بعض المسائل العلمية-الفلسفية لنظرية الحقيقة. القسم الأول: الذاتية المعاصرة ومسألة الحقيقة

مالك ابوعليا
2020 / 5 / 23

المقالة لـ تيودور اليتش أويزرمان*

ترجمة مالك ابوعليا

- ملاحظة: سأقوم بترجمة Falsification Principle الذي يعود الى كارل بوبر، بمبدأ التفنيد أو التكذيب، سأستخذم كلا المصطلحين في الترجمة.

يُعتبر مفهوم الحقيقة، مقولةً اساسيةً في نظرية المعرفة والفلسفة بشكلٍ عام. تفترض المقولات الفلسفية الأخرى (المادة، الكينونة، الوجود البشري، الخ) مُسبقاً مفهوم الحقيقة، كمحتواها (أي المقولات) او كهدف لموضوع البحث. تبدأ الفلسفة تاريخياً من رفض اي شكل من أشكال الآراء باسم الحقيقة وبمعارضة ما هو موجود فعلاً بمجموعة المظاهر المتنوعة. وهكذا وُلِد الفكر النظري، والذي كان مرادفاً للفلسفة في العصور القديمة. في العصر الحديث، كان ايديولوجيي الثورات البرجوازية واعين لموقفهم المتحزب المعادي للاقطاع بشكلٍ مجرد وليس بطريقة مباشرة، معلنين تفانيهم الذي لا يتزعزع للحقيقة ومن أجل الحقيقة. كتب هيغل يقول "ان أكثر حاجة جادة، هي الحاجة لمعرفة الحقيقة"(1). لاتقلل الطبيعة المثالية لهذا التصريح، بأي حالٍ من الأحوال أهميته النظرية والايديولوجية.
وبالتالي، عندما تُعلن الفلسفة أنه ليس لديها، ولا يمكن أن يكون لديها أي مهمة بخلاف البحث عن الحقيقة وخدمة الحقيقة، فانها فقط، تفسر بشكلٍ مثالي مهام الدراسة (النظرية)، بالطبع، يرتبط هذا التفسير للفلسفة، تاريخياً، بوضعها في معارضة الدراسات غير الفلسفية والممارسة الاجتماعية، والتي، بمعنىً ما، هي نشاطات انسانية أقل اهميةً، ولكن كان هذا حتمياً حتى اصبحت الفلسفة نظرة علمية عن العالم بفضل الماركسية. لا شك أن روح الحقيقة قد لعبت دوراً هائلاً في تطور الفلسفة والمعرفة العلمية بشكلٍ عام. كان هذا عاملاً ذاتياً في العملية الاجتماعية المُحددة موضوعياً والذ لا يمكن المبالغة في أهميته الثقافية والتاريخية.
دمَج مؤسسا الماركسية روح الحقيقة مع الموقف الحزبي الشيوعي الطليعي من الطبقة العاملة. وكما تُظهر العملية التاريخية لتطور الماركسية، كان هذا السعي الشجاع الى الحقيقة هو حجر الزاوية لأعمال مؤسسيها. أعلن ماركس في أحدى كتاباته المبكرة، التي كشف فيها نفاق الايديولوجيا السائدة: "لا يجب على نتائج البحث أن تكون وحدها هي الصحيحة وحسب، بل والمسار الذي تم السير فيه للوصول الى هذه النتيجة أيضاً. يجب أن يكون البحث في الحقيقة، بحد ذاته، صحيحاً، ان البحث الصحيح هو حقيقة موسعة يتم دمج جميع صلاتها المنفصلة في نتيجة نهائية"(2). يحتوي هذا المُتطلب الابستمولوجي، ضمنياً، على برنامج مُحدد يقود البحث، ليس فقط ابستمولوجياً. وقد قال ليبكنخت محقاً، ان ماركس الجبّار، والذي كان وفياً للحزب ولامُهادن "لم يعرف تقديس اي شيء آخر غير تقديس الحقيقة..."(3).
كان أفلاطون، الذي وضع الحقيقة على قمة هرم الأفكار المتعالية، بالطبع، بعيداً عن البحث التاريخي النقدي لظاهرة المعرفة هذه. لم يخضع مفهوم الحقيقة للتحليل النقدي بشكلٍ كافٍ، لعدة قرون، على الرغم من كل الغموض الذي اكتنفه. ولكن مع ظهور المثالية الدياليكتيكية واعادة فحص المطابقة العقلانية القديمة بين الحقيقة والبديهية، صارت مسألة مفهوم الحقيقة مشكلةً لا يمكن حلها دون نقد مفاهيمها التقلدية. تتوافق القيمة العالية للغاية التي توليها نظرية هيغل للحقيقة تماماً- على الرغم من مزاعم نظامه الميتافيزيقي- مع الاعتراف بنسبية المعرفة وبالتالي نسبية الحقيقة. أشار لينين على وجه التحديد الى هذه السمة الرائعة للطريقة التي طرح بها هيغل مسألة الحقيقة(4).
