ستالين رمز العصر

ليلى فؤاد نصار
2020 / 5 / 23

شخصية ستالين غير قابلة للتعريف بالكلمات، فإننا مهما قلنا عنه لين يكون كافياً أبداً.
وقد تم الاعتراف بكونه هو والاتحاد السوفييتي من ظواهر القرن العشرين.
واصفة التي يعرفه بها حتى ألدّ أعدائه هي رجل الدولة وقائد الجيش وصاحب الاستراتيجية العبقري.
كما أنه في نظر الشعب الروسي أب وحامٍ لشعوب روسيا، وفي الحقيقة فإنه هو، الجورجي وخريج مدرسة الخوارنة كان يحب روسيا والشعب الروسي حباً شديدا ومميزاً وقد وظف في سبيل خيرهم كل ما لديه من قلب وطاقة ولم يرحم نفسه. لذا فقد ألّهه الشعب الروسي ولا يزال يحبه ويكرمه إلى يومنا هذا. حيث يتدفق مئات الآلاف من البشر في الأعمار المتفاوتة وذوي المعتقدات السياسية المختلفة إلى قبره في يوم ميلاده وذكرى رحيله.
وقد أثبتت الاستفتاءات الاجتماعية الأخيرة في روسيا بأن 70% من الشعب الروسي يريد أن يعيش في ظل الاشتراكية.
وقد منح ستالين البشرية جمعاء الأمل في أن هناك حياة أكثر عدالة وكرامة للإنسان العادي.

ملايين من الناس في أرجاء العالم لم يصدقوا شيطنة ستالين والاتحاد السوفييتي. حيث يستحيل القضاء على أحلام الناس في نظام اجتماعي أكثر عدالة وكرامة، وإن لم يكن للجيل الحالي فللأجيال القادمة على الأقل. ذلك أن الناس بدون الأحلام لا يعودون إحياء إنما مجرد موجودين. خاصة وأنها لم تكن أحلاماً طوباوية إنما حقائق قائمة في واقع الأمر. فقد أقام ستالين أول دولة اشتراكية في العالم، وذلك في ظروف بالغة الصعوبة ولمدة قصيرة جداً. وقد ظلت هذه الدولة على قيد الحياة طيلة 30 عاماً في ظل حرب متواصلة مع الامبريالية العالمية ولم يخسر ستالين معركة واحدة من المعارك. وكان ستالين منتصراً ليس في مواجهة العدوان الخارجي والداخلي المنظم من الخارج فحسب، بل في شتى مجالات الحياة. وقد انتصر الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية على أقوى الدول في أوروبا في تلك الفترة وأنقذ من الفاشية ليس روسيا فقد إنما أوروبا والعالم.
هذا ما عجز عن تحمله أصحاب فكر العولمة وعملاؤهم الليبراليون الجدد في روسيا وفي العالم. ولذا بالذات فإننا لا يمكننا إلا أن نتساءل بعض الأسئلة الجوهرية المترابطة فيما بينها، وهي:
- مَن ولماذا أسقط ستالين من منصة الإجلال وقام بتشويه سمعته بهذه الطريقة البشعة؟
- وكيف وصلت الأمور إلى سقوط الاتحاد السوفييتي العظيم دون مقاومة وكأنه خلال أيام معدودة؟
- وكيف تم قهر الجيش الأحمر الجبار الذي كان قد أنقذ البشرية من الفاشية؟
- وكيف تفتت بعد ذلك المعسكر الاشتراكي الجبار كله تفتتاً كاد تلقائياً؟
- وكيف تم تدمير الأحزاب الشيوعية والحركات اليسارية التقدمية في العالم والمجيء بها إلى ما هي عليها اليوم؟
- هل حقاً أن الاشتراكية فشلت كما أصمّنا تكرار ذلك على ألسنة بعض الساسة الجدد من "الفلاسفة" والاقتصاديين والصحافيين؟
- لماذا إذاً تطورت الاشتراكية في الصين وجعلتها ثاني أكير قوة اقتصادية في العالم، وقادرة على منافسة الولايات المتحدة والتي تهددها بأن تتخطاها في السنوات القريبة القادمة؟
- وأخيراً هل حقاً حدث كل ذلك بهذه السرعة مثلما يبدو لنا، ولم يكن عملية ممنهجة على مدى عقود من الزمن وحتى قرون؟

صدر في السنوات الأخيرة عدد كبير من الدراسات الروسية وبعضها الأجنبية كذلك في هذه المسائل، وهي دلت على أنه على امتداد القرون ظلت مراكز المخابرات الغربية – البريطانية والفرنسية أساساً، ثم الأمريكية في القرن الأخير – تعمل بنشاط على تصفية الإمبراطورية الروسية ومن ثم القضاء على الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي. وهذا المقال ناتج عن دراسة عدد من الوثائق والكتب وكذلك متابعة النقاشات الجارية حالياً حول هذه المواضيع في التلفزيون والصحافة الروسيين. فقد اعتمدت ليس فقد على المعطيات إنما على مقتطفات كاملة من هذه الدراسات في بعض الأحيان.

