انتفاضة 1905 العمّالية، مدرسة ربت أجيالا من المناضلين

خليل اندراوس
2020 / 5 / 30



كان لينين، كان البلاشفة يعتبرون ان الثورة التي بدأت في روسيا عام 1905 كانت من حيث مضمونها، ثورة ديمقراطية برجوازية، وان مهمتها كانت القضاء على بقايا القنانة، واسقاط القيصرية واكتساب الحريات الديمقراطية. وكانت للبروليتاريا مصلحة في انتصار الثورة البرجوازية انتصارا تاما، لأنها تقرب وتسهل نضالها في سبيل الاشتراكية، وفوق ذلك ينبغي للبروليتاريا ان تكون القوة المحركة الرئيسية في الثورة وزعيمتها.

وحلفاء البروليتاريا كانوا الفلاحين ذوي المصلحة في انتزاع الأرض من كبار ملاكي الأرض. وفيما يتعلق بالبرجوازية الروسية فإنها كانت تريد الحفاظ على القيصرية ولم يمكنها بسبب طبيعتها الطبقية، ان تكون ثورية. ولذلك كان البلاشفة يعتبرون انه ينبغي فصل البرجوازية وعزلها عن الجماهير.



ويبين لينين ان الوسيلة الرئيسية لاسقاط الحكم القيصري المطلق هي الانتفاض المسلح. وفي حالة صيرورة الانتفاض المسلح الى الانتصار، ينبغي ان تقوم، لا سلطة البرجوازية كما في الثورات البرجوازية السابقة، بل ديكتاتورية البروليتاريا والفلاحين الثورية الديمقراطية.

وينبغي لهيئة هذه الديكتاتورية ان تكون حكومة ثورية مؤقتة.

وهذه الخطة البلشفية التي وضعها لينين كانت مستوحاة من الثقة بانتصار الثورة.

أما خطة المناشفة فقد انبثقت من نقطة الانطلاق التالية: ما دامت الثورة برجوازية فينبغي للبرجوازية ان تكون زعيمتها. وينبغي لدور البروليتاريا ألا يتعدى تأييد البرجوازية. ووقف المناشفة ضد تحالف الطبقة العاملة مع الفلاحين، لأنهم لم يكونوا يؤمنون بقوة الفلاحين الثورية وقد اعترضوا أشد الاعتراض على ضرورة الانتفاض المسلح. وبين لينين ان الخطة المنشفية هي خطة خيانة الثورة، وانها تقوم في اساسها على النزوع الى اخضاع البروليتاريا لقيادة البرجوازية وعلى الرعب حيال احتمال انتصار الثورة الشعبية.



لقد وضع لينين في كتابه الأحكام الهامة في تعاليم الماركسية بصدد خطة البروليتاريا في الثورة الديمقراطية – البرجوازية، وبصدد ظروف صيرورتها الى ثورة اشتراكية. وقد علم لينين ان البروليتاريا اذا ما احرزت الانتصار في الثورة الديمقراطية – البرجوازية بالتحالف مع جميع الفلاحين لا يمكنها ان تقف عند هذا الحد. فهي تنظم قواها في مجرى النضال وترص حول نفسها الفقراء وتوجه الضربات للرأسمالية. وعلى هذه الصورة تصير الثورة الديمقراطية البرجوازية الى ثورة اشتراكية.

وهذا توجيه جديد نحو انتصار الثورة الاشتراكية. إنه توجيه يرد اتجاه المناشفة الروس وانتهازيي أوروبا الغربية الذين يغضون من شأن الجماهير نصف البروليتارية في المدن والقرى من حيث امكانياتها الثورية. وكان الانتهازيون يعتبرون ان البروليتاريا ستخوض الثورة الاشتراكية وحدها بدون حلفاء، ولذلك لا يمكن للثورة الاشتراكية ان تقع إلا حين تصبح البروليتاريا أكثرية بين سكان البلاد. وقد بين لينين خطر هذا الرأي وأثبت الحياه ان كان على صواب.