دائماً ما تترك دراسة الأشكال المقولية المتأصلة في الواقع الموضوعي، ومعرفة ذلك الواقع، مهمة الفلسفة غير مكتملة، وهذا هو الحال فيما يتعلق بالحقيقة، والتي يتميز مفهومها، من ناحية، بأقصى الشمولية، ومن ناحيةٍ أُخرى، تُعارض مفهوم الخطأ. هذا الأخير، بالطبع، يمتد على نطاقٍ أوسع من مجال الحقيقة المشروطة دائماً. ان التقدم العلمي ليس مجرد تراكماً للمعارف والاكتشافات وتحصيلاً ادراكياً للقوانين التي لم تكن معروفةً من قبل: انه ينطوي ايضاً على تغيرٍ في البنية المعرفية وفهم أعمق لطبيعتها-ومن ثم حتمية طرح مسألة تطوّر مفهوم الحقيقة وأنواعها المختلفة وفقاً للاختلافات النوعية لأنواع المعرفة، مثل الرياضات والبيولوجيا والتاريخ، الخ. يجب على الانجازات المعاصرة للعلم والممارسة، أن تُطور مفهوم الحقيقة بدون شروط. الى أي مدى، على سبيل المثال، ينطبق هذا المفهوم على العمليات والاختراعات التكنولوجية، والتي يتم تقييمها من حيث فعاليتها وموثوقيتها ودرجة توافقها مع هدفٍ مُعطى؟
في التحليل الفلسفي للحقيقة، يجب أيضاً ان لا يتم تجاهل الثورات العلمية، التي غيرت الخصائص الابستمولوجية للمعرفة بشكل جوهري. في تحليله لأزمة منهج الفيزياء في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، طوّر لينين نظرية الحقيقة، ويجب أن يستمر هذا العمل على اساس البحث الابستمولوجي لنظرية المعرفة العلمية الحديثة. في عصرنا، مع استمرار الثورة في العلوم الطبيعية والتي قد تظل عمليةً مستمرةً، يتكرر الوضع الذي درسه فلاديمير لينين في كتابه (المادية ومذهب النقد التجريبي) الى حدٍ ما، عندما تتغذى النظريات المثالية، او على الأقل، الأكثر تأثيراً منها، على انجازات العلم أكثر مما فعلت في الماضي. بالطبع، تكتسب فلسفة الماركسية المزيد من الأتباع من بين المثقفين العلميين في البلدان الرأسمالية، ومع ذلك، بالنسبة لمعظم العلماء الذين يخضعون لتأثير الايديولوجيا السائدة في المجتمع البرجوازي، فان المادية الدياليكتيكية-على الأقل قي شكلها الأصيل- لا تزال حقلاً مجهولاً.
قد تكون تأثيرات (العقلانية النقدية) التي انتشرت في العقد ونصف الماضي بمثابة توضيح لهذه الملاحظات الأولية، في حين يدّعي الوضعيين الجدد عادةً أن العلم هو "مملكة الحقائق الراسخة"(5)، وصف كارل بوبر وأتباعه العلم (بالتأكيد، باستثناء الرياضيات التي لا تتعامل مع الأشياء المُحددة امبريقياً) على أنه مجموعة من الافتراضات "القابلة للتفنيد" التي يمكن اعتبارها حقيقة فقط بقدر ما ما لم يتم تفنيدها بعد. وبالتالي، تُفهم الحقيقة على أنها تصريح علمي في حالة عابرة، ويتشكل تقدم العلم عن طريق تفنيد فرضياته واستبدالها بأخرى جديدة. في كتابه (منطق الكشف العلمي) المنشور عام 1934، يرفض بوبر بشكلٍ جوهري مفهوم الحقيقة كشيء وهمي ومُبسّط. ومع ذلك، وفي وقتٍ لاحق، فانه يخفف من حدة موقفه الى حدٍ ما، دون أن يتخلى عن نظرية التفنيد. يكتب بوبر: "النظرية تكون قابلة للتكذيب اذا كان يوجد على الأقل فئة ليست فارغة من القضايا الأساسية ذات النوع الانساني التي تُمنع بها. وهذا يصح اذا كانت فئة مكذباتها بالقوة ليست فارغة". بكلماتٍ أُخرى، فان النظرية تكون خاطئة اذا أثبتت الحقائق التي تستبعدها وجودها فعلاً. في كتابٍ آخر نُشِرَ بعد 12 عاماً، يُعبر بوبر عن اطروحته الرئيسية للتفنيد بشكلٍ أكثر بساطةً وتحديداً: "...بقدر ما تُشير العبارات العلمية الى عالم التجربة فلا بد أن تقبل التفنيد والدحض"(7). سنتناول مفهوم التفنيد لاحقاً بمزيدٍ من التفصيل الى حدٍ ما. في الوقت الحاضر، دعونا نُشير فقط الى انه يتم استبدال الدياليكتيك بالنسبية المطلقة.