ما هي الحقيقة حول ستالين؟
كان ستالين رجل الثورة الروسي الوحيد في المستوى الرفيع الذي لم يقم خارج روسيا قبل ثورة أكتوبر ولم يحصل على تكويل أجنبي.
وقد ترأس الحزب البلشفي والاتحاد السوفييتي منذ 1924 م وحتى 1953 وذلك بتكليف لينين شخصياً الذي تردت صحته إثر محاولة اغتياله.
وعندما رحل ستالين عن هذه الدنيا، بكى عليه الشعب الروسي بأسره وجميع الناس التقدميين في العالم، وتم تكريمه ومنحه أعلى تقييم حتى من ألدّ أعدائه. وبعد ذلك بثلاث سنوات، تم في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي إلقاء تقرير أعده (خروشوف)، ورد فيه اتهام ستالين بشتى الجرائم المرتكبة على امتداد قرابة العشرين سنة من إدارته للبلاد، كما أنه وجه إليه الاتهام بما كان قد نشأ من عبادة شخصه. وقد تم إلقاء هذا التقرير على المؤتمرين الروس دون غيرهم، ولم يعرف عنه لا الضيوف الأجنب ولا ممثلو الصحافة.
وقد تم إسقاط ستالين من منصة إجلاله بصفته قائداً ورجل دولة وجيش عظيماً وتم التوجيه إليه لتهمة التصفية والمآسي الخاصة بملايين من الروس طوال فترة حكمه.
لو كان ستالين حقا مجرماً من هذا القبيل، لماذا لم يعلنوا عن ذلك فور وفاته إنما انتظروا طيلة ثلاث سنوات ولماذا تم إلقاء هذا التقرير على المؤتمرين الروس فقط؟
لو كان مجرماً، لماذا لم تتم محاكمته رسمياً وإلى يومنا هذا؟ ففي معظم الكتب التي تم تأليفها والحوار الجاري حول هذا الموضوع يعمل علماء التاريخ والسياسة على الكشف عن بطلان الاتهامات الموجهة إلى ستالين وكذلك دوافع أصحاب الاتهامات إليه.
إذا أردنا أن نكون موضوعيين بحق ستالين، علينا النظر في ما كانت عليه روسيا لما تولى ستالين حكمها وكذلك حالتها التي تركها فيها.
كانت روسيا، بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الإمبراطورية الروسية وثورة أكتوبر عبارة عن أراضٍ شاسعة ذات الزراعة والتطور الاجتماعي البدائيين. حيث كانت قد خرجت مؤخراً من النظام العبودي ومن المعروف أن الجيل أول الذي يخرج من العبودية هو جيل عبيد أيضاً من حيث العقلية والمعرفة. وقد ورثت الدولة الحديثة من الإمبراطورية الروسية القوميات العديدة المختلفة اللغات والديانات والتقاليد والمصالح، الأمر الذي جعل شملها وإدارتها أمراً بالغ الصعوبة في تلك الظروف وحتى في ظروف اليوم.
وقد أسفرت الحرب الأهلية الممولة من المراكز الغربية والتي أدت إلى اقتتال إخوة، عن تردي الأوضاع إلى أبعد الحدود، واستغرقت 8 سنوات حيث أكملت تدمير البلاد وكلفت مئات الآلاف من الضحايا من الطرفين. وساد الفوضى والمجاعة في روسيا وسيطرت شبكة من عصابات قطاع الطرق على المدن الكبرى، واندلعت تمردات الفلاحين والعمال إثر غياب الأمن وتفشي المجاعة. وما فرضه الغرب من "حصار ذهبي" (نص على أن الاستيراد إلى البلاد لا يجوز تسديد ثمنه إلا بالحبوب، زاد من تردي الأوضاع إلى أبعد الحدود وكان السبب الأساسي في المجاعة الضخمة في أوكرانيا. وإلى جانب كل ذلك طان على ستالين والحكومة البلشفية التصدي لمحاولات الانقلاب المتواصلة وتمردات السكان التي نظمتها المعارضة المعادية للسوفييت والممولة من المراكز الغربية.
في ظل هذه الظروف تولى ستالين الحكم في البلاد ومرت السنوات العشرة الأولى من حكمه.
فلنر الآن ما الذي أنجزه ستالين حتى الحرب العالمية الثانية في ظل كل هذه الظروف التي عرضناها.
تمت في الاتحاد السوفييتي عملية تحويل الزراعة إلى العمل الجماعي وعملية تصنيع البلاد وقد تحول الاتحاد السوفييتي من بلد زراعي متخلف إلى دولة صناعية، حيث تطورت الصناعة الثقيلة في المكان الأول، وهي التي أتت بدافع لتطوير الصناعات الخفيفة التي غطت البلاد كلها تدريجياً. وقد أقيمت في روسيا أفضل مصانع التعدين في ذلك العصر إلى جانب مصانع الصناعات الدفاعية. وأصبح الاقتصاد مخططاً ومراعياً للحاجات الماسة للبلاد والسكان. وتحول العمل إلى الأسس الجماعية وبدأ دفع العلاوات لقاء العمل الجيد. وتم اتباع نظام الانخفاض المستمر لنفقات الإنتاج مما أدى بدوره إلى الانخفاض المستمر لأسعار البضائع.
واشتهرت في العالم كله خطة ستالين لتحويل وجه الطبيعة، حيث تم بناء مزارع تجريبية على ملايين الهيكتارات من أراضي الصحراء لاستحداث مساحات الغابات وزراعة الحبوب ومختلف الخضروات والفواكه. وتنامى إنتاج هذه المزارع في الستينات إلى الدرجة أنه كاد يغطي احتياجات البلاد. وقد تحقق كل ذلك بفضل إقامة نظام الري الممتاز الذي اعترفت به عصبة الأمم سنة 1928 م أفضل أنظمة الري في أوروبا.
وإلى جانب كل ذلك تنامى اقتصاد الاتحاد السوفييتي بوتائر فاقت بأضعاف وتائر نمو الدول الرأسمالية في الغرب.
كما أنه من الأهمية البالغة أن ستالين نجح في تربية الإنسان الاشتراكي الجديد حيث اكتسب العمال والمزارعون الجماعيون أبناء الفلاحين الأقنان موقفاً جديداً من العمل والجماعة والمعرفة والوطن والإحساس بالحب والمسؤولية أمام الوطن والشعب الروسي وكذلك أمام القائد العام للجيش ستالين، وهذا ما لعب دوراً ملحوظاً في سبيل انتصار الاتحاد السوفييتي على ألمانيا النازية في الحرب.
ومن أجل إيقاف هذا التطور العارم والمتقدم وتحقيق حلم القرون لإخضاع روسيا قام الرأسمال الغربي بالتمويل والتنظيم لهجوم ألمانيا الهيتلرية على الاتحاد السوفييتي. فقد استنفرت روسيا. وأما الكلمة التي ألقاها ستالين منادياً الشعب الروسي للدفاع عن الوطن فتعتبر من الروائع المعترف فيها من الجميع. وقد انتصرت روسيا، التي لم ينظروا لها قبل 20 سنة فقدن بصفتها بلد المحراث والجهل، على ألمانيا وهي أكثر دولة رأسمالية تطوراً في أوروبا وصاحبة أحسن الجيوش تسلحاً في القارة الأوروبية. وفضل هذا الانتصار يعود إلى بطولة الشعب الروسي وكذلك إلى قيادة الدولة والجيش.
ستالين منتصر. إنه قائد عسكري ورجل دولة عبقري، قام بتطوير قطاعات الاقتصاد جميعها. وقد اعترف بذلك كل من تشرشل، وعدد من كبار الممثلين الدبلوماسيين والعسكريين الأمريكان الرفيعي المستوى، وحتى هيتلر الذي وصفه في تصريح من تصريحاته بالعبقري. ولن أقتبس هنا كلمات التقدير التي استخدمها عنه الشعب الروسي، فمن المعروف جيداً أن آلاف الجنود قاتلوا وماتوا في الجبهات ناطقين باسمه: - في سبيل الوطن! في سبيل ستالين!
قام ستالين بإنقاذ روسيا مرتين من النهب والإخضاع والتحول إلى مستعمرة للدول الرأسمالية الغنية، حيث كانت المرة الأولى بعد تدمير الإمبراطورية الروسية بعد الحرب العالمية الأولى والمرة الثانية من خلال الانتصار على ألمانيا النازية. بل أنه في المرة الثانية لم ينقذ روسيا فحسب إنما كذلك أوربا والعالم. وهذا ما لا يمكن أن يسامحه إياه ما تسمى بـ"القوى العظمى".
ففي الفترة الوجيزة ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية وتاريخ وفاته (حوالي 9 سنوات) لم ينجح في إعادة تعمير البلاد فحسب بل وفي جعل الاتحاد السوفييتي دولة تأخذها في الحسبان جميع الدول الرأسمالية الكبيرة.
سأعود إلى الوراء في الزمان كي أوضح الصدامات السياسية داخل الحزب البلشفي التي أدت إلى تصعيب الوضع داخل البلاد وكلفت تهدئته المزيد من الجهود والوقت والنفقات. وهي مرتبطة باسم تروتسكي، رجل الثورة المخضرم المقيم في الخارج أساساً. فمن هو تروتسكي أصلاً؟
عاد تروتسكي إلى روسيا عشية ثورة أكتوبر حاملاً معه من هناك مبلغاً كبيراً من المال تم اعتقاله في كندا بسببه، وتم إطلاق سراحه بسرعة إثر طلب من الحكومة الموقتة ومن بريطانيا التي مولته. وفور وصوله إلى روسيا أصبح تروتسكي عضواً في الحزب البلشفي ومن الأرجح أن يكون قد سام بتسليم المال إليه. ولعلها المرة الأولى لماركة الولايات المتحدة في تمويله. وبما أن تروتسكي كان شهيراً كثائر مخضرم ومنظم موهوب فقد دخل بسرعة إلى إدارة الحزب والبلاد. وقد أصيب الغرب وتروتسكي بدح ذاته بخيبة أمل شديدة لما اتضح أن الحكومة البلشفية ليست حكومة عميلة مثلما توقعوها أن تكون. وكان أعضاء هذه الحكومة براغماتيين وأصحاب خبرة حول صنع الثورات وكذلك حول أسباب تمويلهم من الخارج، فما كانوا يميلون إلى أن يصدقوا النوايا الحسنة.
وقد انطلقت الصدامات الإيديولوجية داخل حزب البلاشفة فور ثورة أكتوبر وتفاقمت بعد وفات لينين في معركة مباشرة من أجل استلام السلطة. وكان موضوع الخلاف أساسياً جوهرياً إذ اعتمد عليه اختيار طريق تطور روسيا.
هل يمكن بناء الاشتراكية في بلد واحد منفرد وبالتحديد في روسيا، أم أنه يجب انتظار قيام الثورة العالمية، حيث تكون روسيا مجرد شعلة لإشعالها.
كان ستالين وحده يتمسك بالطرح الأول، بينما كان طرح الثورة العالمية يعود إلى الغرب الي كان من خلاله يريد السيطرة على العالم. وكان ذلك عملياً أول مشروع كوني للغرب الرأسمالي ومن أجل تنفيذ قام بتمويل الثوار الروس أو بأدق القول كل من كان يناضل في سبيل القضاء على الإمبراطورية الروسية. وكان هدفه الأول إخضاع روسيا، بينما كان الهدف الاستراتيجي إخضاع العالم.
وكان تروتسكي المنظر والمحرك الأساسي لهذا المشروع الكوني، إلا أن ستالين والبلاشفة اختاروا طريق تطور روسيا لصالح الشعب الروسي. وجاء الصدام قاسياً. حيث ابتدأ بمحاولة اغتيال لينين ومحاولتين لاغتيال ستالين ومحاولات اغتيال بعض القادة البلاشفة الآخرين. وبادرت المراكز الغربية وقامت بتمويل الحرب الأهلية لاقتتال الأشقاء، والتي استغرقت 8 سنوات واستشهد فيها مئات الآلاف من الروس. وفرضوا الحصار الذهبي التي تسبب في المجاعة البشعة في أوكرانيا وغيرها من أنحاء البلاد. وقد وصل بهم الأمر إلى حيث سنة 1927 قام السفير البريطاني في موسكو شخصياً بتنظيم انقلاب على الحكومة البلشفية، غير أنه تم الكشف عنه فقطع الاتحاد السوفييتي علاقاته الدبلوماسية مع بريطانيا. ثم كلفت المراكز الغربية تروتسكي بمهمة تنظيم انقلاب من أجل إسقاط الحكومة البلشفية. وكان تروتسكي ممثلاً عن أوساط المصارف العالمية ما وراء الكواليس، وكان يجيد التآمر والتنظيم. فقد أقام شبكة من الحلقات المعادية للحكومة في أرجاء البلاد. وتمكن من التغلغل حتى إلى جزء من الجيش رغم تنحيته من كافة المناصب التي كان قد شغلها، ثم نفيه فإبعاده من روسيا. وقد استطاع تروتسكي عام 1932 توحيد عموم المعارضة المعادية للاتحاد السوفييتي – يساراً ويميناً – تحت قيادته، حيث كانت الحلقات التروتسكية حتى ذلك الحين متبعثرة في عموم روسيا وانتهزت سخط الناس على غياب الأمان والمجاعة كي تنظم الاستفزازات والتمردات على الحكومة. وقد أحست هذه الحلقات بقوتها الكبيرة بعد التوحيد فوجهت الضربات للمركز حيث نفذت محاولات اغتيال بعض القادة الحزبيين المهمين. ففي 1934 في لينينغراد تم اغتيال كيروف، السكرتير الأول للمدينة، والذي كان من أقرب مساعدي ستالين والذي، في رأي بعض المؤرخين كان يعمل على إعداد كيروف ليكون خلفه. فأقبل ستالين على الإجراءات الفعالة بحق التروتسكيين، لكن ذلك لم يوقفهم فقد كانوا أقوياء وهجوميين إلى حد كبير. وكان الأول من أيار 1937 م الموعد الذي كانوا قد حددوه للقيام بانقلاب على الحكومة وتغيير نموذج تطور روسيا. وكانت خطتهم تتضمن اعتقال ستالين على يد الجنرال توخاتشيفسكي والوحدة التابعة له وذلك أثناء الاستعراض العسكري بمناسبة الأول من أيار. حيث كان الجنرال توخاتشيفسكي قد أحس بعدم تقديره الكافي من جانب ستالين مما مثل دافعاً لاجتذابه من جانب الخصم. غير أنه تم إنذار ستالين بخصوص استعدادات الانقلاب فقد تم اعتقال الجنرال مع باقي المتآمرين مسبقاً. وفي أقواله التي كتبها بخط يده كشف الجنرال توخاتشيفسكي تفاصيل خطة الانقلاب بل قام بتحليل محترف عميق لحالة الجيش الآنية، حيث أنه وحده كان قادراً على تحليل من هذا القبيل من موقع منصبه الذي كان يشغله، وبفضل معرفته التي كان يحظى بها. الآمر الذي يزيح أي شك في أنه كتب أقواله بإملاء أو تحت ضغط من المحقق. وينطبق الشيء ذاته على بقية العسكريين المعتقلين كذلك.
وفي رأي بعض المؤرخين العسكريين كان الانقلاب منظماً بشكل جيد إلى الدرجة أنه كان هناك احتمال لا بأس به أن يكون ناجحاً. وقد فشل بسبب بعض الأعمال المستعجلة لمنظميه واستعجالهم باستلام السلطة في أقرب وقت ممكن.
ويمك الحصول على معلومات عن نشاط التروتسكيين المعادي للاتحاد السوفييتي ومحاولاتهم الانقلابية إلى سنة 1937 كذلك في:
- أقوال الجنرال آلكساندر أورلوف من المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية الذي فر إلى الولايات المتحدة في ثلاثينات القرن الماضي؛
- بعض الوثائق بتأليف من تروتسكي والتي كشف الأمريكان عن سريتها في ثمانينات القرن الماضي؛
- أوراق المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية التي تم الكشف عن سريتها في روسيا في تسعينات القرن الماضي.

