أيام العجب والموت .. رعشة فؤاد حداد الأخيرة

رياض حسن محرم
2020 / 6 / 13

من الملاحظ عموما الضعف التدريجى فى عملية الخلق والإبداع لدى المبدعين عموما ومنهم الشعراء، شاهدت ذلك لعدد من أعظمهم مثل أحمد فؤاد نجم وصلاح جاهين وعبد المعطى حجازى وغيرهم، وان كان هذا لا ينفى وجود إستثناءات ظل أصحابها فى قمة يقظتهم وإبداعهم حتى الرمق الأخير ومن بينهم رائد الشعر العامى فى مصر بيرم التونسى وكذلك عبد الرحمن الأبنودى وغيرهم، وعلى القمة من الجميع يأتى شاعرنا العظيم فؤاد حداد، هذا الرجل الذى كان إذا جرح ينزف شعرا، وحين ينام يحلم بكلام مقفى.
هو فؤاد سليم أمين حدّاد، المولود بحيّ الظاهر بالقاهرة في 28 أكتوبر1928، والده من بلدة «عبيه» بلبنان، وأسرته مسيحيّة مارونية، اهتمّ الوالدان بتعليم سليم حتّى تخرّج من الجامعة الأميركيّة في بيروت، متخصّصاً في الرياضيّات الماليّة، وجاء إلى القاهرة ليعمل مدرّساً بكليّة التّجارة بجامعة فؤاد الأوّل "جامعة القاهرة حاليّاً" ويحصل على لقب البكويّة، وعندما أُنشئت نقابة التجاريّين في مصر، منحتْه العضويّة رقم واحد.
أمّا والدته زكيّة، فهي من مواليد القاهرة في 19 حزيران / يونيو 1907، جاء أجدادها السريان الكاثوليك إلى مصر واستقرّوا فيها وولد أبواها في القاهرة، أبوها من عائلة أسود التي جاءت من دمشق الشام وأمّها من عائلة بولاد من حلب.
يقول فؤاد حدّاد عن نفسه:
"أنا مصريّ من أصلٍ شاميّ لا يغتفر احتشامي
هينطلق من حيشاني صوت الجموع المفرَد"
تعلّم في مدرسة الفرير ثمّ مدرسة الليسّيه الفرنسيّتين، اطّلع مبكّراً على التراث الشعريّ العربيّ في مكتبة والده، وكان منذ طفولته يريد أن يصبح شاعراً، ولمّا سُإل عن السبب أجاب "لأساعد النّاس حتى تكون حياتهم أفضل"
بدأ فؤاد حدّاد النشاط الأدبيّ تزامناً مع نشاطه السياسيّ كشيوعيّ حتى النّخاع، عام 1944 وهو تلميذٌ بالمدرسة حيث كان ينشر قصائده في الدوريّات الأدبيّة والجرائد الحزبيّة، وأوّل دواوينه كان اسمه «أفرجوا عن المسجونين السياسيّين» وقد اختار هذا الاسم الجريء في تلك الفترة انطلاقاً من موقفٍ وطنيٍّ وسياسيّ واضح، وقد صدر هذا الديوان عام 1952 تحت اسم «أحرار وراء القضبان» ، بسبب من الرقابة.
اعتُقل فؤاد حدّاد للمرّة الأولى من عام 1953 إلى 1956 وقد أفرج عنه لمدّة شهرين فقط عام 1954، وخرج من المعتقل ليكتب كما لم يكتب من قبل، وصدر ديوانه الثاني «حنبْني السدّ»، وكتب بعدها محتفياً بكلّ حركات التحرّر الوطنيّ من كلّ أنحاء العالم. كما اعتُقل للمرّة الثانية من أبريل 1959 إلى أبريل 1964وهى الضربة الأمنية الكبرى للشيوعيين المصريين وتجميعهم معا بسجن المحاريق فى الواحات، وفى هذه السنوات الخمس كتب كثيراً، بل تفجّرت بداخله طاقاتٌ فذّة وصنعتْ تراثاً فريداً، وقرّر أن يكتب كلّ يوم قصيدة ليرفع من الروح المعنويّة لزملائه.
كتب فؤاد عن كلّ شيء وعن كُل الناس، بنفَسٍ مصريٍّ وعربيّ وأمميّ، كانت فلسطين همّه الشخصيّ، وكان «الغلابة» شاغله الأكبر، «مسحراتى من جنود الأرض.. منقراتى كل دقه بفرض.. أطلب غنايا زى أب ضناه.. القدس لاحت فى الطريق حضناه".