يتميز الدياليكتيك بمرونة وحركة المفاهيم وانتقالها وتداخلها مع بعضها البعض. يقول لينين: "مرونة الفكر هذه مطبقة ذاتياً= انتقائية وسفسطة. مُطبقة موضوعياً، اي عاكسة كلية-كونية سير التحول المادي ووحدته، انها الدياليكتيك، انها الانعكاس الحقيقي للتطور الأزلي للكون"(8). يُقابل بوبر وأتباعه مرونة المفاهيم المُفسّرة ذاتياً بالدياليكتيك ويضعهما بجانب بعضهما البعض، مما يطمس التناقض بين الحقيقة والخطأ على اساس أنه ليس مطلقاً. لذا فان "العقلانيين النقديين" هم خصومٌ للدياليكتيك، على الرغم من حقيقة أنهم يقتربون من اشكاليته (على الرغم من أنهم، بالطبع، يقتربون منها انطلاقاً من مواقف مثالية). انهم يُفسرون نسبية وعيانية الحقيقة على أنها تفنيدٌ لها. يتم اختزال الحقيقة الى (الرأي والمعتقد)، وبالتالي، يتم انكارها جوهرياً.
يقول بوبر أن الفلاسفة القدماء عارضوا بسذاجة، الرأي (doxa) بالحقيقة (episteme)، بينما يبدو ان التطور اللاحق للعلم يشير الى أن جميع الحقائق العلمية ليست أكثر من رأي، ويُصرّح: "ليس لدينا سبب كافٍ للاعتقاد بحصولنا على الحقيقة... ولو استخدمنا لغة افلاطون وارسطو، فهي معلومات بشأن (الرأي العلمي)... الأكثر من هذا، تعني تلك الرؤية أننا لا نمتلك أدلة في العلم (باستثناء الرياضياات البحتة والمنطق البحت، بطبيعة الحال)(9). من الواضح أن بوبر لم يُدرك ان الاتفاق مع وجهة نظره ايضاً يحوّل مفهومه الخاص عن العلم الصارم الى رأي.
ان اختزال الحقيقة العلمية الى رأي، يهدف الى توفير أساس للتعددية الابستمولوجية التي بموجبها يمكن لأي رأي (ويجب) ان يوضع في مواجهة اي رأي آخر مساوٍ له ومقبول ظاهرياً. بالطبع، سيتم الاعتراض على الرأي باستمرار من قِبَلِ رأيٍ آخر طالما انه لا يزال مجرد رأي، هذا اذا لم نقل اي شيء عن واقع انه سوف يتعارض مع الحقائق وبالتالي سيتم تفنيده، على الرغم من اعتقاد بوبر، ومع ذلك، ليست الطبيعة التجريبية للفرضيات العلمية هي التي تجعلها اقتناعاتٍ ذاتية او رأي ومعتقدات، اذا استخدمنا مصطلحات بوبر: انها تصبح اراءاً فقط كنتيجة للتفسير الخاطئ، وبشكلٍ خاص، الذاتي لحقائق الممارسة.
وعند زعمه بأنه قام بتجاوز العقلانية الكلاسيكية بشكلٍ نقدي، يكرر بوبر بالفعل احدى أخطائها المبدأية: اطروحة عدم كفاية (اي) تجربة أساسية لاثبات الحقيقة، ولكن في حين افترض العقلانيين القدماء (وبالطبع ليس بدون سبب) بأن التجربة لا يمكنها، وفي جميع الأحوال، أن تكون كافية لاظهار الحقائق (الميتافيزيقية)، يقول بوبر ان البيانات التجريبية ليست كافية لاثبات اي حقيقة (تجريبية).
لا يعتقد بوبر انه من الضروري اخضاع مفهوم التفنيد أو التكذيب للتحليل الابستمولوجي على الرغم من حقيقة انه يفحص محتواه العام، مما لا شك فيه أن التحديد Qualification الجوهري المصاحب لتوضيح مبدأ التفنيد هو عبارة: "ان القضايا الوجودية الدقيقة لا يمكن تكذيبها"(10). هذا يعني، من بين امورٍ أخرى، أن بوبر ليس مستعداً لتفنيد تأكيد وجوده شخصياً، وهو يرفض ببساطة اي مزيدٍ من التوضيحات الظرفية لمفهوم التفنيد او التكذيب كمحاولة لاحياء التقليد السكولاستيكي الذي يجب بموجبه على كل المصطلحات المستخدمة أن تكون مُعرّفة بصرامة(11). وهكذا، يكتسب مفهوم التفنيد معنىً مُفارقاً. يقول بوبر، انه يكفي وجود حقيقة واحدة لدحض نظرية مدعومة بعددٍ من الحقائق. ولكن ماذا يعني, في هذه الحالة ان نظريةً ما مدعومةً (بعددٍ من الحقائق)؟ في الواقع، لا يمكن تجاهل هذه الحقائق على اساس انها ليست دليلاً يدعم امكانية تطبيق نظرية معينة على حقيقة لا تتفق معها. من الواضح بالطبع، انه لا يمكن تجاهل هذه الحقيقة "العنيدة"، على الرغم من انها تقف وحيدة، ويجب جعل النظرية التي تعارضت مع هذه الحقيقة أكثر دقةً وربما تضييق تطبيقها او وضعها في اتجاه جديد. هذه هي الاستنتاجات الابستمولوجية العقلانية التي توصلت اليها العلوم الطبيعية قبل زمنٍ طويلٍ من وجود بوبر.