وخاض ستالين طول هذه الفترة معركة أخرى لا تقل قساوة، هي المعركة ضد كوادره المتشبثين بالمناصب القياية المحليين، وهم أساساً ولاة مختلف الأقاليم والجمهوريات والمناطق في الاتحاد السوفييتي ومعظمهم من القادة في أيام ثورة أكتوبر والحرب الأهلية أو أخلافهم. وهؤلاء كالعادة من ذوي التحصيل العلمي المتواضع ومتعودون على أن يعاقبوا عدم الخضوع لأوامرهم بقتل المتمرد. ومنهم كوادر "لجنة الطوارئ" المحليون. وكان ستالين يدرك جيداً أنه من أجل تطور روسيا لا بد من إشاعة الديمقراطية فيها وإحلال كوادر جدد متعلمين ومنتخبين محل هؤلاء، وهذا ما حاول تطبيقه عدة مرات. فقد عرض ستالين مع ماليكوف على المكتب السياسي سنة 1936 مشروع دستور جديد. وكان أكثر الدساتير ديمقراطية في العالم في تلك الفترة، حيث منح حق الاقتراع جميع الرعايا السوفييت بغض النظر عن الجنس والانتماء العرقي أو القومي أو الديني، كذلك بغض النظر عن التوجه السياسي. وكان ذلك المشروع للدستور يتضمن نقطة بالغة الأهمية، ألا وهي مبدأ انتخاب جميع المواقع القيادية في الحزب والإدارة. بذلك أراد ستالين التخلص من الكوادر المتشبثة بمناصبهم الذين قد أدوا دورهم الأولي ومن ثم تحولوا إلى عاقبة في وجه تطور البلاد. أما الكوادر المتشبثين بالمناصب فقد أقبلوا رداً على ذلك على معركة الحياة أو الموت من أجل بقائهم. وكانوا لا يزالون أقوياء فنجحوا في رفض هذه النقطة وإبقاء الوضع القائم. فالكوادر المحليون المتشبثون بمناصبهم، كي أثبتوا بالحاجة إلى بقائهم في المناصب القيادية التي يحتلونها، ظلوا يؤكدون أن الصراع الطبقي خارج العاصمة لم ينته بعد، فأصروا على الصلاحيات الاستثنائية وأصبحوا يُغرقون المركز برسائل تفيد باستعدادات لانقلابات هنا وهناك، وبـ"لوائح الموت". وبالضبط هذه الكوادر المتشبثون بالمناصب القيادية يعود إليهم الذنب الأساسي لموجة الإرهاب الأساسية المتفشية أيام ستالين. حيث أن إجراءات الحصول على الموافقة على الاعتقال أو التصفية الجسدية لآلاف من البشر لم تكن معقدة. بل كان يتم إرسال رسالة إلى قسم من أقسام المكتب السياسي في موسكو والمكلف بمتابعة النشاط المعادي للحكومة، تتضمن المعلومات عن كشف رجال لجنة الطوارئ المحليين لمؤامرة خطيرة ضد الحكومة وطلب الموافقة على السيطرة على الوضع. وكان يتم إرفاق "قوائم سوداء" إلى هذه الرسائل. والأرجح أن أحداً لم يتجرأ للرد بالرفض على هذه الرسائل، ذلك أن الوضع في البلاد كان قابلاً للانفجار ففي كل لحظة كان من المرجح جداً أن تكون هذه المعلومات صحيحة. وتمت عمليو التصفية الكبرى بهذه الطريقة في سيبيريا وفي أوكرانيا. لما تول (خروتشوف) منصب السكرتير الأول في أوكرانيا سنة 1932 م، أرسل إلى موسكو "قائمة سوداء" تضمنت 20 ألف شخص.
وقد خاض ستالين صراعاً قاسياً على عدة جبهات في تلك الفترة، فلم يكن في مقدوره ضبط الفراعنة المحليين في كل لحظة. ولك يتمكن من التسيير الكامل للحزب إلا بعد قهر التروتسكيين نهائياً ومحاكمة المذنبين الأساسيين عن عمليات القمع الرئيسيين في روسيا بالاسم وكلاً على حدة، وتصفيتهم. وقد تم ذلك في النصف الأول من العام 1938 م.
ظل ستالين حتى الأيام الأخيرة من حياته يخوض النضال من أجل إشاعة الديمقراطية في روسيا، وفي اعتقاده أنه قد حان الوقت لتكون المهمة الأساسية لقيادة البلاد تأمين وضع نظرية مواصلة تطور الاشتراكية، وظل كثيراً ما يردد قوله: "بإمكاننا أن نخطئ في كل شيء إلا الخطأ في الإيديولوجيا. إذ فيها لا خطأ قابل للتصحيح. لا يمكن أن نسمح لأنفسنا تشويه الاشتراكية."
وقد أقام ستالين مراكز خاصة لتطوير الإيديولوجيا وتعليم الكوادر المتخصصة. كما أنه قام بعدة محاولات للقيام بالإصلاحات الاقتصادية ووضع الاقتصاد على أسس علمية، فواجه من جديد المقاومة العنيفة من الكوادر المتشبثة بمناصبهم القيادية.
وفي السنة الأخير من حياته بدأ ستالين يتحدث عن تخلص الحزب عن إدارة البلاد وتركيز نشاطه على القضايا الأيديولوجية وإعداد الكوادر. وبدأ يستعد لعرض مشروع من هذا القبيل على المؤتمر الحزبي القادم، لكنه لم يعش إلى انعقاده. أما نيته هذه فقد أثارت حرفياً الذعر لدى المتشبثين بمناصبهم القيادية، لأنها كانت تعني عملياً استبدال كوادر الجهاز الحزبي أي استبدالهم هم، بتكنوقراطيين.
وفي رأي بعض المؤرخين والمحللين كانت فكرة ستالين هذه وراء تقصير أيام حياته. وبغض النظر عما إذا كان ذلك صحيحاً أم لا، فمما لا جدال فيه أن عملية إخلاء الاتحاد السوفييتي من الستالينية ابتدأت عملياً منذ الساعات الأولى بعد وفاته، وكانت مخفية وسرية في البدء. لا بل أنه قبل رحيله بـ50 دقيقة كان قد تم انتخاب الحكومة الجديدة وتدوين قوائم من سيتم تجنيبه ومن سيبقى في اللعبة. وقد تمت في غضون عدة أشهر تصفية جميع المساعدين المقربين من ستالين واحداً واحداً. فقد تم اغتيال (بيريا) دون محاكمة وحتى دون اعتقال، وهو رجل دولة بارز، يعود إليه فضل البرنامج النووي للاتحاد السوفييتي. وتمت إقالة الخبراء الذين كان ستالين يعتمد عليهم لإنجاز ما كان قد تم تخطيطه والبدء في إنجاز بعضه من مشاريع التنمية الكبيرة، وتنحيتهم من الوظائف التي كانوا يشغلونها، وبعثرتهم في كل أرجاء البلاد. وأُجبر عدد منهم على توقيع أوراق تلزمهم بعدم عملهم على القضايا التي كانوا يعملون عليها حتى ذلك الحين.
واختفى أرشيف الإدارة العامة لمعسكرات المعاقبة (غولاغ) وأرشيف الدولة، كي يتعذر الكشف عن المجرمين الحقيقيين المسؤولين عن التصفيات والقمع. وبدأت تختفي، واحداً تلو الآخر، كتب معاصري ستالين، حتى أن كتاب الجنرال جوكوف الذي لم يكن على أحسن علاقة مع ستالين في السنوات الأخيرة، تم تعديله أكثر من مرة فلم يعد ممكناً العثور على أصله.
وتم القضاء على المرتكزات الأساسية في سياسة ستالين للإدارة من خلال:
-إلغاء منع عمليات الإجهاض سنة 1953 م، والتي بفضلها استعادت روسيا عدد سكانها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى سنة 1953 م.
-إلغاء سياسة ستالين لتحديد الأسعار والتي بفضلها ظلت الأسعار تنزل باستمرار فترتفع رفاهية الناس دون أن ينعكس ذلك على الاقتصاد بآثار سلبية.
-تصفية الإنتاج الحرفي مما أسفر عن فقدان ملايين من الناس لعملهم لا بل أن أضعافاً من أعداد المواطنين فقدوا خدمات الحرفيين. والفضل الخاص في ذلك يعود إلى (خروشوف) شخصياً.
- تم تعديل نظام التعليم كلياً والذي كان قد أثبت بأفضلياته على صعيد العالم، حيث أعيدت كتابة تاريخ الاتحاد السوفييتي كليا وتزويره عميقاً.
- تمت تصفية جميع المراكز والدورات والأشكال الخاصة بالتربية الوطنية للشبيبة الروسية
- تم التخلي عن نظرية التطور الاجتماعي، وأعلن أن الفكرة بحد ذاتها معادية للماركسية، وابتدأ التكرار المتواصل دون نهاية لبعض العقائد الماركسية الجامدة التي لم تعد تستجيب مع التطور الذي تم إنجازه.
تم التخلي كذلك عن خطة ستالين لإعادة بناء الاقتصاد على أسس علمية، حيث تم إغلاق الأقسام الثلاثة التي أنشئت تابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي والمتخصصة في الفلسفة والتاريخ والاقتصاد، أما الكوادر التي كانت على رأسها فقد تم إرسالهم إلى الأرياف النائية.
-كان ستالين، وهو خبير اقتصادي وصاحب استراتيجية عظيم، قد أطلق منذ العام 1952 البعيد مبادرة إنشاء منطقة معادية للدولارـ فقد انعقدت جلستان استشاريتان في موسكو ومانيلا بمشاركة 49 دولة تبنت هذه الفكرة، وهي دول من أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا. وقد عقدت أثناء هتين الجلستين عشرات من الاتفاقيات الثنائية وبعضها المتعددة الأطراف. وكان من المخطط انعقاد الجلسة التالية عام 1953 في الأرجنتين، حيث كان من المفترض انضمام دول من أمريكا اللاتينية كانت قد أعلنت ترشيحها للمشاركة. وبعد وفاة ستالين ذهب كل شيء إلى النسيان.
-كان ستالين، وهو خبير فائق في الاستراتيجية العسكرية، يدرك تمام الإدراك الخطر الضخم المحدق بروسيا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث كانت الولايات المتحدة تنوي في انتهاز إضعاف روسيا ولم يردعها إلا الحقيقة المفاجئة أن الاتحاد السوفيتي يمتلك قنبلة ذرية. وأسوة مع إعادة إعمار البلاد وتوصلها إلى مستوى ما كانت عليه قبل الحرب، أقبل ستالين على تعزيز واسع نطاق لقدرة روسيا العسكرية. وقد ابتدأ بناء كل من:
-الأسطول البحري العسكري، حيث كانت الخطط والرسوم والنماذج الأولى قد أنجزت يوم وفاة ستالين ورغم ذلك فقد تم إغلاق المشروع.
-الطريق السريع العابر للخط القطبي، حيث ابتدأ بناؤه منذ 1947، والهدف منه الربط بين مركز الاتحاد وأراضيه الشمالية، بين موسكو و(ينيسي)، بالإضافة إلى بناء قاعدة عسكرية جوية جديدة. وجرت عمليات البناء المكثفة طيلة خمس سنوات وتم إنفاق مبالغ طائلة وأعمال شاقة. وبعد وفاة ستالين تم ترك المشروع رغم أنه كان قد أنجز إلا مقطع زهيد منه. وقد انطلقت الأحاديث عن العودة إليه سنة 2003 و2013 م. وفي سنة 2018 كان ذلك أحد وعود بوتين في الحملة الانتخابية. غير أن ذلك يعني بذل مئات الملايين من الروبل بالإضافة إلى العمل البشري الشاق مجدداً.
-نفق من شأنه الربط بين جزيرة (ساخالين) والقارة وسكة حديد طولها 540 كم، وهو مشروع عسكري مهم هدفه النشر السريع للجيوش في حالة الضرورة، وقد أغلق سنة 1953 شأنه شأن كل المشاريع الأخرى، ويجري الآن الحديث عن استعادته.
-تم كذلك الترك والتدمير المقصود للمشروع الستاليني الضخم لتغيير وجه الطبيعة والذي كان يشتمل على مساحات تكاد تعادل مساحة نصف القارة الأوروبية، وهو مشروع كان قد أقيم في ثلاثينات القرن الماضي وكان يحتوي على نظام ري ممتاز ومئات المحطات التقنية للأليات والتراكتورات. وقد كان بناؤه وتنظيمه جيداً جداً بدليل أنه رغم إهماله وتركه ليشتغل من تلقاء نفسه دون التوجيهات، ظل يلبي جزءأً ملحوظاً من احتياجات الشعب الروسي حتى ستينات القرن العشرين.