وما بين هذا وذاك، كان المؤسس الحقيقى "بعد بيرم التونسى" لشعر العاميّة المصريّة الحديث، يقول عن نفسِه:
"أنا والد الشّعرا فؤاد حدّاد
أيوه أنا الوالد وياما ولاد
أبالِسه ربّيتهم بكلّ وداد"
وكانت آخر أبياته التي تركها على المكتب ليلة وفاته، يوم الأول من نوفمبر1985، هي الملخّص الوافي لسيرته:
"مات اللي كان حالف يموت ولا يقطَع دابر
أمل المساكين في الأكابر"
منين يا عم إبراهيم؟
قال لي أنا من الطير
يا ميت صباح النعيم
ويا ميت صباح الخير
ما أحلى الشقا لما أشقى
بقلب أعقل وأشقى
من العقول الشقيّة
أعدل جناح الطاقية
وافتح عراوي الصديرى
لسه في حياتي بقيّة
تسأل عيوني اللي عاشقة
الطير مزاج والا نشأة؟
ولا الغرام اللي جابني
والجو صاحي وعجبني
أقول لك الحق يا ابني
كلنا من الطير.
عالم فؤاد حداد لا حدود له، فضاؤه رحب لا يعترف بمقاييس الجغرافيا الطبيعية، أرضه تتكلم العربى وسماؤه تظلل كافة البشر، وأشعاره تعبر عن الإنسانية، فمعانيها تهدهد قلب عجوز كوبى على شواطئ هافانا، وتمسح دمعة فلاحة من أعماق الريف بقرية صينية صغيرة، وترسم الابتسامة على وجه فتاة على ترعة المحمودية، فهو الشاعر الوفى لتعاليم جيفارا والباحث عن العدالة الاجتماعية فى ثورة عبدالناصر ضد الفقر والجهل والمرض.
انحياز فؤاد حداد للبسطاء فى قصائده ليس صدفة لكنه جزء من تكوينه الثقافى، فالشاب الذى طحنت جدران المعتقل عظامه فى مطلع الخمسينيات بسبب تنبيه للفكر الشيوعى ظل وفيا لأفكاره، رافضا السير فى قطيع المهللين للسلطة، رغم تقديره لإنجازات عبدالناصر ومشروعاته القومية التى كتب فيها ديوانه «حنبنى السد»، ولا عجب فى أن يحمل ديوانه الأول سنة 1952 عنوان "افرجوا عن المسجونين السياسيين» قبل أن يتغير اسمه إلى «أحرار وراء القضبان» لأسباب رقابية.
منذ بواكير حياته انحاز فؤاد حداد الى الطبقات الشعبية الكادحة والمسحوقة والمستضعفة، وحارب الظلم والقهر والقمع والاضطهاد، وحلم بمجتمع المساواة والعدالة الاجتماعية، الذي سيبني صرحه سواعد العمال والفلاحين المعطاءة. وقد انتمى فؤاد الى الحزب الشيوعي المصري وانخرط في صفوفه وشارك في معاركه النضالية والكفاحية ضد الفقر والجوع والاستغلال والانسحاق الطبقي، ودفاعاً عن الخبز والكرامة والفرح الانساني، وعاش محارباً على الجبهة الثقافية بقلمه االثائر حتى يومه الاخير، وجسد في قصائده العامية الغنائية الرفض المباشر والاحتجاج العنيف ضد القهر والجور، وراح يرثي الشهداء كما لم يرثهم أحد فى ديوانه الأخير "أيام العجب والموت"، وذلك بعد أن اجتاز عقبة مرضه في العام 1977 الذى كانت أهم أعراضه هى الدوخة. وفي الفترة من العام 1980 وحتى وفاته (خمسة سنوات) كتب ما يقرب من ثلثي جملة أعماله، تاركا لنا ثروة ثمينة من الشعر العامي، وأيضا المنثور، تجارب عن السجن والفقراء والثورة والنضال. والنضحية، الأحياء والشوارع.
يتميز ديوان "أيام العجب والموت " بمعجم شعرى ثرى تتنوع فيه المنابع التى استقى منها كلماته وأثبت فيها أنه لاتوجد كلمات خاصة بالشعر دون أخرى، كما استخدم الشاعر كلمات عربية فصيحة وصلت لدرجة أنه فى قصيدة "عين شمس "استخدمها فى صياغة تسعة أسطرشعرية كاملة دون أن يحدث بذلك أى خلل فى القصيدة لكن فؤاد حداد استطاع أن يوظف الكلمات الفصيحة فى قصيدة عامية عندما تطلبت منه الضرورة الفنية ذلك كى يتقمص الشاعردور الدرويش المتصوف الذى يرى بقلبه مالايراه الأخرون حيث يقول ( أومأ الجثمان لاأهذى/أومأ الجثمان بالوهمِ/ فى رثاءالميْتِ والتأبين /أومأ الجثمان ياقومى)