يجب التأكيد على ان بوبر لا يُفرّق بين تفنيد او تكذيب فرضية فردية واحدة في نظرية علمية ما، والتفنيد ككل. لقد لاحظ أ. ف. بانين بحق، هذا الخلل العضوي في نظرية التفنيد، وأشار الى ان النظريات العلمية هي أنظمة معقدة للغاية وأن هذا الظرف "يُحوّل مسألة تفنيدها الى مسألة خاصة جداً تختلف جذرياً عن الاجابة على مسألة تفنيد الافتراضات الفردية في العلوم"(12).
يُشير فريدريك انجلز، في مناقشته العلاقة بين النظرية العلمية والحقائق التي تُناقضها، الى قانون بويل ..."الذي يقضي ان حجم الغاز في ظل الحرارة الثابتة يتناسب تناسباً عكسياً مع الضغط الذي يقع على الغاز. وجد رينو ان هذا القانون ان هذا القانون غير سليم بالنسبة لبعض الحالات. واذا كان رينو (فيلسوفاً للواقع)-(يُشير هنا الى دوهرينغ، ت. اويزرمان)- لكان عليه ان يُعلن: قانون بويل متغير، وبالتالي فهو ليس بحقيقة اصيلة، وهذا يعني انه بشكلٍ عام ليس حقيقة، ويعني انه خطاً. ولكن رينو كان سيقع بذلك في خطأ أكبر بكثير من الخطأ الذي يتضمنه قانون بويل، وفي كومة الخطأ كانت ستضيع بذرة الحقيقة التي وجدها، وكان سيحوّل بالتالي نتيجته الصائبة في البداية الى خطأ يغدو قانون بويل مع ما يلازمه من خطأ طفيف حقيقة بالمقارنة معه. يبدو ان رينو بوصفه من رجالات العلم لم يسمح لنفسه بهذا التصرف الصبياني. فقد واصل البحث واكتشف بأن قانون بويل على العموم صائب بصورة تقريبية فقط، فهو، مثلاً، لا يصلح للغازات التي يمكن ان تتحول بفعل الضغط الى حالة السيولة، علماً بأنه يفقد مفعوله بالذات منذ اللحظة التي يقترب فيها الضغط من النقطة التي يبدأ فيها التحول الى حالة السيولة. وهكذا اتضح أن قانون بويل صائب في حدودٍ معينةٍ فقط(13).
ولكن هذا لا يعني بأي حالٍ من الأحوال أنه تم تكذيبها او تفنيدها.
يبدو ان بوبر كان في موقع دوهرينغ، الذي عارض الحقيقة بالخطأ بشكلٍ ميتافيزيقي، على الرغم من حقيقة أنه، على عكس "فيلسوف الواقع"، فان بوبر يطمس الاختلافات بين هذين الضدين. دائماً ما يلتقي طرفا الضدين معاً. ان مثالنا مفيدٌ ايضاً بمعنى انه يُظهر عدم اتساق ادعاءات بوبر واتباعه في استخلاص نتائج معرفية جديدة من العلوم الطبيعية المعاصرة. لقد اظهرت المادية الدياليكتيكية في منتصف القرن التاسع عشر بالفعل أن اي فرضية علمية توضع خصيصاً، لا تنتمي الى فئة كل الحقائق، بل الى مجموعة محددة من الحقائق التي لا يمكن توقع مداها مُسبقاً، وستكون الفرضية العلمية صحيحة اذا تم تأكيد الفرضية العلمية في حدودٍ معينة، حتى عندما يتم اثبات حقائق مخالفة لها، والتي بدورها ستساعدنا فقط، اي هذه الأخيرة، على جعل الفرضية أكثر دقةً. يقول لينين: "حدود حقيقة كل موضوع علمية هي حدود نسبية لانها تتسع تارةً وتضيق طوراً من جراء نمو المعرفة اللاحق"(14). يُلخص هذا القول، تاريخ العلم دياليكتيكياً، في حين ان نظرية بوبر للتفنيد هي تفسير ذاتي-لاأدري للقانون الابستمولوجي الذي اكتشفته الماركسية. على أن بوبر، لا يُشير الى ماركس، انه يدعي بأنه حقق كشفاً يدحض الماركسية (المتهمة، طبعاً، بأنها ترفع مفهوم الحقيقة الى مصاف المطلق). نحن نشعر أنه من الضروري ذكر كل هذه النقاط لأن بعض الماركسيين يدّعون أن "مبدأ التفنيد" الذي يقدمه بوبر هو مساهمة مهمة، ان لم يكن في الفلسفة، فعلى الأقل في المنطق الحديث. من الواضح انه لم يخطر لهؤلا الكُتّاب ان بذرة الحقيقة الواردة في مبدأ بوبر تم تأسيسها وصياغتها بشكلٍ ملائمٍ قبل المادية الدياليكتيكية بفترةٍ طويلة. أما بوبر فهو ليس الا شكل متطرف من مظهر بذرة الحقيقة تلك، مع بعض التحفظات. أدى التطرف المتأصل في مبدأ التفنيد الذي طرحه بوبر، شهيراً على نطاقٍ واسع بل وحتى قدم له سمعةً فضائحية(15).
