ماهية الوطن؟؟

لطيفة الحياة
2006 / 11 / 18

علمونا أن الوطن بقعة جغرافية ولغة ودين وجنسية، فوقفنا أمام الأعلام وأنشدنا الأناشيد و الأشعار، وأقسمنا في الصغر أن لا ندوس المقدسات وأن لا نخون الأوطان، بل بالدم وبالروح نفديك يا وطن.
هكذا عشنا تتجاذبنا الأرض واللغة والأهل والمقدسات والأناشيد والشعارات. فلا ارض كأرضنا، ولا لغة أفضل من لغتنا، و لا دين سوى ديننا، ولا مقدس يعلوا على مقدساتنا، ولا نشيد أحلى من نشيدنا، ولا علم يرفرف في سماء وطننا إلا علمنا، ولا مأمن لنا إلا بين أهلنا.
هذا، هو الوطن الذي ظل في أذهاننا، بقعة جغرافية يحدها شمالا كذا، وجنوبا كذا، وشرقا كذا، وغربا كذا، يتحدث اللغة كذا، ويدين بالدين كذا، فيها أهلنا وأحبابنا ومسقط رأسنا، بل فيها حياتنا ومأمننا. فهل سيظل الوطن هو ما علمونا أم أننا سنكبر فتكبر معنا أوطاننا وتتعدد مفاهيمنا؟
تفتحت مداركنا، فوعينا واقعنا وكبرت أحلامنا، وعاينا ما حولنا وتذوقنا الألحان و فهمنا الشعارات، فكان الطعم غير الذي تذوقنا واللون غير الذي شاهدنا والمعنى غير الذي تلمسنا والإحساس غير الذي أحسسنا واللحن غير الذي أطربنا. صار كل شيء في حلة أخرى، رباه ماذا جرى؟ أليست هذه بقعتي الجغرافية؟ أليس هذا مسقط راسي؟ أليس هذا ديني؟ أليست هذه لغتي؟ أليس هؤلاء هم أهلي وأحبابي؟ أليس هذا نشيدي وهذا علمي؟
بلى، الأرض ارضي، المسقط مسقط رأسي، الدين ديني، اللغة لغتي، النشيد نشيدي، العلم علمي، الأهل أهلي. كل شيء هو هو إلا أنا؛ أنا لست أنا، اجل لقد تهت انا، صرت أفتقد هذه الأنا، علني أجدها بين ثنايا الوطن، في مسقط راسي أو بين تعاليم ديني أو في قواعد لغتي أو بين نغمات نشيدي وسماء علمي، يا ويلي لم أجدها حتى بين أهلي وأحبابي. لم أيأس ولم أمل البحث فأقسمت أن أواصل مسيرتي دون رجعة.
جلت ربوع الوطن بحثا وكنت لا اترك ركنا ولا زاوية إلا وبحثت فيها، مررت بصور وأحداث وأماكن، توقفت عندها فاستوعبت الصور، وفلسفت الأحداث، واستنطقت ألاماكن حينها فقط أدركت أن أناي هذه صارت خارج الوطن. أنا رحلت بعدما أدركت أن الوطن اكبر من أن تحده حدودي الجغرافية، ولغته ليست العربية ودينه ليس المالكية، الوطن ليس علما ولا نشيدا ولا حتى بطاقة وجنسية.
الوطن كرامة وعزة نفس و حرية، الوطن أمن وأمان واستقلال الشخصية، الوطن أخد وعطاء وليس ملكية، الوطن ليس شمالا ولا جنوبا ولا شرقا ولا غربا، الوطن يعلو عن منطق الجغرافية، ويأبى أن يخضع لقوانين الخريطة الطبوغرافية، الوطن لا يهجر ولا يفارق، الوطن حيث أكون أنا ... أنا، الوطن لا يعزف ولا يلحن، الوطن حيث اطرب وارقص أنا، الوطن لا يلون ولا يرسم، الوطن لونه ورمزه أنا.
ذاك هو وطني، أرضه و دينه ولغته ومقدساته ونشيده وعلمه كلها، لخصتها الإنسانية. وطني الذي لا تكاد تجد فيه بطالة بالأفواج، ولا بيع للأعراض من اجل سد الأفواه، ولا تغذى فيه اسماك القرش بلحم البشر بالأطنان، لا تغتال فيه الحرية باسم من الأسماء، ولا تمتهن فيه كرامة الإنسان، ولا تتحطم فيه الأحلام. فطوبى لمن كان دينه ديني ولغته لغتي ونشيده نشيدي وعلمه علمي وجنسيته جنسيتي وبطاقته بطاقتي، فثم الوطنية والمواطنة والوطن.