فلنستخرج الاستنتاجات ختاماً:
أولاً: ما الذي قدمه ستالين إلى روسيا وإلى شعوب روسيا
أنقذ ستالين روسيا من النهب والإخضاع والتحويل إلى مستعمرة للدول الرأسمالية الغنية مرتين:
-المرة الأولى بعد تصفية الإمبراطورية الروسية في نهاية الحرب العالمية الأولى؛
-والمرة الثانية بانتصاره على ألمانيا الفاشية، وفي هذه الحالة لم ينقذ روسيا فحسب، بل وأوروبا والعالم.
قام ستالين ببناء الاشتراكية في روسيا وهي بلد خرج للتو من الإقطاع زراعته في منتهى التخلف، لتصبح أول دولة اشتراكية في العالم. فقد أنجز ذلك رغم الصراع المتواصل مع العدوان الداخلي والخارجي لا بل وفي غضون فترة وجيزة لدرجة الجنونـ أقل من 10 سنوات. وقم ستالين بتحويل روسيا من بلد زراعي متخلف للغاية إلى دولة صناعية قادرة ليس على التصدي لألمانيا الهتلرية فحسب بل والانتصار عليها، وهي أكثر الدول الرأسمالية تطورا في أوروبا في ذلك الحين والبلد ذو أحسن المنشآت التقنية والعسكرية والجيش المتدرب، والتي تحت ضرباتها سقطت ـأوروبا كلها بالكاد، لا بل خلال أيام معدودة.
ما قدمه ستالين إلى روسيا عبارة عن معجزة اقتصادية وعسكرية حقيقية، أكبر بكثير من المعجزة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية ذلك أنها انطلقت من مقدمات مختلفة منتهى الاختلاف.
وقد تنبأ ستالين، بصفته صاحب استراتيجيا عظيماً، أثناء الحرب العالمية الثانية الصعبة جداً على روسيا، تنبأ نوايا الحلفاء الغربيين في انتهاز استنزاف روسيا لتوجيه الضربة المميتة إليها فور انتهاء الحرب، فكان يستعد لذلك. وقد تفاجأت الولايات المتحدة مفاجأة كبيرة لكا اكتشفت أن الاتحاد السوفييتي أصبح كذلك يمتلك قنبلة ذرية وهيدروجينية، الأمر الذي ردعهم بطبيعة الحال عما كانوا قد أعدوه من عدوان وكان جلياً للعين. عندها انطلقت مفاوضات (بريتون وودز) لنموذج النظام العالمي الجديد.
هذا وقد جرت في الاتحاد السوفييتي أثناء الحرب الاستعدادات للخروج إلى الفضاء. فقد كان أول دولة في العالم انطلقت إلى الفضاء الخارجي. ولا تزال أجهزة فضائية تحمل رموز الاتحاد السوفييتي إلى يومنا هذا تتواجد على القمر والزهرة وفي أعماق الفضاء، وكان الروسي (يوري غاغارين) أول إنسان حلق في الفضاء الخارجي.
أما المشاعر التي كان الشعب الروسي ولا زال يكنها لستالين، فلا علاقة لها بعبادة الفرد، إنما هو الحب اللامتناهي والإعجاب والعرفان بالجميل.
لم يكن لروسيا أبداً رجل دولة مثله من حيث حبه للشعب الروسي وروسيا وحرصه على رخائهم دون التفكير في نفسه على الإطلاق. ومن غير الصدفة أن يتدفق آلاف المواطنين من مختلف الأعمار والمعتقدات إلى قبره يوم ميلاده ويوم وفاته بهدف التعبير عن محبتهم العميقة واحترامهم وعرفانهم له بالجميل.