وضع لينين في كتاب: "خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية" أساس خطة الحزب الشيوعي التي أتاحت للبروليتاريا الروسية احراز النصر على الرأسمالية في ثورة اكتوبر سنة 1917. لقد طبق لينين الماركسية تطبيقا خلاقا، وطورها وفقا للأوضاع الاقتصادية التاريخية الجديدة في ذلك الحين في روسيا.

تطورت الأحداث على نحو عارم، وتصاعدت الحركة الثورية في روسيا تصاعدًا منقطع النظير، حيث اندلع في اكتةبر عام 1905 اضراب سياسي عام، فتجمدت كل الحياة في البلاد.وكان هذا الضراب شكلا جديدا في نضال البروليتاريا السياسي لم يسبق له نظير في البلدان الأخرى. وتزعزعت الدعامة المسلحة للقيصرية ونعني الجيش. فقد انتفض بحارة المدرعة "بوتيومكين" وهي احدى سفن اسطول البحر الأسود. ونظرا للأحداث المتطور على نحو عارم طرح لينين على المنظمات الحزبية مهمة: استيعاب طرق النضال المسلح. وكان يرى ان من الأهمية بمكان انشاء مفارز قتالية مسلحة في المدن الكبرى، ونشر البلاشفة ايضا عملا دعائيا كبيرا بين الجنود والبحارة وأصدروا لهم أكثر من 20 صحيفة. وفي ايام الثورة العاصفة عام 1905 ظهرت المنظمات السياسية الجماهيرية – مجالس سوفييت نواب العمال. وقد قدرها لينين أسمى التقدير بوصفها هيئات الانتفاض المسلح، وبوصفها جنين السلطة الثورية الجديدة. وتنبأ لينين نتذ ذلك الحين بأن مستقبلا عظيما في انتظار مجالس السوفييت، وبأنها ستصبح عاجلا أم أجلا سلطة الشغيلة.

وهذه التطورات ونضالات البروليتاريا حملت الحكومة القيصرية على التنازل، مما دفع القيصر ان يصدر بتاريخ 17 أكتوبر عام 1905 بيانا وعد فيه الشعب بحرمة الشخصية وبحرية الكلام والصحافة والاجتماع وبالحريات المدنية الأخرى.

وبين لينين انه لا يمكن الثقة بوعود القيصر، وان مهمة البروليتاريا في الاستمرار بتوسيع الثورة وفي السير بالجماهير الى الانتفاض المسلح.



وكان لينين في لهفة ويتحرق رغبة في العودة الى روسيا حتى يهب نفسه بالكامل للنضال الثوري.

وهكذا في أواخر أكتوبر سنة 1905 غادر لينين جنيف ووصل الى بطرسبورغ في أوائل تشرين الثاني.

وفي بطرسبورغ أخذ يقود بصورة مباشرة الحزب والنضال الثوري. وقام لينين بعمل تنظيمي كبير، قام بقيادة لجنة البلاشفة المركزية ولجنة بلاشفة بطرسبورغ والقى التقارير في الاجتماعات والمجالس العامة والمداولات الحزبية. واجتمع بمناضلي الحزب الذين كانوا يتوافدون على بطرسبورغ من جميع انحاء روسيا، وكتب المقالات للصحف البلشفية. وأحس الحزب ان قيادة في أيدي الزعيم الثابتة والسديدة.

كان لينين يوجه الجريدة البلشفية العلنية "نوفايا جيزن" (الحياة الجديدة) وكتب لها الكثير من المقالات.

وكانت مقالاته بمثابة تعليمات للمنظمات الحزبية في عملها اليومي.

ورغم ان الشعب الروسي خلال ثورته عام 1905 قد انتزع بعض الحريات من القيصر، وكان لينين، كالثوريين الأخرين، مضطرا الى الاختفاء عن الشرطة.

