هزيمة 1967.. مفترق طريقين

رياض حسن محرم
2020 / 6 / 6

كان ذلك فى صيف 1967 حين وقعت الكارثة، التى زلزلت كل الواقع العربى، وسببت وما تزال تغيرات عميقة الجذور فى اكثر من جيل ، تلك التى سماها هيكل لعبد الناصر" نكسة"، فى محاولة منه للتخفيف من هول ما حدث، أو ربما سعيا منه لتخفيف المسؤولية عن سيده وولى نعمته، بإدعاء أن شعوبا كثيرة قبلنا تعرضت لما هو أخطر، على كل حال تلك قصة أخرى ربما أعود اليها وتحتاج لأكثر من مقال ولكن فى ظرف آخر.
كان العام الأول لى بمدينة الأسكندرية، كنا فى نهاية العام الدراسى ( إعدادى طب) فى كلية العلوم بالشاطبى، ذلك الحى الراقى الهادئ، كنت وزميل الطفولة جمال عبد الفتاح نسكن معا بشارع تانيس بكامب شيزار، كان الوالد يرسل لى عشرة جنيهات شهريا يقتطعها كما يقولون من اللحم الحى، أدفع منها أربعة للسكن، وتبقى ستة جنيهات للمأكل والملبس ومصاريف الدراسة، كنا نطوى أوراق الدراسة إستعدادا لإمتحان نهاية العام فى منتصف يونيو حينما بدأت الأحداث بالتصاعد، عبد الناصر يؤمر بإغلاق خليج العقبة فى وجه الملاحة الإسرائيلية، طلب مصر الى الأمم المتحدة بسحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء، حشد القوات المصرية فى سيناء، تصاعد محموم فى المواقف والتصريحات، ونذر الحرب تلف المنطقة.
الحشد الإعلامى يتصاعد الى الذروة، معنويات المصريين فى السماء، الأغانى الثورية تملأ المكان، " أحلف بسماها وبترابها"، " عبد الناصر ياحبيب ..بكرة ندخل تل أبيب"، " فى البحر حنحدفكم فى البحر"، وصوت أحمد سعيد يجلجل فى صوت العرب، رسائل التأييد تنهال على عبد الناصر، فجأة يصل الى القاهرة الملك حسين بعد طول عداء، ليوقع اتفاقية بوضع قواته المسلحة تحت تصرف عبد الناصر، ويعود الى الاردن بصحبة عدوه اللدود أحمد الشقيرى رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، كانت القناعة الوحيدة لدى الجميع بنصر حاسم وسريع وإزالة الكيان العنصرى،واعتبار ان هذه الحرب مجرد نزهة.
كان نظام السكن المفروش للطلبة بالأسكندرية من شهر سبتمبر الى نهاية شهر يونيو، ويترك الطلبة السكن فى أشهر الصيف لكى يستمتع به أصحابه أو يؤجرونه مصيف، كانت امتحانات الجامعة لهذا العام تنتهى قبل منتصف يونيو، كنا خمسة أفراد بالشقة، أنا وجمال فى غرفة، الثانية بها طالبين من بورسعيد، أما الثالثة فكان فبها موظف فى شركة المقاولين العرب، آثر الزملاء فى الشقة أن نغادرها فى منتصف الشهر تقليلا للمصاريف، بحيث يتم دفع إيجار نصف شهر فقط، وافق البواب (المؤجر)على ذلك، ولكن فى صباح 5 يونيو إشتعلت الحرب، وأعلن عن توقف الدراسة والإمتحانات، قرر الزملاء مرة أخرى الرحيل المباشر الى مدنهم وقراهم، تم إستدعاء البواب على عجل، ودفع ايجار الخمسة أيام، وغادروا مسرعين، بينما قررت أنا وحدى البقاء.
فى الطريق الى الجامعة كانت المظاهرات صاخبة، كلما إقتربت من مبنى الإعدادى بالقرب من مبنى اتحاد طلاب الجامعة بالشاطبى كانت التجمعات تكبر والمظاهرات تزداد حدة، انضممت الى احدى المظاهرات، كانت الشعارات المرفوعة تزداد هستيرية مع كل اعلان عن اسقاط طائرة اسرائيلية جديدة، بلغ العدد المعلن عنه 75 طائرة، الحناجر تزداد التهابا، أنزلت الجموع احد المتظاهرين الذى يردد" عبدالناصر يا حبيب..بكرة حندخل تل أبيب" ورفعت آخر أكثر إستعجالا يردد"عبدالناصر يا حبيب..دلوقتى إحنا فى تل أبيب"، توجهت الجموع وأنا معهم الى داخل المبنى لتسجيل الأسماء فى كشوف التطوع، تم تقسيم المتطوعين الى مجموعات، جاء إسمى فى مجموعة للتدريب بمبنى مدرسة النصر للبنين بالشاطبى.
كان عددنا حوالى الثلاثمائة فرد تقريبا ويقوم على تدريبنا عميد من الدفاع المدنى مع عدد من الضباط والصف ضباط، تم تسليمنا بنادق آلية ورشاشات بورسعيد، وذخيرة حية، وبدأ تدريبنا النظرى على فك وتركيب البندقية مع دراسة مكوناتها، بالإضافة لمحاضرات نظرية عن المقاومة الشعبية، وبرامج تعبئة معنوية، بعد يومين تم تقسيمنا الى مجموعات صغيرة للقيام بالحراسة الليلية لبعض المنشآت الحكومية، كانت مجموعتى مكلفة بحراسة مصنع بيرة الأهرام"ستيللا" بكامب شيزار.