ثانياً: لماذا يبدي أصحاب فكر العولمة في الغرب
مثل هذه الكراهية لستالين ولا يزالون يشيطنونه إلى يومنا هذا؟
لأن ستالين قام بأشياء كانت مستحيلة في اعتقادهم فعجزوا ولا زالوا عاجزين عن مسامحته عنها. فقد دمر المشروع الغربي لعولمة العالم مرتين:
-من خلال بنائه مجتمعاً أحسن وأكثر عدالة للشعب – هو مجتمع الاشتراكية، وذلك في بلد منفرد ومتخلف للغاية؛
-من خلال قهره للهتلرية التي كان المقصود بها إيجاد شكل جديد للسيطرة على العالم، وبذلك أخّر مشروع العولمة بـ20 عاماً؛
من خلال تصفيته للأممية الشيوعية الـ(كومينترن)، مما أنهى إمكانية انتشار إيديولوجيا العولمة تحت شكل الثورة العالمية.
منح بناء الاشتراكية في روسيا ملايين المستغلين في العالم أمل المستقبل الأفضل والأكثر عدالة. فالنتائج لم تتأخر. حيث اشتد نضال الشعوب الواقعة تحت الاستعمار، مما أسفر عن تصفية الاستعمار في ستينات القرن العشرين. كما ونهضت الجماهير المستغلة في الدول الرأسمالية نفسها، الأمر الذي أجبر الرأسماليين لمنحها الأجور وظروف العمل والحماية الاجتماعية الأفضل. وقد تعززت الحركات والأحزاب اليسارية في جل أنحاء العالم. ونال مئات الآلاف من أبناء الكادحين من كل القارات والبلدان نالوا تحصيلهم العلمي الجامعي في الاتحاد السوفييتي مما غير شرائح التحصيل العلمي في العالم.
ولذا فأصحاب فكر العولمة لا يزالون خائفين إلى يومنا هذا حتى من ظل ستالين ويبذلون كل ما في وسعهم في سبيل محوه من عقول الملايين من الناس من العالم كله، وذلك نت خلال شيطنته ووصف الاتحاد السوفييتي بمحاولة فاشلة قام بها جهلة مجرمون قادوا الشعب الروسي إلى المجاعة والبئس وعدم الاستقرار في الحياة. وتنتشر مثل هذه المعلومات الشريرة المشوهة المزيفة حتى في روسيا نفسها، غير أنه يستحيل ترسيخها كعقيدة هناك، حيث لا زال هناك من الناس مان عايشوا عهد ستالين بالإضافة إلى الملايين من الناس الذين نشأوا في عصر الاشتراكية والذين يعرفون الحقيقة ويناضلون في سبيل ترسيخها.
من اللافت جداً أن ستالين في العام 1939 م البعيد قد أدرك ما الذي سيحدث مع الاتحاد السوفيتي بعد وفاته وعلى المدى البعيد، فقد قال للسفيرة (آلكساندرا كولونتاي) ما يلي: "عدد من أعمال حزبنا وشعبنا سيتم تشويهها وتشهيرها في الخارج أساساً، لكن داخل بلادنا كذلك. فالصهيونية العالمية الساعية إلى السيطرة على العالم ستنتقم منا لنجاحاتنا ومنجزاتنا... وسيتم تشهر اسمي والافتراء علي كذلك. وسيسندون إليّ عدداً من الأعمال الشريرة.
ستسعى الصهيونية العالمية بكل ما أعطيت من قوة لتصفية اتحادنا كي يصبح عاجزاً عن النهوض من جديد أبداً... وسترفع النزعة القومية رأسها وستقمع الأممية والوطنية لكن لمدة محددة فقط. وسيظهر عدد من القادة الأقزام الذين سيبيعون أممهم من الداخل. وسيسير التطور في طرق معقدة وحتى خطيرة جداً في المستقبل، ووسينتفض الشرق فتنشأ تناقضات حاد مع الغرب. لكن مهما تدورت الأحداث، ستتجه نظرة الأجيال القادمة بعد وقد إلى الأعمال والانتصارات التي حققها وطننا الاشتراكي. وسترفع الأجيال الجديدة رايات آبائهم وأجدادهم، وسيبنون مستقبلهم على غرار ماضينا."