فالحكومة القيصرية كانت تنزع الى اعتقال لينين لحرمان الثورة من قائدها. ولذلك ترتب عليه ان يعيش في ظروف غير علنية، ترتب عليه ان يغير تذكرة هويته مرات وأن يغير مسكته مرات، وان يسافر من بطرسبورغ الى فنلندا عدة مرات.



وقام لينين في اليوم الأول لوصوله روسيا عام 1905، بزيارة مقبرة الأشقاء من ضحايا التاسع من يناير ولم يكن ذلك عملا سياسيا وانما أملاه قلب لينين الطيب المثخن الذي تأثر بعمق للمأساة الكبرى التي جاقت بالطبقة العاملة: "يوم الأحد الدامي".

كانت انتفاضة عمال موسكو المسلحة في كانون الأول عام 1905 الذروة في تطور الثورة. وجابت أرجاء روسيا موجة ثورية جديدة أكثر قوة. وبعد يوم واحد من الاضراب السياسي العام الذي بدأ في موسكو، تحول الى معارك خلف المتاريس. وعلى امتداد 9 أيام خاضت عدة آلاف من العمال نضالا بطوليا غير متكافئ ضد القوات الحكومية.

واندلعت الانتفاضات واحدة تلو الأخرى في كثير من المدن الصناعية الأخرى مثل منطقة بريسنيا وفي نيجني نوفغورود وروتسوف على الدون ونوفوروسيسك وأوفا وغيرها من المدن، وقمعت الحكومة القيصرية بأفظع القسوة جميع هذه الانتفاضات المتفرقة.

قدر لينين أسمى تقدير انتفاضة كانون الأول عام 1905 المسلحة بوصفها آية لا تنسى من أيات بطولة العمال الروس. كانت بمثابة مدرسة ربت أجيالا جديدة من المناضلين.

ورأى فيها خبرة لها أهمية عالمية بالنسبة لجميع الثورات البروليتاريا. نوه لينين بما انطوت عليه الانتفاضة عام 1905 وما تبعها من احداث وبين اسباب انهزامها، حيث كانت القوى غير متكافأة بين انتفاضة العمال وسلطة الحكم القيصري وبحلول عام 1907 أخذت الحركة الثورية تخبو. فقامت السلطات القيصرية بهجوم حانق ضار على الثورة. وتم حل الدوما (البرلمان) واعتقال كثير من نوابه وتغيير قانون الانتخاب واختصار حقوق العمال والفلاحين التي كانت ضئيلة دون ذلك.

وتصرفت حملات التأديب بوحشية في كافة أنحاء البلاد وتم إعدام الآلاف شنقًا أو رميا بالرصاص، والقاء آلاف أخرى في المعتقلات والسجون وحكم عليها بالأشغال الشاقة.

وبدأ البوليس البحث عن القادة البلاشفة المختفين. وفي هذه الظروف اضطر لينين والمقربون اليه من رفاقه الى مغادرة روسيا مرة أخرى.

تمكن لينين من السفر الى الخارج معرضا حياته لخطر جسيم وقد استمر مكوث لينين في الخارج هذه المرة أكثر من تسعة أعوام.

وهكذا بعد حزيران عام 1907 بدأت السنوات العصيبة سنوات الرجعية.

في كانون الثاني وصل لينين الى جنيف، وكم قاس من ألم اذ عاد من روسيا الثورية الى هذه المدينة الهادئة، النعسانة.



كانت الثورة الروسية شاغل أفكار لينين. فقد كان على يقين من أن انهزام البروليتاريا ليس إلا هزيمة مؤقتة، وان انتصار الطبقة العاملة على الحكم المطلق أمر محتوم.

وقد كان للكلمات التي توجه لينين الى الحزب دوى عظيم: "استطعنا ان نعمل سنوات طويلة قبل الثورة. وليس من باب الصدف ان خلعوا علينا صفة الصلابة. لقد أسس الاشتراكيون – الديمقراطيون حزبا بروليتاريا لا يفقد معنوياته لاخفاق أول هجوم عسكري، حزبا لا يركب رأسه ولا تجذبه المغامرات... وهذا الحزب البروليتاري سائر الى النصر".

