التجربة الشيوعية الأولى فى مصر -الحزب الشيوعى المصرى 1922 -

رياض حسن محرم
2020 / 6 / 12

سبقت النشأة الأولى للحركة الشيوعية فى مصر ظهور الفكر الإشتراكى فى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين على أيدى المبتعثين الى أوروبا وعلى رأسهم "رفاعة الطهطاوى" الذى قام بترجمة بعض أعمال "جان جاك روسو" ونقل الدستور الفرنسى للعربية، كما ظهرت مجموعة من الكتب الهامة التى تشرح أصول الإقتصاد السياسى نذكر منها:
1- الإقتصاد السياسى لخليل غانم 1889
2- أصول الإقتصاد السياسى لرفلة جرجس 1989
3- موسوعة الإقتصاد السياسى ترجمة جمعية التعريب المصرية 1892
4- الموجز فى علم الإقتصاد السياسى ترجمة حافظ ابراهيم وخليل مطران 1902
كان هذا قبل ظهور كتابات مباشرة عن الفكر الإشتراكى بأقلام "سلامة موسى" و "مصطفى حسين المنصورى" فى بدايات القرن العشرين.
وفى عام 1921 تم تأسيس "الحزب الإشتركى المصرى"، وقد نشأ هذا الحزب غداة انتصار البلاشفة الروس غام 1917 فى تأسيس أول دولة اشتراكية فى التاريخ منتهجة العمل الأممى بتجميع كل الأحزاب الشيوعية فى العالم فى أممية رفاقية هى "الأممية االثالثة"، وتعمل على التضامن بين الأحزاب الشيوعية القائمة والعمل على تأسيس أحزاب شيوعية تتبنى المنهج الماركسى النضالى فى بقية دول العالم.
تم تأسيس "الحزب الإشتراكى المصرى" 1921 على أيدى خليط من المؤمنين بالإشتراكية فى مقدمتهم المفكر الموسوعى "سلامة موسى" الذى إعتنق الإشتراكية الفابية على نمط حزب العمال البريطانى و "على العنانى" الإشتراكى الهيجلى و "محمد عبدالله عنان" ذو الميول الإسلامية والشيخ "صفوان أبو الفتح" الأزهرى" ومسيو "روزنتال" الجواهرجى اليهودى السكندرى الذى لعب الدور الرئيسى فى نشر الأفكار الشيوعية وتأسيس النقابات العمالية بالإضافة لبعض الشوام الذين شكلوا اضافة مهمة لبناء الحزب وعلى رأسهم "فؤاد الشمالى" الذى تم إبعاده لاحقا الى سوريا ليقوم بإنشاء "الحزب الشيوعى السورى" الذى ضم لبنان وفلسطين أيضا، والمحامى العمالى السورى "مارون أنطون" الذى أعتقل وحبس ومات بعد إضرابه الطويل عن الطعام فى سجن الحضرة بالأسكندرية لمدة 42 يوما.
لقد عمل الحزب الإشتركى ومن بعده الحزب الشيوعى الوليد عن طريق قالإنشغال بقضايا الاستقلال الوطني، وعن طريق القضايا المرتبطة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال المصريين ,وأسهم بدورً قيادياً في تشجيع العمال على الاضراب والمجاهرة في المطالبة بحقوقهم ,وما تبع ذلك من مظاهرات صاحبها أعمال عنف .كل ذلك جعل الحكومة المصرية تتبع موقفاً عنيفا تجاه الحزب الشيوعي فداهمت مقراته والقت القبض على قياداته ، فاسهم ذلك فى ضعف تأثيره الاجتماعي لاسيما بعد أن أصدرت الحكومة مجموعة جديدة من القوانين التي نصت على تحريم الانتماء للحركة الشيوعية، واستصدار فتوى رسمية من شيخ الأزهر بحرمانها، وحظرت التجمعات والمظاهرات والإضرابات العمالية.
وبعودة "حسنى العرابى" ممثلا للحزب الوليد من المؤتمرالرابع للأممية الشيوعية الثالثة "الكومنترن" فى موسكو عام 1922حاملا معه شروط الأممية لقبول عضوية الحزب بها وتتلخص فى 4 إملاءات وهى عقد مؤتمر عام للحزب خلال 3 شهور وتغيير إسم الحزب من الحزب الإشتراكى الى الحزب الشيوعى وصياغة برنامج للفلاحين وطرد بعض العناصر التحريفية من الحزب وعلى راسها "روزنتال" بزعم ميوله الفوضوية النقابوية!!، وبالفعل تم تنفيذ جميع شروط الأممية وأعلن رسميا عن إنضمام الحزب الشيوعى المصرى الى الأممية الثالثة فى يناير 1923" قبيل القضاء عليه".
