تجديد الفكر أم تجديد الدين ..بأيهما نبدأ؟

رياض حسن محرم
2020 / 6 / 2

اذا سألت مسلما عن حقوق الإنسان في الإسلام لسارع إلى تأكيد وجودها، شافعاً ذلك بخطبةٍ عصماءٍ عن كرامة الإنسان، وحقوق المرأة ومكانتها، مؤكدا أن الإسلام كله يعتبر وثيقة خالدة لحقوق البشر، ولكن عندما تبدأ فى تحديد بعض المصطلحات كحق الإعتقاد أو نظام الحكم أو الميراث، فانه يبدأ فى الهجوم عليك بوصفك علمانيا تحمل ضغينة ضد الإسلام ولا ينتهى الاّ بوصفك زنديقا أو مهرطقا خارجا عن الملّة، ويحاول التأصيل التاريخي والعقدي الذي يقوم على إثبات سبق الإسلام للغرب في إقرار الحقوق، وعدم حاجتنا إلي ما يسمى بحقوق الإنسان، ووصم حقوق الإنسان بأنها فكرة استقيناها من الغرب، من دون إدراك أنها تطور عام للإنسانية، ويتقولون بافتراض عجز العقل البشري عن إدراك حكم الأشياء وحده، فإن الفكر الإسلامي (القديم والحديث) يخلو من وجود حقوق إنسان طبيعية، أي يكتسبها المرء بحق الميلاد، انما أوجب على الإنسان الطاعة فقط (وما خلقت الإنس والجن الاّ ليعبدون)، مع افتراض ولادة الإنسان على الإسلام باعتباره دين الفطرة، وان اهله هم من يهودانه أو ينصرانه؛ تنتج من ذلك معاملة الطفل على أنه مسلمٌ يجب عليه الالتزام بتكاليف الدين حين البلوغ، أي أن لا حقوق طبيعية للإنسان لأن كونه مسلماً تسبق كونه إنساناً، وكأنه لا يوجد فى الكون ديانات أخرى، مع أن ثلاثة أرباع من يعيشون على هذا الكوكب لا ينتمون للإسلام، فمن المعروف أن قضية حقوق الإنسان قضية حديثة نسبياً، وهي ابنة أصيلة للحداثة الغربية، إلا أن ذلك لا يعني أن وجود تلك الحقوق حكرٌ على الفكر الغربي وحده، ولكنها قضية انسانية خالصة.
ورد في الدستور الإسلامي لعام 1951، في المادة 12: "لا بد أن يكون رئيس الدولة المسلمة مسلماً ذكر"، وفي حدّ الردة ورد: "الإسلام دين الفطرة، ولا يجوز ممارسة أي لونٍ من الإكراه على الإنسان أو استغلال فقره أو جهلة لحمله على تغيير دينه إلى دين آخر أو إلى الإلحاد"، وتفسير ذلك أن أى خروج عن دين الإسلام انما يأتى عن طريق الإكراه، ولم يتعرض لأى محاولة للإجبار على اعتناق الإسلام أو البقاء فيه، ان الحل يكمن فى الأساس على حرية الاعتقاد التى تتفرع عنها حقوق عدة، منها حقوق الجسد، وبمعنى أوسع الحقوق الثقافية التي تتضمن حق الإنسان في جسده وميوله الجنسية. وتصبح القاعدة هي الحرية إذا لم يقع ضرر مؤكد على الآخر، في حال كون الحقوق طبيعية لن تكون هناك عبودية، لأن البشر جميعاً متساوون بالميلاد، بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الدين. وسيصبح الدين بمنزلة قرار حر للإنسان، وتصبح تعاليمه نابعةً من التزامه الفردي، المتعلق بعلاقته بربه، بهذه الآلية ستصبح الشريعة الإسلامية قائمة على حفظ حقوق الإنسان، وتتوسع إلى تقديم تنظيرٍ لمفهوم المجتمع المتعدد الأديان، حتى تصبح الحقوق مكفولةً للإنسان، وتغدو العبادات الدينية خاصةٍ بمن يؤمن بالدين، وهي مسألة خاصة بين الله والإنسان، ولا شأن لأي أحدٍ بها، وتنتفى تلك العبارة التى ينادى بها أصحاب الفكر السلفى الجهادى حول "ضرورة تعبيد الإنسان لربه".