فور الوصول الى جنيف شرع لينين يعد العدة لاستئناف اصدار الجريدة البلشفية "بروليتاري". وقد دعا لينين للاشتراك في تحرير الجريدة غوركي ولوناشارسكي وغيرها من الكتاب البلاشفة المعروفين.

وتطلب تنظيم الجريدة من لينين بذل الكثير من النشاط والجهود. فاهتمامه قد تعدى الشؤون المتعلقة باصدار الجريدة الى الشؤون المتعلقة بايصال الجريدة الى روسيا. وفي أواسط شباط عام 1908 صدر العدد الدوري من "بروليتاري". وفي ظروف الرجعية القاسية رأى لينين في الجريدة الحزبية وسيلة في منتهى الأهمية من شأنها ان ترص صفوف الملاكات البلشفية وتربيها، وأداة من شأنها أن تحضر الحزب والطبقة العاملة لنهوض جديد في الثورة. ان الخطة المرنة التي وضعها لينين، خطة الجمع بين العمل السري والعلني قد فسحت أمام الحزب في ذلك الظرف العصيب مجال توثيق الروابط بالجماهير واعدادها للثورة.

إن نضال لينين من أجل صيانة الحزب وتعزيزه قد جوبه بالعداء من قبل خصوم الحزب الكثيرين. فبعد انهزام الثورة (ثورة 1905 – 1907) تقهقر المناشفة في ذعر وتبرؤوا بصورة مشينة من شعارات الحزب ومنى برنامجه الثوري، وعملوا لتصفية منظمات الحزب السرية ولوقف العمل الثوري السري. ولذلك نعت لينين المناشفة بالمصفين. وقد دعا المناشفة – المصفون الطبقة العاملة الى التفاهم مع البرجوازية، والى التسليم بالأوضاع الرجعية.

وكانوا يأملون أن يحصلوا عن هذا الطريق على ترخيص للحزب للعمل علنا. كانوا يريدون تنظيم حزب علني. غير ان حزب البروليتاريا الثوري الذي قاده لينين لم يكن يستطيع الحياة العلنية في روسيا القيصرية. ومعنى ذلك ان المناشفة كانوا مصممين سلفا على تنظيم حزب انتهازي، لا حزب ثوري، وكان ذلك أمرًا خطرا جدا. وقد شهر لينين بالمصفين دون كلل بوصفهم أعداء الحزب وبيَّن ضرورة النضال ضدهم بلا هوادة. وقد كتب يقول: " القضية قضية وجود أو عدم وجود حزبنا القديم السري".

وظهرت الذبذبات الخطرة كذلك من قبل بعض ضعاف النفوس من البلاشفة. فقد كان هؤلاء يتسترون بعبارات تقول بضرورة العمل الثوري محاولين بذلك اعاقة الحزب عن العمل في منظمات العمال العلنية واقترحوا سحب الفرقة الاشتراكية- الديمقراطية من مجلس دوما الدولة (البرلمان). وظهر الانسحابيون، وهو الأسم الذي أطلق على هؤلاء، أقلية في صفوف البلاشفة. وقد بين لينين ان التخلي عن العمل العلني يؤدي الى انفصال الحزب عن الجماهير، ويجعل الحزب عاجزا عن جمع القوى لنهضة ثورية جديدة وهو امر يسير بالحزب الى الهلاك. وهنا بودي ان أقول بأنه الآن في اسرائيل كل دعوة للانسحاب من أي عمل نضالي طبقي ثوري علني بما في ذلك البرلمان في اسرائيل الكنيست هو عمل يؤدي الى انفصال الحزب عن الجماهير، ويضعف دور الحزب في جمع الجماهير الشعبية الواسعة في النضال ضد الصهيونية والعنصرية، ضد الاحتلال والاستيطان.