تؤدي نظرية بوبر للتكذيب حتماً الى انكار الفرق بين الفرضية والنظرية العلمية التي تم الحصول عليها عن طريق التأكيدات التجريبية وتم اختبارها عملياً، على سبيل المثال، يقول بوبر في كتاب نشره في السبعينيات أن "كل النظريات، بتطبيقها من خلال التكنولوجيا، هي فرضيات، قد يتم دحضها وتفنيدها جميعاً"(16). هذا الطرح، الذي يُعتبر جوهرياً في نظرية التفنيد، التي ظل بوبر مخلصاً لها، على الرغم من جميع الجهود لتعديل الطبيعة المقولية لمبادئها، يؤدي حتماً الى عدم قابلية تطبيق مفهوم الحقيقة على الافتراضات العلمية، القابلة للتفنيد حسب بوبر.
قام تلامذة بوبر من ألمانيا الغربية ج. البيرت و ج. لينك بايصال نظرية التفنيد الى حدودها المنطقية تماماً. انهم ينعتون التفريق بين النظريات الواضحة والفرضيات في العلوم الطبيعية بالدوغما، ويزعمون انه لا يوجد مبرر لهذا التفريق، ويستخلص لينك من هذا الاستنتاج: "اذا كانت كل المعرفة التجريبية افتراضية ومشروطة وخاضعة للتصحيح، معنى هذا ان أحداً لم يلتق الهة Goddess الحقيقية"(17). ان التحديدات Qualifications التي يضعها لينك، مثل بوبر وجميع انصار العقلانية النقدية في العلاقة مع الرياضيات والمنطق-(وهم قريبين في هذه النقطة من الوضعية الجديدة، التي تُعارض الرياضيات بالمعرفة العلمية التجريبية)- تؤدي الى اعتبار انه لا يوجد هناك ما هو صائب وما هو خاطئ في الرياضيات والمنطق. هذه التخصصات توضح منطقياً فقط الاستنتاجات الصحيحة او الخاطئة التي تكسر قواعد المنطق، الاستنتاجات التي يتم استنباطها من المقدمات غير الحقائقية. يدعي العقلانيين النقديين، مفسرين سمات المعرفة الرياضية، أن الرياضيات والمنطق لا يتحققان الا من خلال وسائل الاستدلال من محتوى المقدمات المسخدمة الممكنة، ونتيجةً لذلك تكون المعرفة التي يتم الحصول عليها بهذه الطريقة تحليلية بحتة، اي ان النتيجة متضمنة في المقدمات. وبالتالي، فان الاستنتاجات الرياضية توضح فقط المعرفة الموجودة بالفعل من خلال اعطائها شكلاً ادواتياً.
وهكذا، بينما تدّعي الوضعية الجديدة أن مفهوم الحقيقة يمكن أن ينطبق فقط على العبارات عن الحقائق التي تلقّت تأكيداً تجريبياً، فان العقلانية النقدية، برفضها نظرية التحقق، تدّعي أن قابلية تأكيد الفرضيات العلمية مهما كان نطاقه، لا يُعطي اي أساس للاعتراف بصحتها. سواءاً كان يوجد هناك العديد من التأكيدات او عدد قليل منها لفرضية علمية موجودة، فهي غير جوهرية لتحديد حالتها، لا يقوم بوبر بجعل مفهوم التحقق واضحاً. ويتم تجاهل حقيقة أن هناك مستويات مختلفة من التأكيد او التحقق من الفرضيات العلمية (الخبرة اليومية، المراقبة بالأدوات، التجربة واستخدام التكنولوجيا الخ)(18). ولكن بما أن قابلية تفنيد فرضية علمية، لا تخبرنا شيئاً عن قيمة الحقيقة التي تحتويها، يتم، في الواقع، استبعاد مفهوم الحقيقة من النظرية العلمية. هذا هو المنطق الموضوعي للشكية الفلسفية، اياً كان الشكل "الايجابي" التي يتم تقديمها به. لاحظ فيلهلم فيندلباند بذكاء "ان من يُثبت النسبية يدحضها"(19)، لانه، كما يدعي أتباع بوبر، اذا كانت كل العبارات التجريبية قابلة للدحض، فان هذا، بالطبع، ينطبق ايضاً على التأكيد بأن كل العبارات التجريبية قابلة للدحض.