وفى بداية 1923 قام الحزب بتنظيم واحد من أوسع الإضرابات هو إضراب عمال شركة الغاز والكهرباء بالاسكندرية فى فبراير 23 بمطالب اقرار مكافئة نهاية الخدمة والتعويض عن اصابات العمل وتوفير الخدمات الطبية، ونتج عن ذلك الاضراب أول ضربة قوية توجه للحزب بالقبض على عدد من قياداته منهم العرابى وأنطون وإغلاق مقره ومصادرة أوراقه، واستمر نضال الحزب حتى تم الافراج عن المعتقلين وتصاعد نشاطه والتفاف العمال حوله واعتبر مقر اتحاد العمال مقرا رسميا للحزب وتداخلت عضوية الحزب بالاتحاد التى بلغت حوالى 20 الف عضو، وكان ذلك ايذانا بالصدام الوشيك مع حكومة الوفد التى كانت تنظر بريبة الى تمدد نشاط الحزب الشيوعى بين العمال وإتساع هذا النشاط الى مناطق أخرى منها كفر الزيات ودمنهور والمنصورة وبورسعيد، ولكن الحزب سقط فى مجموعة من الأخطاء القاتلة على رأسها الذيلية للكومنترن ورضوخه المطلق لجميع الشروط المفروضه عليه وتلقى التوجيهات المستمرة منها والخطأ الثانى هو سقوطه فى شرك الإنحراف اليسارى ورفعه شعارات متجاوزة الواقع السياسى والاجتماعى وصدامه المبكّر مع حزب الوفد بكل تراثه الوطنى والمعادى للإستعمار وشخصية "سعد زغلول" الطاغية وذلك بالرغم من تعنت الوفد وإستعلائه إحساسا بالقوة لكن ذلك لا يعفى الشيوعى من تعجل ذلك الصدام وتصعيده المستمر للمطالب الإقتصادية للطبقة العاملة ومنها شعاره "لا ترفعوا أيديكم من على المحراث" وكان يعنى بذلك إحتلالهم للمصانع لإجبار الرأسماليين على الإستجابة لمطالبهم، ومن أوجه هذا الإنحراف الإصرار على إبراز الوجه الشيوعى العقائدى للحزب على حساب إحراز مكاسب للحزب والطبقة، ومن أمثلة ذلك وضع شعار المنجل والمطرقة فى صدر صحيفته "الشبيبة" وافتتاحيتها بمقال للينين وتعليق صور لماركس وانجلز ولينين وتروتسكى وروزا لكسمبورج على جدران الحزب وافتتاح أى إجتماع وإختتامه بنشيد الأممية الشيوعية، كما حرص الحزب على الإنتشار الأفقى بشكل متسرع وعدم التدقيق فى شروط العضوية أو الوعى وحتى عدم الإلتزام بتسديد الإشتراكات أو تنظيم أعضائه فى مستويات حزبية، لذا فبمجرد توجيه ضربة أمنية شديدة للحزب تبخرت العضوية وتم الإجهاز عليه.
لقد كانت ثورة 1919 بمثابة متنفس لجميع الطبقات، تعبّر من خلاله عن مصالحها ـ كما حدث مع الطبقة العاملة التي نشطت فيها حركة تأليف النقابات للدفاع عن مصالحها . وجدت الحركة اليسارية في ثورة 1919 فرصة تسعى فيها الى تحويل الحركة الوطنية الى ثورة اجتماعية تسقط النظام الرأ سمالي وترسي النظام الشيوعي كما حدث في روسيا، اضف الى ذلك انعكاس اصداء ثورة اكتوبر 1917 الروسية على مصر وانكباب مجموعة من الشباب المصري على دراسة الفكر الإشتركي "لاسيما من درسوا منهم في الجامعات الاوروبية" في محاولة للبحث عن علاج لما يعانيه المجتمع المصري من ما وصف بمتلازمة الامراض الاجتماعية الثلاث( الفقر والحهل والمرض) ومن هذا المنطلق تجمعت الحلقات الماركسية المصرية والاجنبية مكونة الحزب الإشتراكى المصري عام 1921 ,وتولت قيادته لجنة ضمت كل من جوزيف روزنتال وحسني العرابى وعلي العناني وسلامة موسى وعبد الله عنان، ونجح ذلك الحزب في الهيمنة على نقابات العمال المصرية هيمنة شبه كاملة ,وتضمن منهاج الحزب محاربة الاستعمار ومقاومة الدكتاتورية والغاء المعاهدات الإستعمارية ,والعمل على الغاء استغلال جماعة لأخرى ,واعتبار التعليم حقاً عاما للجميع ونشر التعاليم الديمقراطية الصحيحة ,وتحسين أحوال العمال وحرية تأسيس النقابات والأحزاب.