وبين لينين بأن المصفين والانسحابين صغار برجوازيين من رفاق طريق البروليتاريا، وأن هؤلاء وأولئك (المصفين والانسحابين) لا يؤمنون بالثورة وبانتصار الطبقة العاملة. وكان لينين يعنقد انه ينبغي لحزب البروليتاريا ان يتطهر من هؤلاء الانتهازيين.

في نهاية سنة 1908 نقل اصدار جريدة "بروليتاري" الى باريس التي كانت آنئذ مركز المهاجرين الروس.

ونظرا لذلك انتقل لينين وكروبسكايا الى باريس. وتطلب الأمر اعداد العدة من جديد لإصدار الجريدة. وبصعوبة كبيرة أمكن ايجاد المبنى اللازم للمطبعة. وفي هذا المبنى كان لينين يعمل صباحا في الجريدة ويلتقي بالرفاق القادمين. وفي سنوات الرجعية القاسية احتفظ لينين بتفاؤله، وكان بذلك محقا فبعد سنوات من أعنف أنواع الرجعية قسوة بدأ المد الثوري الجديد في روسيا. وفي عام 1910 اندلعت الاضرابات في كثير من مصانع وفابريقات بطرسبورغ وموسكو. وتجددت المظاهرات والاجتماعات وغير ذلك من أوجه النشاط السياسي للعمال.

ولم تتمكن أعمال الملاحقة والتعقب من ايقاف الحركة المتنامية. وفي تلك السنوات بدا سيل جبار من التحاق ممثلي الطبقة العاملة بالحزب.

وكان لينين وأقرب رفاقه يدركون ان كثيرين من هؤلاء بحاجة الى المعارف ومهارات العمل الحزبي فأنشأ المدرسة الحزبية عام 1911.

كانت على مقربة من باريس وكان البلاشفة المحاضرون فب هذه المدرسة يشرحون للمنتسبين المفاهيم الاساسية للاقتصاد السياسي والفلسفة ويطلعونهم على نظرية الاشتراكية العلمية. وكانت الدروس على هيئة مناقشات حية يشارك فيها جميع الحاضرين. عملوا كثيرا بجهد متواتر.

وبعد ان أنهى المنتسبون دراستهم بالمدرسة عادوا الى روسيا لمواصلة العمل الحزبي العملي.

كان لينين يربط نشاط الحزب العملي أوثق الربط بالنضال في سبيل الصفاء الفكري لأسس النظرية، وفي سبيل الاخلاص لتعاليم ماركس.

وقد ناضل لينين بحمية وسخط ضد المحاولات التي جرت لاعادة النظر في الماركسية وأسسها الفلسفية.

ان انتشار النظرات التحريفية في قضايا الفلسفة كان خطرا كبيرا يهدد الحزب والطبقة العاملة. إذ ان انتشار هذه النظرات يفضي الى التسليم بالنظام الرجعي القائم في روسيا القيصرية والى التخلي عن النضال الثوري. وكان لا بد من الوقوف بحزم في وجه المحرفين وقام لينين بهذه المهمة العسيرة.

وقد كان يواجه على الدوام انتباها كبيرا لنشر فلسفة الماركسية وتطويرها. وفي سنوات الرجعية عندما أصبح الدفاع عن الفلسفة الماركسية أمرًا لا مندوحة عنه، كتب لينين مؤلفه "المادية ومذهب النقد التجريبي".

وقد شهَّر في هذا المؤلف بأعداء الفلسفة الماركسية، وبين الصلة الوثقى القائمة بين الفلسفة والسياسة.

كتب لينين "المادية والذهب النقدي التجريبي" في مرحلة من تاريخ روسيا كانت فيه الاوتوقراطية القيصرية قد فرضت في البلاد الارهاب البوليسي القاسي بعد ان قُمعت ثورة 1905 – 1907، وكانت الرجعية تسود وتبطش في جميع ميادين الحياة الاجتماعية.