فى جميع قصائد الديوان توجد اٍشارات دالة على الذات مثل ضمير المتكلم وياء النسب وياء الملكيةوفى بعض القصائد ذكر الشاعر اسمه واسم والده كما فى قصيدة "الطلق والتهنين ولادة الندى"، الأيام التى رحل فيها رفاق النضال جودة سعيد الديب ومحمد عباس وأم صفوت وفخرى مكارى، هؤلاء الذين رثاهم الشاعر بحرقة ونحيب، ومن أمثلة ذلك قوله فى قصيدة "جودة سعيد الديب " (آدى أيام العجب والموت/جت بسرعه زى غمضة عين /ليه ما قلتش زى لمح البصر/كنت باتقلّب على الجنبين/والكابوس من كل جنب يجينى ) وفى قصيدة "عين شمس "يقول ( غنوتى شكل اللى ضاع منى/فى مغيب الفجر أتعس مغيب ) وفى قصيدة النبض "عن حصار بيروت" يقول(بلغّوا بيروت باٍنى حزين/فى الحوارى محطة البنزين /ديدبان حارس على جسدى/انتباه الفجر للمغرب/العرب لابسين بدل عنكبوت/ والمفتش كل يوم بيفوت"، و فى قصيدة"فخرى مكارى" يقول (قولوا كلمه كبيره تتحمس/تمشى تضرب فى الأراضى جدور/افتحوا الباب اللى متربس/سكتوا الغفر اللى فوق السور) وفى قصيدة "النبض " يقول(كنت بالعربى باغنى لكم/ كنت حالف تحت عين الله / اٍنى آخد حقى من موتى)
ترتبط التشاكلات الدلالية فى ديوان "أيام العجب والموت " ببعضها البعض عبر عدة علاقات لتشكيل المسار الدلالى ، فالعلاقة بين الذاكرة والذات علاقة تواصل حيث تتواصل الذاكرة مع الشاعروتحرضه على مواجهة أيام الغياب والموت والنسيان وتذكره بنضاله القديم كما فى قصيدة"أم صفوت ( قلنا طول الليل ماونّينا/افتدينا النور بأغلى شهيد /معتقلنا اخضرّباٍدينا/معتقلهم زى قطع الاٍيد)، وهذه العلاقة هى المحفز والمحرك لرغبة الشاعر فى استعادة قدرته على المقاومة ومن أمثلة ذلك يقول فى قصيدة " الماضى تحت الطبع "(قدّروا ان الدم كان عصفور/ قدّروا ان الشمس كانت سر/ لازم ارسم نفسى بالأحسن ) ويدخل الشاعر فى صراع مع أيام الغياب والموت والنسيان ليستعيد ما ضاع منه كما فى قصيدة "الطلق والتهنين ولادة الندى" يقول (قلبى زى رغيفى تحت الباط/ابتدينا من تلات سنوات/آدى أيام العجب والموت ) وهنا تتدخل الذاكرة وتلعب دور المساعد للشاعر فى هذا الصراع، وفى قصيدة الاٍستغفاريقول (يستحيل ان كنت ماشى فى نور/ اٍن ظلّك يتمحى بالغصب (فتعود اٍليه غنوته التى ضاعت منه يرددها فى مواجهة أيام العجب والموت (خلى صوتنا بعد موتنا مليح/مش عمل باطل وقبض الريح/مش كلامنا اللى هيبقى تراب).
يبقى ديوان "أيام العجب والموت" فالشاعرفى هذا الديوان يرتدى عباءة الراوى/شاعرالربابة، كما فى قصيدة "فخرى مكارى"يرسم فؤاد حداد أيقونة لهذا المناضل الراحل صديق دربه حيث يقول فى بداية القصيدة (لما اغنى ياليل ياليل تكبر/صوتى بيرد الولد لاسمر /اللى شبّ وقبّ واتخمّر من عجينه وطينه مصريه/ربى يجعل صوتى قمريه/قادره ماتبطلش سجع وهديل /طول مابتحس العطش والنيل /فخرى كان زى النبات الأصيل ) كان المنشدين وشعراء السيرة أسلاف فؤاد حداد يبدأون قصائدهم بذكر النسب العريق للبطل ولكن فؤاد حداد لم يجد أعرق من الطينة والعجينة المصرية بملمسها ورائحتها لينسب لها "الولد الأسمر "فخرى مكارى" ثم يرسم الشاعرأمنيته أمامنا ويدعوا ربه أن يجعل صوته قمرية تغنى عن اٍحساسه بالعطش والنيل وفخرى وأمثاله فى هذا الحوار رسم الشاعرعن طريق التمثيل الاِستعارى والرمزى بصوت فخرى من منظور باطنى صورة نابضة خريطة لقلب فخرى الذى تشكل من الطينة المصرية حقلا يرفض أن تحاط به الأسوار، نرى فيه السنابل وكيزان الذره والنور والشباب ونسمع الزغاريد ،هذاالقلب /الحقل عندما أراد أن يكشف عن مابداخله ويغالب القهر والصمت دفع ثمنا فادحا .. وفى المعتقل يصف الشاعر هجوم مأمورى السجن على المضربين عن الطعام (تدبح المغرب سِحن عامله/مشنقه لليل وتأبيده /الديابه برتبة المأمير /يصرخوا فى الناس أقف عندك/فخرى من أربع آلاف كامله /اٍلتفت سمّاهم الهكسوس/الرموز سبقتنا والاٍشارات /انكتب نمشى على الجمرات /والسجون ندخل تلات مرّات).
كلام لا ينتهى عن الشاعر وعن الديوان "أيام العجب والموت"..أيها الشاعر العظيم، كم نفتقدك الآن.. السلام عليكم.