حمزة البسيوني .. السادية فى أجلى معانيها

رياض حسن محرم
2020 / 6 / 19

ارتبط إسم اللواء حمزة البسيونى كقائد للسجن الحربى "سيئ السمعة" بعمليات التعذيب الممنهج ضد أعضاء جماعة "الإخوان المسلمين"، وان كان التعذيب فى هذا السجن "وقتها" قد شمل أيضا مختلف الفئات السياسية من شيوعيون وليبراليون ووطنيون ومن كافة الأنواع، ومن الشائع أن الكاتب الكبير " نجيب محفوظ" قد استوحى شخصية «خالد صفوان»، في روايته الشهيرة «الكرنك» من شخصية اللواء حمزة البسيوني مدير السجن الحربي في الخمسينات والستينات، والذي اشتهر بساديته المفرطة وتفننه في طرق التعذيب خلال الاستجوابات والتحقيقات، وكان مجرد ذكر اسمه فى تلك السنوات كفيلاً بإحداث الرعب والفزع بين الجميع.
الرجل لم‮ ‬يرد اسمه في مذكرات قادة ثورة‮ ‬يوليو كواحد ممن لعبوا دورا في تنظيم الضباط الأحرار الذى فجّرثورة‮ ‬يوليو عام‮ �‮ ‬وانما نسب الي الضباط الاحرار كواحد ممن انضموا الي الحركة قبل ليلة‮ 󉅇‮ ‬يوليو‮ مباشرة، ‬وعلي الرغم من أن القائمة التي أعلنها أنور السادات للضباط الاحرار في القرار الجمهوري رقم‮ �‮ ‬لسنة‮ �‮ ‬لم تتضمن اسمه بين‮ �‮ ‬ضابطا‮ ‬،‮ ‬الا أنه ورد اسمه ضمن قوائم الضباط الاحرار المعلنة في مذكرات كل من عبد اللطيف بغدادي وصلاح نصر والتي تضمنت اكثر من‮ ‬ 300‮ ‬ضابط كانوا اعضاء بالتنظيم‮، ‬ وأثناء نشر تلك الرواية "الكرنك" كان البسيونى وصلاح نصر وعشرات غيرهم ممن سموا وقتها ب"مراكز القوى" يقبعون فى أقبية نفس السجون، فبعد أيام من هزيمة 67صدرت قرارات تصفية رجال عبد الحكيم عامر في مصر وصدر قرار بإحالة البسيوني الي المعاش ثم القبض عليه والتحقيق معه فيما هو منسوب إليه من انحرافات، ووُضع فى معتقل القلعة لفترة، ثم أُفرج عن ذلك اللواء الغامض "اللواء (حمزة كينج كونج" بدون محاكمة، (كما حدث مع شمس بدران الذي أفرج عنه السادات وخرج من السجن إلى المطار مباشرة، متوجها الى العاصمة الإنجليزية، لندن)، وقد كان القرار «السري» بعدم محاكمة البسيوني بسبب أن محاكمته قد تجرف في طريقها عناصر "كبار ما زالوا فى الحكم وقتها"، وبعدها خرج مدير السجن الحربي وعاش حياته في هدوء وصمت كاملين حتى أتت نهايته المأساوية في حادث سيارة على الطريق الصحراوي.
والد حمزة كان يعمل قاضيا شرعيا، وقد التحق بكلية الحقوق لفترة قصيرة قبل أن يحوّل أوراقه للكلية الحربية، وكان شابا وسيما تتملّكه روح «طفولية» ظاهرة، لا تنبيء أبدا عن ذلك الوجه القبيح الذي عُرف به فيما بعد، وكان من ضباط الصف الثاني أو الثالث في تنظيم الضباط الأحرار، وضمن المجموعة المقربة جدا من المشير عبد الحكيم عامر، والتي كانت تضم صلاح نصر وشمس بدران وجلال هريدى وغيرهم.
البعض يحاول تفسير شخصية البسيونى بأنه كان يعانى من ضعف جنسي كدأب معظم الساديين يحوّلهم االضعف الجنسى إلى عنيفين، يجدون متعتهم ولذتهم في التعذيب وربما القتل البطيء لمن يقع تحت أيديهم، ومن أمثال هؤلاء صلاح نصر ونائبه حسن عليش في الستينات، وغيرهم الكثير، زيادة على ذلك منطق «السلطة المطلقة» بلا رقيب كما فى حالة صاحبنا، وفي حالة حمزة البسيوني فإننا لا نعرف عنه الكثير، ويبدو أن الصاغ‮ ‬حمزة البسيوني لم‮ ‬يكن‮ ‬يهتم بلعب أي دور سياسي في سنوات عمله الاولي‮ ‬وهو ما جعله‮ ‬غائبا عن مذكرات‮ ‬وذكريات معظم قادة الضباط الاحرار أمثال اللواء محمد نجيب‮ ‬،‮ ‬خالد محيي الدين‮ ‬،‮ ‬وجيه اباظة‮ ‬،‮ ‬عبد اللطيف بغدادي‮ ‬،‮ ‬حسين الشافعي،‮ ‬كمال الدين حسين‮ ‬،‮ ‬وحتي أنور السادات نفسه في كتابيه قصة الثورة كاملة‮ ‬،‮ ‬والبحث عن الذات‮.