خلاصة
ابتدأت تصفية الاتحاد السوفيتي وكل ما أحاط بها من الانقلاب في الدولة الذي قام به المتشبثون بالمناصب فور وفاة ستالين عام 1953 م. وإخلاء المجتمع من الفكر الستاليني كان القصد منه تدمير كل ما كان قد أنجزه أو قام بتخطيطه ستالين لتطور الاتحاد السوفيتي مستقبلا. وبعد ستالين تراوح على السلطة أقزام تاريخيون واحداً تلو الآخر، والذين لم يهتموا بروسيا ولا بالشعب الروسي. وفي أواسط الثمانينات خلفهم من أطلق عليهم "رجال البيريسترويكا" وعلى رأسهم (يلتسين) و(غورباتشوف)، وقد وقعوا على سلسلة من الاتفاقيات المهينة مع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، فتم، نتيجة لذلفك، القضاء على الاتحاد السوفيتي والجيش الأحمر وحلف وارسو والمعسكر الاشتراكي.
وقد انتهز الغرب الجماعي والولايات المتحدة على وجه الخصوص فترة الإهمال واللامسؤولية وإضعاف الاتحاد السوفيتي عامة، والتي طالت منذ 1953 فقد تمكنوا من التسلل إلى جميع المجالات المهمة للاقتصاد والحياة الروسيين، وقد اتضح أن أخطر ما حدث كان استبدال الإيديولوجيا الاشتراكية بالليبرالية الجديدة.
أراد رجال البيريسترويكا تنحية الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي وإحلال محله كي يضمنوا لأنفسهم الاغتناء غير المحدود وبدون رقابة، وأرادوا أن يتحولوا إلى رأسماليين وأن يندمجوا مع الغرب. لكن ذلك كان مستحيلاً إلا بمساعدة الغرب نفسه. لكن "لا غداء مجاناً" في الرأسمالية، أي لا خدمات مجانية. فقد دفع الشعب الروسي ثمن ذلك الجنون ثمناً باهظاً ألا وهو استقلاله وكرامته. حيث كان تفكك الاتحاد السوفييتي بعد عام 1991 وما سبقه من وصول (غورباتشوف) إلى السلطة من أكبر كوارث القرن العشرين. فقد نجحت الولايات المتحدة والغرب في إمالة (غورباتشوف) إلى تصفية الاشتراكية وحلف وارسو والاتحاد السوفيتي من خلال وعود فارغة. حيث وعد وزير خارجية الولايات المتحدة (جيمس بيكر) غورباتشوف ثلاث مرات (1990) بأنه في حالة احتفاظ الأمريكان بتواجدهم على أرض ألمانيا بكونهم جزءأً من حلف الأطلسي لن يوسعوا حدودهم خارج أراضيها إنشاً واحداً. لكنهم حالياً تخطوا وعدهم بتواجدهم 49،5 ألف إنشاً أبعد من المتفق عليه (قاعدتهم في رومانيا). وقد تم النشر العلني مؤخراً لـ 33 وثيقة عن محادثات (غورباتشوف) مع كل من بوش – الأب وكول وميتران وتاتشر ومانفريد فيورتير، والتي تؤكد على أنه تم منح مثل هذه الوعود.
وقد أعلن (غورباتشوف) في ديسمبر 1989 م رسمياً نهاية الحرب الباردة، ولم تمض إلا شهران بعد ذلك حتى أعلن بوش الأب أن الحرب النووية بين الولايات المتحدة وحلف الأطلسي من جهة وروسيا من جهة أخرى أمر لا مفر منه حتى موافقة موسكو على الاستسلام بلا قيد أو شرط.
هذا ما تسعى إليه الولايات المتحدة والغرب جماعياً، فهم يريدون امتلاك أراضي روسيا وثرواتها وإدارتها بغض النظر عما إذا كانت مَلَكية أم اشتراكية أم رأسمالية.
وبإملاء منهم تم تمزيق روسيا في الفترة ما بين 1990-2000 من خلال إجراء الإصلاحات بلا نهاية على غرار النموذج الغربي، ولم يكن من الممكن الخروج ولو بخطوة واحدة عن الإطار الذي رسمته واشنطن. فاكتسبت اللامساواة أبعاداً خيالية.
وهناك مجموعة قليلة العدد من الناس الذين أطلق عليهم الأوليغارشيا لاحقاً، استحوزوا ليس على حكم البلاد فحسب بل وثرواتها الضخمة وكذلك كل ما هو ناتج عن جهد الشعب الروسي وتضحياته.
وخلال 10 سنوات تم إفقار الشعب الروسي وجيشه الأحمر الشهير، لكن الأخطر كان وصول البلد إلى الانهيار العقلي والحضاري. حيث تمت زعزعة الهوية الروسية وتعريضها للاستهزاء المشين. وجرت العملية المسعورة لزرع الأخلاقيات ومنظومة القيم الليبرالية الجديدة.
إلا أن الولايات المتحدة والغرب، رغم جهوده الضخمة عجز عن تصفية روسيا والهوية الروسية والنموذج الحضاري الروسي.
فمنذ سنة 2000 م، وبانتخاب فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين رئيساً لروسيا الاتحادية، ابتدأت إعادة تعمير البلاد. فقد أعاد لروسيا كيان الدولة والجيش والأخلاق وكذلك الكرامة. وفي هيجان انتصارهم على روسيا لم يلاحظوا في الولايات المتحدة والغرب أنها بدأت بالنهوض طوال السنوات السبع الأولى من إدارة بوتين، أما بعد ذلك فكان الأوان قد فات. فقال لهم بوتين في لقاء ميونخ لمجموعة الـG-20 سنة 2007 م حرفياً إنه لا يمكنهم مواصلة تجاهل روسيا إنما سيضطرون لمراعاة مصالحها.
وهذا العام (2019) صرح لهم بوتين في موسكو إن كل ضربة صاروخ سيتم الرد عليها في اللحظة بل وأن الضربة سيتم توجيهها ليس إلى موقع انطلاقة الصاروخ الأول فحسب إنما قبل كل شيء إلى مكان اتخاذ القرار لإطلاقه. الأمر الذي أذهل الولايات المتحدة التي لم تخض حرباً على أرضها الخاصة حتى الآن ولم يتم قصف مدنها أبداً. وتعتبر روسيا حالياً الدولة ذات السلاح النووي الأفضل، الأمر الذي لا ينقذ روسيا وحدها من حرب نووية إنما البشرية جمعاء.
وتتلخص آمال العالم في تمكن روسيا من إعادة التعمير والتطور المتسارع والمتقدم، غير أن بوتين لا يحكم بوحده إنما مع الأوليغارشيا، وهي التي لا تتطابق آراؤها في مختلف القضايا المهمة مع آراء بوتين. أضف إلى أن روسيا تتعرض للضغط الاقتصادي المتواصل على يد الولايات المتحدة والغرب.
والأمل يتلخص في كون بوتين مدعوماً من الشعب الروسي والجيش والكنيسة الأرثوذكسية والبشرية التقدمية وصاحبة التفكير جمعاء.