كنا مجموعة مختلفة المشارب والإنتماءات، وكان معنا متطوعون من الطلبة العرب الدارسين فى مصر، لكن تجمعنا معا الروح الوطنية المتوقدة، والرغبة فى تقديم اى شيئ من أجل المعركة، بعد مرور اليوم الثانى بدأت بعض الأخبار غير المطمئنة، حديث عن الإنسحاب الى خط الدفاع الثانى، كلام عن صد هجوم اسرائيلى مدرع شمال العريش، بدأت الهواجس والأفكار تحوم حول شيئ ما غير طبيعى يحدث، لكن العقول المفعمة بالحماس والواثقة من قيادتها حتى النخاع تأبى أن تصدق هذه الإشارات، لابد أن هنالك شيئ ما يدبر لا نعلمه، ربما ما يحدث تكتيك حربى سرعان ما نعرف كيف تم التخطيط له، لكن بقى فى النفس شيئ.
يوم الثامن من يونيو سهرنا حتى الصباح أيضا، قضينا ليلتنا فى الشارع فى نوبة حراسة، حاول البعض كسر حدة الموقف ببعض السمر، لكن البهجة تجمدت فى العيون، سرعان ما لف الجميع نوبة صمت.
فى اليوم التالى إستمرت التدريبات فى المعسكر، كان الجميع يتحرك بآلية، دون القدرة على النظر فى عيون بعضنا، توقفت الإذاعة والتلفزيون عن القاء البيانات العسكرية الحماسية، بدأت اذاعة أغانى وطنية ومارشات عسكرية، أغانى معظمها تمجد الروح الوطنية مثل"مصر التى فى خاطرى" و"وقف الخلق جميعا" لأم كلثوم، و مثل "وطنى أحببتك يا وطنى" و" أخى جاوز الظالمون المدى"، واختفت اغنيات الحرب "والله زمان يا سلاحى" وشبيهاتها.
فى حوالى الثالثة بدأ يذاع بيان يتكرر كل 5 دقائق عن حديث للرئيس عبد الناصر فى الثامنة مساءا، بدأت القلوب ترتجف، كان خيط الأمل الضعيف الباقى أن يعلن عبد الناصرالإنتصار العظيم على إسرائيل، بدأ قائد المعسكر فى التهيأة للحدث، طلب منا التجمع فى قاعة التلفزيون للإستماع الى الخطاب، منذ السادسة بدأنا فى التحولق جميعا حول الشاشة الصغيرة، لم يتأخر عن الموعد، أطل بوجه مكفهر مهزوم، بصورة لم نتعودها سابقا، وبعبارات حزينة وصوت مجروح ليعلن الهزيمة، أو "النكسة"وكما سماها وحاولوا ترويجها، وليعلن عن تنحيه وتكليف"زكريا محيى الدين" برئاسة الجمهورية، لحظتها بدأ جميع الحاضرين بالنحيب بصوت مسموع، سرعان ما تحول النحيب الى عويل، حدثت حالات إغماء، وحاول أحدهم إطلاق النار على نفسه، لكن قائد المعسكر تصرف بشكل حازم ومسئول، بصوت عال وحاسم خاطب الجميع، أن يتوقفوا عن هذا الإنفعال ويتصرفوا كرجال، وطلب منا أن ننتظم فى طابور العلم، حيّا العلم وهتف بحياة الجمهورية العربية المتحدة وبحياة رئيسها زكريا محيى الدين، كانت أصوات الجماهير فى الشوارع تعلو، وسمعنا أصوات مظاهرات من بعيد، أدرك قائد المعسكر خطورة الموقف، قال اننا لا نعرف ما يحدث الآن فى الشارع، ولا نعرف ردود فعل الناس، ربما يحاولون الهجوم علينا للحصول على السلاح، وطلب منا الإنصراف فى هدوء، وتجنب السير فى الشوارع الرئيسية خوفا من غضب الجماهير، على أن نعاود التدريب صباح الغد.
سرت فى شوارع الأسكندرية حاملا بندقيتى على كتفى فى طريقى الى البيت، الشوارع مظلمة تماما لحظر الإضاءة، هدير الجماهير ينساب من كل الجهات، الصراخ يختلط بالعويل بالهتاف بالبكاء، حالة من الهيستيريا لا يمكن وصفها، وشعور بالتعب والإرهاق والإعياء يسيطر على، فكرة واحدة تلح على بقوة، هذا الرجل هو المسئول عن كل ماحدث، فليذهب الى الجحيم، لقد خدعنا جميعا ولا يمكن أن يخدعنا ثانية.
وصلت الى المنزل فى شارع تانيس، الشارع مظلم، البيت مظلم، السلالم مظلمة، أجّر قدمى بالبيادة الثقيلة على السلم، أتحسس ثقب المفتاح فى الظلام، أدلف الى الشقة مغلقا الباب بقدمى، أتقدم الى غرفة نومى، ألقى بنفسى على السرير بملابسى الميرى والحذاء، وأنهار فى بكاء طويل.
لا أعرف كم من الوقت بكيت، ولا متى غلبنى النوم، فتحت عينى على نور النهار يملأ المكان، وصوت المظاهرات فى الشارع لا ينقطع، شعرت برأسى ثقيل، وضعت رأسى تحت الحنفية لمدة، تحركت ببطأ لألبس ملابسى، وجدتنى فى محطة مصر، ركبت القطار عائدا الى قريتى.