‬ ولم‮ ‬يعرف اسم حمزة البسيوني الا في عام‮ �‮ ‬حيث أوكلت له مهمة الاشراف علي السجن الحربي‮ ‬بمدينة نصر، ‬في ذلك الوقت بدأ الناس‮ ‬يسمعون همسا باسم‮ " ‬حمزة البسيوني‮ " ‬أو الوحش‮ ‬،‮ ‬وبدأ البعض‮ ‬يردد حكايات وقصصا مفزعة عن‮ " ‬الاوبرج‮ " ‬أو‮ " ‬الباستيل‮" ‬كناية عن السجن الحربي الذي احتضن كثيرا من المدنيين من الساسة والكتاب والمفكرين في وقائع ربما لم تشهدها مصر من قبل ولم تتكرر من بعد، وهو أول من فتح أبواب السجن الحربي للمعتقلين السياسيين والمدنيين، بعد أن كانت زنازينه مقتصرة على استقبال ضباط القوات المسلحة المخالفين لقوانين الجيش فقط.
كانت المُعتقلات والسجون في عهد عبد الناصر موطنًا للتعذيب "كغيره من المُستبدين" ، حينها أوفدت السلطات الناصرية عددًا من الضباط للتدريب في الولايات المُتحدة الأمريكية على ما يُسمى بـ “القتل المعنوي”. وكان هذا نوعًا من أنواع التعذيب حيثُ لا يصل الضحايا إلى حد الموت الجسدي، إنما تحرص السلطة على إبقاء ضحاياها أحياء جسديًّا لكي لا تُضبط بقتل الأنفس البريئة يومًا (ولكن تكرر موت الضحايا كما حدث مع الشهيد "شهدى عطية شافعى")، وأيضًا حتى لا يتحول الضحايا إلى أبطال وشهداء من أجل الحرية، هذا النوع من التعذيب يقود الفرد إلى الكفر بقيم ومبادئ الجماعة التابع لها، تغذيهم الكوابيس وتدفعهم إلى اليأس، وقد يصل الأمر إلى دعم سلطة القائمين على التعذيب، وكما يقول المثل الشعبى (القط يحب خناّقه)، يتم ذلك بدافع الذعر في البداية ثم يصل إلى حدّ الولع والافتتان بالمعذِّبين عبر سلسلة غريبة من عمليات خداع الذات وتنظير اليأس، وحين تخرج الضحية من معسكر التعذيب على هذه الصورة أو تلك من الدمار المعنوي والروحي، فإنها تخدم أهداف السلطة الاستبدادية على نحٍو أفضل مما لو خرجت جثة شهيد لقى مصرعه أثناء التعذيب.
لقد كان عام‮ �‮ ‬هو أعنف أعوام المواجهة بين ثورة‮ ‬يوليو وخصومها، ‬هذا العام دخل عبد الناصر معركة شرسة مع رئيس مجلس قيادة الثورة محمد نجيب ونجح في اقصائه وتحديد اقامته‮ ‬،‮ ‬وتخلص عبد الناصر من جميع الساسة القدامي في محاكمات شرسة أجرتها محكمة الثورة‮ ‬،‮ ‬ثم إصطدم مع جماعة الاخوان المسلمين وإصدر قرارا بحلها بعد حادث المنشية " بغد قيام التنظيم السرى للإخوانبتدبير اغتياله فى ميدان المنشية بالأسكندرية"‮ ‬،‮ ‬ثم التخلص من معارضيه داخل مجلس قيادة الثورة نفسه مثل خالد محيي الدين ويوسف صديق‮، كل ذلك حدث فى عام واحد، وفى هذا العام العجيب برز اسم اللواء حمزة البسيونى كقائد لذلك السجن البغيض، لكى يعيش لمدة ثلاثة عشر عاما متربعا على عرشه، الى أن حدث زلزال 76 ليغّير كل شيئ فى مصر.. السلام عليكم.