ان النقطة التي تُسبب الانتحار النظري للعقلانية النقدية هي انكار المبدأ الابستمولوجي للانعكاس. يكتب لينك "ان اي نظرية فيزيائية هي نظرية معقدة ومنظومة من الفرضيات التي لا تعكس الواقع بأي حالٍ من الأحوال"(20). اذاً، ما هو محتوى النظرية، في مثل هذه الحالة؟ ما الذي تصفه القوانين التي اكتشفتها الفيزياء؟ يُجيب لينك على هذه الأسئلة بشكلٍ لا لُبس فيه: النظريات الفيزيائية هي "أدوات للكشف الادراكي اخترعها البشر"(21). ولكن ما هي المعرفة التي تُقدمها هذه الأدوات عن العالم الحقيقي؟ تبعاً للينك، انها معرفة افتراضية، وهي في التحليل الأخير، لامعرفة NonKnowledge. بالفعل، هذه ليست مجرد قناعة شخصية اذا جاز التعبير. انه موقفٌ ايديولوجي يشاركه، بالأساس، جميع ممثلي العقلانية النقدية (22).
مع ذلك، لم يكن التشكيك بمفهوم الحقيقة هو مهمة الفلاسفة البرجوازيين، والذين، كانوا على استعداد، من أجل انكار قيمة حقيقة الاشتراكية العلمية، للتخلي عن مفهوم الحقيقة كلياً، باتباع مثال نيتشه بصراحة. ولسوء الحظ، تغلغل المفهوم اللأدري الذاتي للحقيقة في بعض الدراسات العلمية الخاصة ايضاً، وبعبارةٍ أخرى، فقد ظهر الوضع الذي حلله لينين بشكلٍ نقدي في (المادية ومذهب النقد التجريبي) مرةً أخرى في ظروفٍ تاريخيةٍ جديدة.
لاحظ لينين، في ذلك الوقت ظهور المثالية "الفيزيائية" في العلوم الطبيعية، وبلا شك، تحت التأثير المباشر للفلاسفة المثاليين ماخ وافيناريوس. وهكذا، يكتب اليوم، عالم الرياضيات الانجليزي البارز والفيزيائي الفلكي هيرمان بوندي: "لا تزال الخلافات مستمرة (انني لم أفهم هذه الخلافات ولم اشارك فيها أبداً) حول ما اذا كانت هناك اي علاقة لكلمة (الصحيح) True بالعلم... انا عن نفسي أميل الى الموقف الذي يقول بأنه لا يوجد أي علاقة للعلم بمفهوم الحقيقة"(23). يوافق بوندي على مبدأ بوبر للتفنيد ويستنتج، مثله بأنه "اذا كانت التجرية او المراقبة تناقض النظرية، فان على النظرية أن تُدحض تماماً"(24). وانطلاقاً من هذا المبدأ التجريدي والعالمي كما يظهر، والذي لا طائل منه، يستخلص بوندي بعض الاستنتاجات المعينة التي مفادها أن نظرية نيوتن للجاذبية، على الرغم من اثباتاتها التي لا تُعد ولا تحصى، "تم دحضها في النهاية. أصبح من الممكن الكشف عن عدم اتساق النظرية، بعد ولادتها بـ200 عام، عن طريق اجراء بعض القياسات الدقيقة والصارمة للغاية. ان عدم اتساق نظرية نيوتن عن الجاذبية يعني فقط انه لا يمكننا أن نتوقع من هذه النظرية ان تُعطينا وصفاً شاملاً لسلوك قوى الجاذبية في جميع الحالات"(25). يُظهر تصريح بوندي هذا، بشكلٍ حي، سذاجته الابستمولوجية. لا يُتوقع من اية نظرية علمية أن تُقدم "وصفاً شاملاً ولا يُستنفد"، ولا يجب على اي مُنظّر ان يتظاهر بحل هذه المهمة لتحقيق المعرفة المُطلقة في اي مجالٍ معين. يدرك بوندي نفسه ذلك عندما يعتبر أن النظرية التي تدعي أنها "تحتوي على كل شيء" فانها نظرية غير علمية. انه يلاحظ، بحق، ان هذه النظرية ستكون بلا فائدة مرجوة، وستقف عقبة في طريق اي كشف علمي جديد. في الواقع، يجب أن تكون النظرية العلمية منفتحة على الاتسنتاجات الجديدة التي يتم التوصل اليها من خلال دراسة الحقائق غير المعروفة سابقاً، كل هذا صحيح. ولكن هل من الصحيح اعتبار ان مفهوم الحقيقة لا يمكن تطبيقه على الفرضيات العلمية وبأن نظرية نيوتن في الجاذبية تم دحضها؟ من الواضح، ان بوندي، مثل بوبر، الذي يُشير اليه، لا يزال غير قادر على تحرير نفسه من المنهج الميتافيزيقي لمسألة الحقيقة، التي تنص على أن الحقيقة النسبية، ليست في جوهرها حقيقة، لانها مقيدة في حدودها. من الواضح كذلك، ان بوندي، في محاولته جعل مفهومه غير العلمي في نظرية التفنيد يتماشى مع ضميره العلمي، يَعلَق باستمرار، ولحسن الحظ، يصدر تصريحاتٍ تدحض تماماً تأكيداته الخاطئة. انه يكتب "اذا خضعت النظرية لعملية تأكيد جدي كافٍ، يمكننا أن نؤكد حينها الى وجود مجالٍ معينٍ من المعرفة والمعرفة التجريبية التي تصفها هذه النظرية بشكلٍ كافٍ"(26). ولكن لماذا اذاً، والحال هذه، لا يمكننا أن نُطلق تسمية الحقيقة على هذه النظرية، مع الأخذ بطبيعة الحال، الطبيعة التقريبية لكل المعرفة العلمية والحقيقة نفسها؟
لقد تعاملنا الى حدٍ ما، أكثر مما يبدو ضرورياً مع استنتاجات بوندي الابستمولوجية، حيث أنها تُثبت بشكلٍ مقنع الضرر الذي الحقته العقلانية النقدية بالعلوم الطبيعية، على الرغم من أن منشؤها (اي العقلانية النقدية) هم أشخاص مؤهلين تماماً في المسائل المتعلقة بالعلوم الطبيعية. كان ماخ، كما نعلم، أحد الفيزيائيين البارزين في عصره. ولكن هذا، للأسف، لم يمنعه من أن يُصبح مُبدعاً لفلسفة مثالية ذاتية تُعمق الأزمة المنهجية في العلوم الطبيعية. يقول لينين "ان فلسفة عالم الطبيعيات ماخ بالنسبة لعلم الطبيعيات كما كانت قبلة المسيحي يهوذا تعني بالنسبة للمسيح. فان ماخ يخون بالطريقة نفسها علم الطبيعيات في صالح الايمانية، متنقلاً من حيث جوهر الأمر الى جانب المثالية الفلسفية"(27).