باختصار عن "خطيئة ستالين الكبيرة" الأخرىـ وهي "عبادة شخصه"

ابتدأت عملية نزع عبادة شخص ستالين بالتقرير الذي قدمه (خروشوف) أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي للاتحاد السوفييتي (سنة 1963 م). وأصلاً لم تكن نقطة من هذا القبيل في جدول أعمال المؤتمرـ وقد كتب التقرير (خروشوف) شخصياً في نفس أيام المؤتمر وفي حضور شخص وحيد آخر هو الرفيق شيبيلوف. أي أنه لم يقم بالتنسيق حول التقرير مع أعضاء المكتب السياسي. وتم إلقاؤه في جلسة مغلقة دون حضور ضيوف المؤتمر وممثلي الصحافة، وذلك بطلب خاص من (خروشوف) ("وفاة ستالين" من فلاديمير كاربوف). وقد أسندت إلى ستالين جميع الخطايا والجرائم مما كان وما كان على مدى السنوات الـ3 من إدارته للبلاد، لكن دون ذكر اسمه على الإطلاق. أي أنه من الواضح أن (خروشوف) كان يشعر بشديد الخوف من قبول كل ذلك من جانب المؤتمرين والشعب الروسي. وفي رأء عالم الاجتماع والناشط الاجتماعي (آناتولي فاسرمان) من المرجح أن يكون خروشوف، في سياق عرضه لجرائم ستالين، يرى نفسه في المرآة ويتذكر التصفيات والجرائم التي ارتكبه هو شخصياً في موسكو وفي أوكرانيا على وجه الخصوص، لما تولى منصب السكرتير الأول للحزب هناك. والقائمة التي قدمها خروشوف بأسماء 20 ألف شخص لتصفيتهم في أوكرانيا لا تزال غير منسية وآمل أن يكونوا قد احتفظوا بها. كما يعود إليه القرار كذلك لتدمير عدد من الكنائس وتصفية الخوارنة هناك. وكانت عبادة الشخص إحدى مرتكزات تقريره.
عملياً كانت عبادة شخصية ستالين كان قد خلقتها عناصر البيروقراطية الحزبية والمثقفين، والذين كانوا يعتقدون أنهم بهذه الطريقة يؤمّنون لأنفسهم البقاء في المناصب التي يشغلونها وكذلك ارتقاءهم في السلّم الحزبي والإداري في المستقبل.
وقد كتب فلاديمير كاربوف في كتابه "وفاة ستالين" (ص 110): "أعطى خروشوف دليلاً معبراً على قمة إتقان مسح الجوخ، وذلك في المؤتمر الثامن عشر للحزب في شهر آذار 1939 م، فقد تفنن خروشوف في كتابة تقريره بذكر ستالين ومدحه بالاسم 32 مرة في غضون 20 دقيقة، واختتم التقرير بـ"عاش النابغة العظيم!".
من المعروف جيداً أنه ستالين كان في منتهى التواضع، بل كان تواضعه يبلغ حد الزهد. وهو أمر لا يمكن لأحد أن ينكره حتى أصحاب أشرس الافتراءات عليه. ولم يمتلك أي ممتلكات، ولا حسابات مصرفية ولا بنايات ولا أي نوع من الممتلكات المادية. وكان راتبه أدنى بقليل من معدل الرواتب في البلاد في تلك الفترة، وكان صوان ملابسه يضم بدلتين ثلاث عسكريتين وعدة قمصان. ولا زال عدد من باحثي سيرة حياته يكتبون عن هذه الوقائع إلى يومنا هذا ويمكن العثور على هذه المعلومات حتى في الانترنت.
وكان يكره مساحي الجوخ والمنافقين. وكلما كانوا يستشيرونه حول مشاريع تمدح فيه، كان رده سلبياً جداً. فمثلاً لما عرضوا عليه أن يؤلفوا كتاباً عن طفولته ومراهقته، قام ببساطة بمنع هذا المشروع. وقد ارتفعت أشد موجات مسح الجوخ في سياق الاحتفال بيوبيله السبعيني، فقد قام بزيارة معرض الفن التشكيلي وتوقف أمام مجسمات التماثيل التي تمثله هو، فابتسم بسخرية وسأل النحاتين: ترى ألم تملوا من صنع تماثيل أبي الشنب؟
ولما عرضوا عليه مجسمات مشاريع النصب التذكاري للانتصار رفي برلين، رفض التماثيل التي تمثله واختار مجسم الجندي العادي حامل البنت.

