الأساطير وفكرة الجحيم فى الديانة العبرية

طلعت رضوان
2020 / 5 / 23

كيف تحاورأهل الجنة وأهل النار؟
ولماذا قال القرآن ((لأملأنّ جهنم من الجنة والناس أجمعين))؟
يعتقد المسلمون أنّ (ديانتهم) تختلف عن اليهودية وعن المسيحية، ونفس الأمر عند المؤمنين باليهودية وعند المؤمنين بالمسيحية، بينما المُـتأمل فى كتب الدينة العبرية (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) سيكتشف أنّ فى هذه الكتب العديد من التشابهات ، بل إنّ معظمها جاء فى أساطير الشعوب القديمة ، فقد تناولتْ الأساطير السومرية والبابلية فكرة العالم السفلى ، وأنّ هذا العالم فيه (مقر تعذيب البشر الخاطئين) وهو المكان الذى أخذ اسم (الجحيم) وانتقلتْ تلك الفكرة إلى الديانة العبرية.
فى الأسطورة السومرية عن (جلجامش) أنّ الإلهة (أنانا) صنعتْ آلة موسيقية وأهدتها لجلجامش. فرح البطل بالهدية وراح يعزف عليها، ولكنها سقطتْ منه فى العالم السفلى.. مدّ يده وساقه لاسترجاعها دون طائل فجلس يندب حظه. وجاءه صوت يقول ((من سيـُـعيدك إلىّ من العالم الأسفل؟ من سيرجع بك من العالم الأسفل؟)) إلى أنْ قال جلجامش إنّ جسمى تنهشه الهوام.. وروحى لاتجد راحة فى العالم السفلى.
وعثرالآثاريون على لوح كبير يرجع إلى القرن السابع قبل الميلاد بعنوان (حلم أمير) وفيه أسطورة عن أمير آشورى اسمه (كومايا) كان يتمنى رؤية العالم السفلى، وبسبب تلك الأمنية التى سيطرتْ على تفكيره، قـدّم القرابين للإلهة (إريشكيجال) وزوجها الإله (نرجال) وصلى لهما، إلى أنْ تحققتْ أمنيته (ولكن فى الحلم) فرأى وهو نائم أنه قد هبط إلى (الدار الآخرة)
واكتشف الآثاريون فى تل العمارنة بمصر(أى مدينة أخيتاتون) أسطورة عن (إبليس البابلى) ولم يتوصل العلماء إلى السبب الذى من أجله كان اللوح المُـدوّن عليه الأسطورة فى مصر. وأنّ النص يتم تدريسه للطلبة المصريين الذين يدرسون اللغة الأكادية. والقـِـطع التى تمّ العثورعليها موزّعة بين المتحف البريطانى ومتحف برلين. تحكى الأسطورة عن سبب وجود الإله (نرجال) فى العالم السفلى..إلخ.
000
جاءتْ الشعبة الأولى من الديانة العبرية (اليهودية) وتشابهتْ مع أهل الرافديْن فى مسألة العالم السفلى والنظرة إلى الموت، حتى ينتقل الإنسان من الحياة على الأرض إلى الحياة فى عالم (آخر) حيث ((جمع داود كل إسرائيل إلى أورشليم لأجل إصعاد تابوت الرب إلى مكانه الذى أعد له)) (أخبار الأيام الأول – إصحاح15/ 3) فهل (الرب) فى حاجة إلى (تابوت)؟ وهل (الرب) مات مثل البشر؟ وإلى أين سيكون مكان (إصعاد) تابوت الرب؟
وكما أنّ فى تراث الرافديْن لا بعث ولا حساب ولا ثواب ولا عقاب، كذلك الأمر فى العهد القديم حيث ((رأيتُ تحت الشمس موضع الحق هناك الظلم وموضع العدل هناك، هناك الجور. فقلتُ فى قلبى الله يدين الصديق والشرير، إنّ ما يحدث لبنى البشر يحدث للبهيمة... موت هذا كموت ذاك.. فليس للإنسان مزية على البهيمة..لأنّ كليهما باطل.. يذهب كلاهما من التراب وإلى التراب يعود كلاهما (سـِـفرالجامعة – إصحاح 3 /من 16- 22)
كما أنّ صورة الدار الآخرة فى العهد القديم شبيهة بما ورد فى الأساطير السابقة، حيث ((هذا يموت فى عين كماله. مطمئن وساكن)) (أيوب:21/من22-25) وقال أيضًا لربه ((لماذا أخرجتنى من الرحم؟ كنتُ قد أسلمتُ الروح.. كنتُ كأنى لم أكن)) (أيوب: 10/ من 18-22)
000
