات معرفية. كل هذه المعجزات وقلب فرعون جد متصلب، ومتعنت، مما جعله يصر على ملاحقة بني إسرائيل بعد خروجهم، وهاهنا ستنزل بفرعون وجنوده آخر معجزة حسية يعاينونها قبل غرقهم، وهي معجزة شق البحر التي كانت بمثابة منعطف تاريخي مهم حيث ستنطلق ثقافة بني إسرائيل.




--------------------------------------------------------------------------------
(1)باحثة في مستقبل الاديان والمذاهب الدينة في حوض المتوسط جامعة الحسن الثاني / الدار البيضاء.
الهوامش:
- البقرة، الآية: 93. سورة
- سورة الشعراء، الآية: 18
- طه، الآية: 41.
- سفر الخروج الإصحاح 3: المقطع 1 – 6.
- سورة طه، الآية: 9 – 13.
- القصص، الآية: 38.
- طه، الآية:24-28.
- الشعراء، الآية:10.
- سفرالخروج الإصحاح 3: 10-13.
- سفر الخروج الإصحاح 2: 15.
- القصص، الآية: 26.
- الشعراء، الآية: 19-21.
- الشعراء، الآية:23-24.
- الشعراء، الآية:23-24.
- طه، الآية: 48-52
- الشعراء، الآية: 30.
- طه، الآية:19-21.
- القصص، الآية: 31.
- الشعراء، الآية: 29-33.
- طه، الآية: 17-24.
- سفرالخروج4: 1 – 8.
- الحاج حمد، محمد أبو القاسم، العالمية الإسلامية الثانية جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، دار ابن حزم، لبنان، ج2، ص 432.
- الأعراف، الآية: 106 – 120.