هذا ينطبق تماماً على بوبر وأتباعه. حتى أن بوبر يذهب الى ما هو أبعد من ماخ، الذي كان مُعادياً للايمان. أما بوبر، فيرى أن أن نظريته قد تغلبت على التناقض بين العلم والدين. انه يعلن أن "يبدو لي انه تم التغلب على نزاعات القرن التاسع عشر بين العلم والدين. وبما أن العقلانية غير النقدية هي غير متسقة، فان حل المشكلة لا يكمن في الاختيار بين المعرفة والايمان، ولكن بين نوعين من الايمان فقط"(28).
تستحق حقيقة القبول الساذج لبوندي للعقلانية النقدية والتي تُشير الى الانكار العَدَمي للانجازات العلمية الدائمة، تستحق فحصاً خاصاً بما أن هذا هو توضيح مباشر ليس فقط لمعنى المحاولات الذاتية المنهجية لالغاء مفهوم الحقيقة، بل ايضاً المحاولات الفلسفية. أعلن أحد أتباع بوبر الأمريكي توماس كون عن فكرة عدم اتساق ميكانيكيا نيوتن (من وجهة نظر العقلانية النقدية) بالشكل الأكثر قطعيةً، كتب يقول: "ان قبول نظرية اينشتاين ممكن في حالة واحدة فقط، وهي الادراك بأن نظرية نيوتن كانت غير صائبة"(29). اضطر كون الى الاعتراف بأن القليل من العلماء اضطروا للاعتراف بذلك. هذا أمر مفهوم لأن المسألة هي في الأساس مسألة تقييم ليس فقط الميكانيك الكلاسيكي، ولكن جميع العلوم السابقة ايضاً، الى المدى الذي تجاوت الاكتشافات العلمية الحديثة انجازاتها، والتي بدورها سيتم تجاوزها بعلوم الغد. هذا هو السبب في أن المفهمة المادية الدياليكتيكية الصحيحة لتاريخ العلم له أهمية اساسية، ستشمل مثل هذه المفهمة، بلا شك، مقولة النفي- بمعناها الدياليكتيكي بالطبع. لم يؤسس الماركسيين وحسب هذا الفهم العلمي لتاريخ العلم، على عكس العقلانية النقدية، بل ايضاً قام علماء الطبيعة أتباع المادية الدياليكتييكين عن غير وعي، بتأسيسه أيضاً. ان ريتشارد ويسكوب Richard Weiskopf يضع المفهوم العلمي عن الاستمرارية التاريخية ضد مفهوم العقلانيين النقديين عن الثورات العلمية المُبتذل، يقول: "ان نظرية النسبية لا تقضي على ميكانيكيا نيوتن، لا تزال مدارات الأقمار الصناعية محسوبة في النظرية النيوتونية، انها توسع مجال تطبيق الميكانيك الى حالة السرعات العالية وتُثبت أن نفس المفاهيم هي ذات أهمية عامة لكلٍ من الميكانيك ونظرية الكهرباء"(30). قدّم علماء الطبيعة السوفييت، الذين هم رواد واعين للمادية الدياليكتيكية، تصوراً معرفياً لتاريخ العلوم وهم يطوّرون فهماً فلسفياً علمياً للعلاقة بين الحقيقة النسبية والمطلقة. انهم لا يسلكون مسار مواجهة التطورية بالثورة كما يفعل ويسكوب بالفعل، لكنهم يُظهرون وحدة الشكلين التطوري والثوري في تطور العلوم الطبيعية. في هذا الصدد، نود أن نلفت الانتباه الى مقالة الأكاديمي السوفييتي فيتالي جينزبرغ بعنوان (كيف يتطور العلم؟)، حيث يضع نقداً لكتاب توماس كون (بُنية الثورات العلمية)(31). الشيء الوحيد الذي نود أن نؤكد عليه، على عكس كاتب هذه المقالة، بأن تأكيدات كون الخاطئة لا تنبع من حقيقة أنه ليس لديه معرفة وفهم كافيين للفيزياء. واذا تذكرنا تصريحات بوندي، المُقتبسة أعلاه، والذي بالكاد يمكن التشكيك بكفائته العلمية، يمكننا بكل تأكيد أن نستنتج أن الآراء الخاطئة للعقلانيين النقديين حول تاريخ العلوم الطبيعية لا تنبع من عدم كفاية معرفتهم بالعلوم الطبيعية، ولكن من موقفٍ فلسفي محدد، على وجه الخصوص، التفسير الذاتي اللاأدري للتفنيد كاجراء بحثي(32). لقد كان لدينا بالفعل الفرصة للاشارة الى انه حتى الفيزيائي البارز ريتشارد فاينمان ينضم الى صفوف نظرية بوبر للتفنيد في كتابه (سمات القانون الفيزيائي-ترجمة خليل علي الزيق، الجمعية العلمية السعودية للعلوم الفيزيائية)، التي ظهرت ترجمته الروسية عام 1968(33)، ان اخطائه، هي اخطاء فلسفية، ولا يمكن تفسيرها بدون تحليل نقدي لنظرية التفنيد البوبرية.