أما رؤية الشعبة الثانية من الديانة العبرية (المسيحية) فقد وردتْ فى (رؤيا يوحنا اللاهوتى) والعنوان يتشابه مع عنوان (رؤيا حلم أمير) فى الأسطورة السومرية. قال يوحنا اللاهوتى: هو ذا يأتى مع السحاب..ف التفتُ لأنظر الصوت الذى تكلــّـم معى..ولما التفتُ رأيتُ سبع منابر من ذهب..ورأيتُ أربعة ملائكة واقفين على أربع زوايا الأرض ، مُـمسكين أربع رياح الأرض لكى لاتهب ريح على الأرض، ولا على البحر..ورأيتُ رؤوس الخيل كرؤوس الأسود ، ومن أفواهها يخرج نار ودخان وكبريت.. وفى أفواهها وفى أذنابها شبه الحيات..إلخ))
000
أما صورة الآخرة فى الشعبة الثالثة من الديانة العبرية (الإسلام) فقد وردتْ فى أكثرمن سورة من سور القرآن (آل عمران/10، 131) و(النساء/56) و(الأنعام/ 70) و(التوبة/ 34، 35) و(يونس/ 4) و(هود/105، 106) و(إبراهيم/ 15، 16) و(إبراهيم /49، 50) (الإسراء/97) و(الكهف/ 29) و(طه/74) و(الحج/9) و(الحج/ من 19- 22) و(الدخان/ من 43- 48) أما الآية التالية مباشرة فورد بها ((ذقْ إنك أنت العزيز الكريم)) ورغم أنّ كلمة (ذقْ) جاءتْ متصلة وفى نفس الآية فإنّ مفسرى القرآن لم يتوقفوا عند كلمة (ذقْ) وباقى الآية، وجاء فى تفسير الجلاليْن (ذقْ) أى العذاب أما ((إنك أنت العزيزالكريم بزعمك وقولك مابين جبليها أعز وأكرم منى)) وذلك فى تفسيرهما لسورة الدخان. فجاء التفسير ليزيد الغموض غموضــًـا. بينما فى تفسير السيوطى أنّ المقصود بلفظ (ذق) هو أبوجهل فى حوار بينه وبين نبى الإسلام محمد ، ونزل القرآن لتثبيت هذا الحوار.
أما الذين (آمنوا) برسالة الإسلام فلهم الجنة وحور العين ويخدمهم غلمان مخلدون، وتكرّر المعنى كثيرًا فى القرآن.
ورغم أنه (كما هو مُـفترض) أنْ تكون (الجنة) فى منطقة و(جهنم) فى منطقة أخرى، وإذا كان عدد سكان (الجنة وجهنم) بالملايين أو بالبلايين، فالمُـفترض (ثانيًا) صعوبة الحوار بين أهل (الجنة) وأهل (النار) ولكن القرآن أزال تلك الصعوبة فجعلهم يتحاورون، والتفاصيل وردتْ فى سورة الأعراف/ من 44- 51) ورغم أنّ (الجنة وجهنم) سيكونان فى (الآخرة) وفى (يوم البعث) كما هو المُـفترض (ثالثــًـا) فإنّ القرآن جعل الفعل بصيغة الماضى حيث قال ((ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار)) ورغم أنّ (الجنة) سيدخلها المؤمنون بالإسلام و(جهنم) سيدخلها (الكافرون) فإنّ القرآن حذّر(المؤمنين) تحذيرًا صاعقــًـا فقال ((ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها ولكن حقّ القول منى لأملأنّ جهنم من الجنة والناس أجمعين)) (السجدة/13) وإذا صدقنا ما قاله المفسرون من أنّ المقصود بكلمة (الجنة) الجن، وتم التجاوز عن هذا التفسير الذى يُـثير إشكالية (الأسلوب) حيث أنّ كلمة (الجن أو الجان أدق فى هذا السياق من كلمة "الجنة ") ومع ذلك فلماذا جمعتْ الآية ((الناس أجمعين)) وأدخلتهم (جهنم)؟ وهكذا يتبيـّـن التشابهات فى شـُـعب الديانة العبرية من خلال هذا المحور(الواحد) من بين عدة محاورأخرى.
000
هامش: ملحمة جلجامش: ويطلق عليها (الأوديسة البابلية) ومكونة من 12 لوحة. وتم اكتشافها بمنطقة دجلة والفرات. وورد بها الكثير الذى انتقل إلى الديانة العبرية، مثل الطوفان ونوح. وأنّ جذور الملحمة مستمدة من الثقافة السومرية. ترجمها د. عبدالغفارم كاوى عن الألمانية. وترجمها الباحث العراقى (طه باقر) عن المسمارية/ البابلية.
***