إن وصف دولة ما بأنها إسلامية يعني أن القائمين عليها هم نفر ممن يطبقون رؤيتهم للإسلام. كما أن تجربة الحكم في المدينة في أيام النبي حالة لا يمكن القياس عليها، فمنذ عهد أبي بكر أصبح كل ما يقال هو رأي للقائل فقط. وحتى أبو بكر نفسه لا يمثل الإسلام بل يمثل رؤيتة للإسلام ودليلنا في هذا اختلافه مع الصحابة في أول قراراته بخصوص حروب الردة، باعتبار تلك حرب دنيوية لا دينية، ولو لم يكن هو الخليفة لما نفذ رأيه. وكل الأحكام الشرعية أحكام ظنية، وأعلم العلماء يمكنه أن يعطي ما يشاء من الحجج، ولا يمكن أن يزعم أن هذا هو الإسلام بعينه. وهذا ما وصل اليه كتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" فإن هذا السؤال تمت الإجابة عليه في بدايات القرن العشرين، أي أن الإسلام لا يحمل نظام حكم محدد لأن خلفاء النبي الأربعة أنفسهم لم يتفقوا على أسلوب حكم وانتقال سلطة موحد.
إنه لا يوجد تصادم بين الإسلام والحداثة بل هناك تصادم بين أشكال من التدين الإسلامي والحداثة. فمنذ القرن السادس قام التدين على حجية النصوص وخصوصاً عند الحنابلة، وهذا تدين يصطدم حتماً بالحالة المبنية على العقلانية، ومسؤولية الفرد كرؤية المعتزلة، ولكن ماذا عن النصوص الصريحة في القرآن التي تتعارض مع مفاهيم الحداثة، كنصوص القتال، والمرأة، والحدود وغيرها؟ ألا تقف هذه النصوص سداً بوجه محاولات التقريب بين الإسلام والحداثة؟.
أن العلمانية مطبقة بالفعل في الكثير من نواحي الحياة في العالم العربي ما عدا قانون الأحوال الشخصية وفي مؤسسات الحكم. واستمرار الصلة بين الدين والسياسة في العالم العربي يرجع إلى مصلحة رجال السياسة في الابتعاد عن العلمانية لأنها تحد من نفوذهم، ولكن تطور المجتمعات يسير في هذا الاتجاه كما أنه لا يمكن أن يكون المجتمع إسلامياً ما لم تكن الدولة علمانية تؤمن بالتعددية. فبهذه الحالة يسلم المسلم عن اقتناع لا عن خوف من السلطة. وإنه لا معنى أبداً لتلك العبارة التي نراها في دساتيرنا العربية من أن "الإسلام دين الدولة". فلا توجد دولة لها دين. ومتى حددنا ديناً لدولة ما فإننا نكون تلقائياً قد أسسنا للتمييز ضد أتباع الديانات الأخرى. وإن السياسيين عندنا يستعملون هذه النقطة في إسباغ قدسية الدين على تصرفات الحكومة.
أن هناك مشروعاً حداثياً كامناً في تراثنا ولكننا لا نقرأ. كما أنه لا يجب تغييب مسؤولية المجتمع الدولي الذي سمح بحروب عدوانية كما حدث فى العراق وأسست لنظرة الحرب والعنف عند الشباب المسلم، وكذا العدوان الصهيونى اليومى على الفلسطينيين العزل، كل ذلك دفعه إلى أن يرد بشكل إنتحاري متخلف على هذه المشاريع، إن الحداثة مشروع غير مكتمل البناء، ولأنها بطبيعتها لا تقول لك إفعل ولا تفعل لأنها ليست دوغمائية بل ديموقراطية، ولا تنم عن ثقافة الشباب العربي الذي لم يتعود في بيئته ولا في مراحل تعليمه على استقلال الشخصية، ويصبح بالتالي منقاداً لآراء غيره، أن التشبث بأشخاص توفوا منذ قرون وجعلهم يتحكمون في حياتنا لا بد أن ينتهي لمصلحة هوية المواطنة التي تنبذ الانتماء المذهبي.
ان أى أمل أن تقوم المؤسسات الدينية الحالية بأي دور إصلاحي ذي قيمة مشكوك فيه كثيرا، الأمل يتركز في عموم المجتمع لا في الصفوة الحاكمة دينية أو سياسية تلك التي تعمل من أجل ترفها وفسادها فقط، لا بد لنا من أن نمضي نحو لب الإسلام في التسامح والسعة وقبول الآخر. وإن ما تقوم به المنظمات الإرهابية مثل داعش من الهمجية والسطحية في فهم الدين كفيل بأن يدفع الشباب نحو تحقيق علمانية الحكم وبطلان الدولة الدينية.السلام عليكم,