وبذلت القوى المعادية للثورة كل ما في وسعها لكي تفتري على الطبقة العاملة وحزبها وتقوض الأسس النظرية للماركسية. وفي هذه الأحوال، غدا الدفاع عن الفلسفة الماركسية مهمة عاجلة وفائقة الشأن.

إن الرجعية التي كانت تعبث فسادا في روسيا، لم تكن ظاهرة "روسية خالصة". فان البرجوازية في جميع البلدان قد انعطفت بحدة في عهد الامبريالية، كما كتب لينين، من الديمقراطية الى الرجعية على طول الخط" – في الاقتصاد والسياسة والفلسفة. وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين انتشر في اوروبا ما يسمى بفلسفة "التجربة النقدية" – المذهب النقدي التجريبي (الانتقادية التجريبية) أو الماخية. وقد نشأ هذا المذهب بوصفه نوعا من أنواع الوضعية، وإدعى بدور الفلسفة "العلمية الوحيدة" التي ذللت ما في المادية والمثالية على السواء من نقاط وحيدة الجانب، مع ان الجوهر الرجعي المثالي الذاتي، كان يتستر بالفعل وراء هذا الستار.

ثم ان عددا من الاشتراكيين- الديمقراطيين الذين كانوا يعتبرون انفسهم من "تلامذة ماركس"، رأوا في الماخية "كلمة العلم الأخيرة" المدعوة الى "الحلول محل" الفلسفة الماركسية المادية الدايليكتيكية. لذلك واجه الماركسيون المنسجمون مهمة بالغة الشأن قوامها تبيان كنه الماخية الرجعي والدفاع عن الماركسية، وتوضيح المسائل الأساسية في المادية الدياليكتيكية، وتفسير الاكتشافات الجديدة في العلوم الطبيعية تفسيرا ماديا دياليكتيكيا، وهذه المهمة أداها لينين في كتابه "المادية والمذهب النقدي التجريبي".

خلافا لعهد ماركس وانجلس، حيث كانت ترد في المقام الأول مهمة تطوير المفهوم المادي عن التاريخ والدياليكتيك المادي والدفاع عنهما، ارتدى الدفاع عن المادية الفلسفية الماركسية وعن النظرية المادية الدياليكتيكية للمعرفة وتطويرهما على تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين الأهمية الحاسمة في النضال ضد المثالية الفلسفية.

فقد حاول الفلاسفة الرجعيون أن يثبتوا نظريا استحالة معرفة الواقع الموضوعي. وزعموا أن مفهوم المادة قد "شاخ"، وحصروا مهمة العلم في "تحليل الاحساسات"، وما الى ذلك. وحاول الماخيون أن يدعموا هذه الفلسفة المثالية المعادية للعلم بالاكتشافات الحديثة في العلوم الطبيعية، وان يصوروها بصورة كلمة العلم الأخيرة. وقد برهن لينين في هذا الكتاب بطلان هذه المحاولات التي كانت تعني أساسا بعث نظرات بركلي وهيوم المثالية الذاتية.

وفي غمرة النضال ضد الفلسفة الرجعية، في تلك المرحلة التاريخية الرجعية التي سادت فيها الأوتوقراطية الروسية، ذاد لينين عن المادية الفلسفية الماركسية، وتطويرها لموضوعاتها الأساسية، أعطى تعريفا عن المادة هو تعميم لكل تاريخ نضال المادية ضد المثالية والميتافيزياء وللاكتشافات الجديدة في العلوم الطبيعية. وقد كتب يقول: " إن المادة مقولة فلسفية للاشارة الى الواقع الموضوعي الذي يُعطى للانسان في احساساته، والذي تستنسخه، تصوره، تعكسه احساساتنا، وهو موجود بصورة مستقلة عنا" (لينين – كتاب المادية والمذهب النقدي التجريبي – ص145).

ويبحث لينين المادة على صلة وثيقة لا انفصام لعراها مع الحركة ويؤكد ان الواقع الموضوعي هو بالذات المادة المتحركة.