موقف ستالين من الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية

كتبت أكاذيب لا حصر لها حول هذه المسألة كذلك.
وسأكتفي في الموضوع بالتأكيد على بعض الحقائق التاريخية فقط. ذلك أن البحث المعمق فيه يتطلب المزيد من المعرفة والوقت واللذين أفتقدهما حالياً.
يوسيف فيساريونوفيتش ستالين خريج الأكاديمية الروحية العليا في مدينة تبيليسي بالنتيجة الكاملة (ممتاز). وكان وظل إلى آخر أيامه صديقا ومدافعاً كبيراً عن الكنيسة. وفي ظل حالة الملابسات والأوضاع المتقلبة في روسيا في معظم وقت حكمه لم يتمكن من حمايتها دائماً وفي كل مكان. فقد ساءت أوضاع الكنيسة والدين خاصة، لما كان أفراد عصابات تروتسكي يحرقون الكنائس ويقتلون الخوارنة. وقد استمر ذلك بالكاد إلى عام 1939 م. وقد وقع عدد غير قليل من المسؤولين المحليين تحت نفوذ هؤلاء. وكان تروتسكي، وهو من رجال ما وراء كواليس البنوك العالمية، يدرك جيداً جداً أن المسيحية الأرثوذكسية من أقوى منابع القوة في روح الشعب الروسي، ولذا فقد بذل كل الجهود والوسائل لخنقها.
وقد أعاد ستالين منذ أيام الحرب العالمية الثانية الاحترام للمسيحية الأرثوذكسية في روسيا وحمايتها. واستعاد منصب البطرك الذي كان قد ألغاه بطرس الأول، وأقام الكنائس الجديدة وقام بإعادة تعمير بعضها القديمة. وأعاد الحقوق والاحترام للمسيحية الأرثوذكسية ورجالها، وفي رأس المسيحية الأرثوذكسية تعتبر هذه الفترة عهد النهضة للكنيسة الروسية، إلا أن النهضة انتهت بوفاة ستالين، فقد أطلق خروشوف وشركاه سنة 1954 م حملة شرسة على الدين والتي لم تتوقف إلا بعد سنة 2000 لما أصبح فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين رئيساً لروسيا الاتحادية. عندها تم رفع مكانة الكنيسة الروسية مجدداً وأعيد اعتبار بطريكها ممثلاً كامل القيمة للشعب الروسي في إدارة البلاد.
وأود اقتباس رأي اثنين من كبار رجال المسيحية الأرثوذكسية في ستالين:
بطريك آلكساندريا خريستوفوروس:
"المارشال ستالين من أعظم رجال عصرنا، وهو يبدي الثقة في الكنيسة وينظر لها نظرة الرضى... مارشال ستالين القائد الأعلى الذي تحت قيادته تجري عمليات عسكرية بأبعاد لم يسبق لها مثيل، يحظى في ذلك بموفور الرحمة والبركة الربانية والشعب الروسي تحت القيادة العبقرية لقائده العظيم يوجه، بالتفاني الذي لم يسبق له مثيل، الضربات القاهرة إلى أعدائه منذ قرون." (1945)

أليكسي الأول، بطريك موسكو وعموم روسيا:
"توفي القائد العظيم لشعبنا يوسيف فيساريونوفيتش ستالين. رحلت قوة عظيمة، قوى اجتماعية كان الشعب يسح فيها بقواه الخاصة، وكان يسترشد بها في أعماله ومبادراته البناءة وكان يتوكل عليها طيلة سنوات عديدة. لا مجال لم تصل فيه النظرة البصيرة للقائد العظيم، وبصفته إنساناً عبقرياً كان يكشف في كل شيء عما هو غير مرئي وفي غير متناول العقول العادية." (1953)

سأبدأ بشيرشيل الذي اعترف في ذكرياته بما يلي:
"أيام زمان بذلت جهوداً بالغة كي أخنق تلك الدولة البلشفية الظلامية الشريرة في مهدها. إذ كنت أعتبرها عداً لدوداً للحضارة الحرة." وهذا ما كتبه شيرشيل بعد تعرفه على ستالين عن قرب في سنوات الحرب: "كان من حظ روسيا الكبير أن يكون قائدها في تلك السنين التي كانت سنين المحن الصعبة، قائد الجيش العبقري والذي لا يتزعزع يوسيف فيساريونوفيتش ستالين.
كان شخصية مرموقة منسجمة مع عصرنا القاسي الذي عاصره في حياته. كتن ستالين رجلاً ذا طاقة غير عادية وسعة المعرفة والقوة التي لا تقهر، كان مندفعاً صلباً بلا رحمة سواء في عمله أو في أحاديثه، وحتى أنا السياسي المتدرب في البرلمان الإنجليزي كنت عاجزاً عن الاعتراض عليه بشيء. وكانت قوة عملاقة ترن في مؤلفاته، وكانت هذه القوة لدى ستالين كبيرة للحد أنه كان يبدو فريداً من نوعه بين قادة جميع الشعوب والعصور... وكان نفوذه على الناس غير قابل للتصدي. كلما كان يدخل القاعة التي انعقد فيها مؤتمر يالتا، كلما كنا نقف جميعاً وكأنه بأمر عسكري. ومن الغريب أننا كنا نقف وقفة الاستعداد العسكرية.
كان ستالين يمتلك الحكمة الواعية العميقة والمنطقية الخالية من أي ذعر. وكان في خبيراً لا فوقه خبير في إيجاد المخرج من أكبر مأزق في اللحظات الحرجة... كان رجلاً يقضي على عدوه بواسطة أيدي أعدائه، فقد كان يجبرنا نحن لمحاربة الإمبرياليين وهو يصفنا علناً بالامبرياليين علنا.
وقد ورث روسيا المحراث وتركها ذات السلاح الذري..."
كوردال هيل، وزير خارجية الولايات المتحدة خلال الحرب:
"ستالين شخصية مذهلة. إنه موهوب بالقدرات الفائقة والذكاء والقدرة على استيعاب جوهر المسائل العملية. وهو أسوة مع روزفلت وشيرشيل من الزعماء الذين يحملون على أكتافهم مسؤولية لن يتحملها أحد في السنوات الـ500 القادمة."

آفيريل هاريمان، سفير الولايات المتحدى لدى الاتحاد السوفيتي:
"إنه يمتلك المعارف العميقة والقدرة الخيالية على إدراك التفاصيل ومرونة العقل والتفهم الدقيق إلى حد الإدهاش لطبائع الناس. فقد استنتجت أنه أحسن اطلاعاً من روزفيلت وأكثر واقعية من شيرشيل وهو بمعنى معين أكثر القادة العسكريين فعالية."


المراجع:
استخدمت الكتب عن روسيا وعن ستالين لكل من: نيكولاي ستاريكوف، وفلاديمير كاربوف، ويوري جوكوف، وآندريه فورسوف، وفلاديمير فيدوروفسكي.
وتابعت النقاشات التي بثها التلفزيون الروسي في برامج: ""الزمن سيثبت" و"اللعبة الكبيرة"، وبالأخص مداخلات كل من يوري جوكوف، وآناتولي فاسرمان، وسيرغي فيودوروف، ويوري موخين، وميخائيل خازين، وياكوف كادمي، الخ.
كما أنني قرأت عشرات المقالات في الصحف والمجلات.