تم الإختلاف حول عدد أعضاء الحزب الإشتركى المصري، يذكر حسنى العرابى (أحد قيادات الحزب) ان عدد الاعضاء بلغ يوم تأسيس الحزب في أغسطس 1921 ما يقرب من513 ( عضواً ) بينما (وصل هذا العدد في اغسطس 1922 ,قرابة الألف عضو) ، اما اللجنة التنفيذية للأممية الثالثة) فقد أوردت في التقرير الذي قدمته الى المؤتمر الخامس فى فبراير 1924 تقديرا مختلفا عن ذلك العدد, إذ أنّها اكدت على انَّ عدد أعضاء الحزب يبلغ 700 ( عضواً فقط.) فى عام 1922، ولكن ليس هناك خلاف على سرعة نمو عضوية الحزب إبان تلك الفترة، لكن تكمن المشكلة الرئيسية فى الخلافات الايديولوجية التى تفاقمت بين اعضائه من المثقفين والعمال، تلك الخلافات التي بلغت ذروتها في 30 يوليو 1922 متمثلة بطرد عدد من المثقفين من الحزب ذوي الاصول البرجوازية (تجار وملاك ومحامين) داخل الحزب، وانقسمت آراء الاعضاء بين مؤيد للإنضمام إلى الأممية الثالثة وبين معارض لها. و كان جوزيف روزنتال أشد أعضاء الحزب تطرفاً في مسألة التحول الى الشيوعية ,وهذا ما دفع السلطات المصرية الى استدعائه في يوم 8 ديسمبر 1922 وابلاغه بحظر نشاطه الشيوعي, وفي حال عدم توقفه عن نشر الافكار الشيوعية في مصر فأن الحكومة تفكر في ابعاده عن البلاد.
مع ذلك فأن الاتحاد السوفيتي إشترط لقبول الحزب فرعاً في الأممية الثالثة تغيير اسم الحزب من الإشتراكى الى الشيوعي، وفصل روزنتال الذي وصفه السوفييت بالمثير للفوضى من الحزب ولم يسع اعضاء الحزب إلا أنْ استجابوا لطلب الاممية الثالثة, فعقد الحزب مؤتمرا في الاسكندرية في يوم 21 ديسمبر 1922 قرر فيه اخراج روزنتال من الحزب نهائيا وتعيين الاستاذ احمد مدني اميناً لصندوق الحزب بدلا منه، كذلك قرروا تغيير اسم الحزب من الحزب الإشتراكى المصري الى الحزب الشيوعي المصري.
وبعد انتساب الحزب الى الاممية الثالثة بدأ نشاطه يتخذ طابعاً اكثر تنظيما وتمثلت اهم النقاط التي عالجها منهاج الحزب بمسالة نضال مصر من اجل الاستقلال والتأكيد علي أنَّ اولى مهام الحزب تشتمل على تحرير مصر والسودان وتوحيد البلدين بشكل يضمن للشعبين الانتفاع من ثروات بلدانهم الطبيعية ويمكنهم من القيام بنضال مشترك ضد مستغليهم المحليين والاجانب ,وأنْ لا تزيد ساعات العمل عن ثماني ساعات في اليوم الواحد ) ( .اما النقطة المهمة الثانية التي عالجها البرنامج فقد كانت مسالة قناة السويس التي اخذ الحزب على عاتقه العمل على تأميمها .وبخصوص مهام الحزب الاخرى على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي ,فتمثلت بضرورة تشكيل النقابات والغاء الدَين العام ,وفرض التعليم الأولى ومجانيته والمساواة بين الجنسين وفصل الدين عن الدولة.
وكان للحزب الشيوعي المصري نشاط اجتماعي تمثل بفتح مدارس مجانية في انحاء البلاد وذلك لتعليم العمال في الليل بعد انتهاء الدوام الرسمى, وصدرت بيانات في الصحف تدعو العمال الرغبين في الالتحاق بهذه المدارس ان يسارعوا بكتابة اسمائهم في مقرات الحزب في مدينة الاسكندرية والمديريات ,وتكرر الامر ذاته في مدينة المنصورة ,وقررت قيادة الحزب تأسيس مدرسة لإعداد الكوادر ,كما تقرر ارسال عشرة اعضاء من كادر الحزب الى جامعة كادحي الشرق( في موسكو) ,وارسل بالفعل اربعة منهم كان المقرر أنْ تلتحق بهم فتاتان احداهما من الزقازيق والاخرى من سمنود. ونتيجة لاتخاذ الحزب الشيوعي من الطبقة العاملة قاعدة جماهيرية لانتشار أفكاره ومنطلقا لحركته الثورية المتعارضة مع سياسة النظام الحاكم،,ومن ثم تحريضه الطبقة العاملة على القيام باضرابات متتالية كل ذلك ادى الى الصدام بين الحزب الشيوعي والنظام الملكي المصري، ويبدو ان النشاط اليساري في مصر بعد تعرضه لموقف حكومي حازم ضيّق عليه فرص ممارسة نشاطه اضطر الى التراجع وتوقف نشاط الحزب بشكل رسمي بعد صدور دستور عام 1923 الذي نص على عدم قيام أحزاب تتبنى فكرة الصراع الطبقي، لكن السبب الرئيسى لتوقف نشاط الحزب جاء بسبب تلك الضربة البوليسية الغاشمة..السلام عليكم