عن الدوران في الدائرة (2)

خليل قانصوه
2020 / 5 / 23

لا شك في أنه يمكن أن نستخرج من ملهاة توصيف السلطة ، ذات الفصول المتعددة ، ما يكفي من اعراض لتشخيص العلة التي تعاني منها الدولة العربية المصادرة أو المرتهنة من قبل سلطة جعلتها أداة طيعة بيدها . من الطبيعي إذن أن يبدأ البحث عن العلاج و عن توفير الظروف الملائمة ، مجتمعيا و ماديا ، لعل الشفاء يتحقق ،فينطلق المشروع الوطني من جديد ليس بحسب ما رسمه المستعمر بعد الحرب العالمية الأولى ، و إنما اعتمادا على المعارف و العلوم المكتسبة في حقول السياسة والاجتماع من خلال التجربة محليا وإقليميا وعالميا.
وهنا تجدر الملاحظة إلى ان متغيرات كبيرة طرأت على المجتمع نتيجة العلاقة بالمجتمعات الأخرى توازيا مع التقدم في وسائل الاتصال ، حيث يشكل إهمال هذا المعطى من و جهة نظري عاملا أساس في تشنجات السلطة الكلِبة على الحكم بالرغم من عدم اقتدارها على تغيير ذاتها . الأمر الذي يعود إليه على الأرجح جزئيا على الأقل ، التعارض المتفاقم بينها من جهة و بين المجتمع الوطني من جهة ثانية . بتعبير آخر إن المأزق الذي وقعت فيه الدول أو شبه الدول في لبنان و سورية والعراق و الأردن و فلسطين ، و هي دول "القومية العربية " بحسب ما هو متعارف عليه ، هو في لبه انعكاس لتعايش متباغضين هما السلطة الحاكمة و الناس . و أغلب الظن أن ما يشحن النفوس بهذه البغضاء هي تفاهة الحاكم الذي وصل إلى السلطة في ظروف غير عادية و بطرق ملتوية ، فصار بعض الناس طوعا أو كرها ، أنصارا و مؤيدين و مقترعين له في الانتخابات التي تجري في كل مرة على أساس قانون مختلف عن السابق يضمن للحاكم إعادة انتخابه . أي أن هذا الأخير يصل إلى السلطة أولا ثم يتدبر أمر انتخابه ثانيا . هذا من ناحية أما من ناحية أخرى فأن بعض هؤلاء الناس أيضا مقتنعون بان الحكام لا يمتلكون في الحقيقة ، مؤهلات تميزهم عن غيرهم و بالتالي فأن سلطتهم هي غبر شرعية أصلا ، لان مستوى الأداء هو في متناول أي كان !
و لكن كيف يصل أشخاص غير صالحين إلى واجهة المشهد في هذه البلاد ؟ لا أعتقد أن هذه المسألة تتطلب بسطا و توسيعا لكون المسارات التي يتبعها الحكام متشابهة ومعروفة . ولكن إذا كانت شروط نشأة السلطة التي عفا عنها الزمن لا تزال قائمة ، فلأن توفر هذه الشروط يعكس بحد ذاته طاقة تخزين لا بأس بها من الأشخاص الانتهازيين و الوصوليين الذين يشكلون مادة بشرية مرغوبة من الدول ذات الأطماع الاستعمارية أو الميول الإمبريالية !
مجمل القول و قصاراه أننا حيال سلطة هي نواة الأزمة ، ناهيك من كونها ذاتيا غير قادرة على التغيير، أي بتعبير آخر هي مثل العشب الضار المنتشر في التربة التي لا سبيل إلى استصلاحها و الانتفاع منها إلا باقتلاعه و تحرير الأرض منه .
ينجم عنه أن السؤال الملح بما هو شرط أساس من أجل العيش المشترك في فضاء الدول المشار إليها يتعلق بمسألة السلطة . و لا حرج في القول في هذا السياق أن التجارب المتراكمة على مدى قرن من الزمن تقريبا تفيد بأن جردة حساب بأعمال السلطات التي حكمت على التوالي هذه البلاد تظهر أنها سلبية بوجه عام .
من البديهي أن هذا الموضع لا يتسع لتفاصيل بنود هذه الجردة ، و لكن كثرتها تسمح لكل شخص معني ، التفكر في أمرها و استخلاص النتائج التي لا أعتقد أنها تثير خلافات جوهرية حولها ،إ ذا استثنينا طبعا الذين استطاعت السلطة استعبادهم و لكن هذه مسألة أخرى . مهما يكن فإن أسقاط هذه السلطة الآن ، بالرغم من أنه تأخر كثيرا ، هو أفضل لأنه يترك فرصة للتوافق على العيش المشترك في أطار وطني ، من انتظار سقوط السلطة الذي يبدو انه وشيك و لكنه سيتلازم على الأرجح مع أخطار وجودية جسيمة ( يتبع )