أثار مبدأ بوبر للتكذيب مناقشة طويلة وحيوية للغاية كما كان متوقعاً، لم يُشارك علماء الطبيعة فيه وحسب، بل شارك الفلاسفة ايضاً فيه بنشاط. ان الأطروحة الأساسية لنظرية التكذيب، والتي بموجبها يجب اعتبار النظرية العلمية خاطئة بمجرد اكتشاف اي حقيقة تستبعدها، هي تشويه واضح لتاريخ العلوم الفعلي. وكما يلاحظ ايغور نارسكي بشكل صحيح "اضطر بوبر للاعتراف انه اذا واجهت نظرية ما اي مثال يستبعدها، حتى لو كانت حقيقة واحدة فقط، فانه يجب التضحية بهذا المثال، وليس بالنظرية"(34). يخفف بوبر، الى حدٍ ما، من استنتاجاته المتطرفة المستمدة من مبدأه، في الطبعة الثانية من (منطق الكشف العلمي)، الذي ظهر بالترجمة الانجليزية عام 1959. انه يفعل هذا جزئياً في المقدمة، وفي جزءٍ آخر يقوم بذلك في العديد من ملحقات النص الرئيسي للدراسة(35). قام بوبر بعددٍ من المحاولات لجعل مبدأه "أكثر دقةً وقبولاً" في منشوراته اللاحقة ايضاً. على سبيل المثال، يُصرّح مراراً في كتابه (المعرفة الموضوعية) Objective Knowledge ان مهمة العلم هي البحث عن الحقيقة وتطوير النظريات التي قد تكون أكثر صحةً من النظريات الموجودة.، وهو يقول في أحد صفحات كتابه "في العلم، نحن نبحث عن الحقيقة"(36). ينضم بوبر الى صفوف الفريد تاركسي الذي يكرس له بوبر في الحقيقة هذا الكتاب، مؤكداً ان جدارة تاركسي كانت في اعادالاعتبار لمفهوم الحقيقة كتوافق بين العبارة والواقع، في وقتٍ ظهرت فيه وجهة النظر هذه عن الحقيقة مشكوك فيها(37). كيف يمكن لمثل أحد الملتزمين بنظرية التفنيد (التي لا ينوي بوبر التخلي عنها) ان يتصالح مع الاعتراف بالحقيقة كهدف،، ولكن ايضاً، الى حدٍ ما، مع محتوى النظريات العلمية؟ الحقيقة Truthهي حقيقة بقدر ما لا تتعارض مع الحقائق Facts وتتوافق معها. يشرح بوبر، متبعاً خُطى تارسكي أن "الحقيقة هي توافق مع الحقائق (أو الواقع)، او، بشكلٍ أكثر دقة، النظرية تكون صحيحة، اذا كانت تتوافق مع الحقائق فقط"(38). يجد بوبر حل هذا التناقض الواضح الذي لا يمكن حله، والذي يوجد، بالطبع، في اطار نظرية التكذيب، في التأكيد على أن العلم يبحث عن الحقيقة، ولكنه يجد ما يُشبهها Verisimilitude. ان المقصود من استخدام هذا المصطلح الأخير هو التغلب على اختزال الحقيقة الى رأي ومُعتقد الذي يُميز نظرية التكذيب. ان شبيه الحقيقة Verisimilitude، اذا جاز التعبير، هو تقريب معين للحقيقة والذي يخدم كمثال Ideal للمعرفة. يعتبر بوبر شبيه الحقيقة كشيء على مستوىً نقديٍ بديل لمفهوم الحقيقة التقليدي وغير النقدي. يُصرح بوبر قائلاً: "ان البحث عن شبيه الحقيقة هو مهمة اكثر وضوحاً وواقعيةً من البحث عن الحقيقة، ولكنني أعتزم اظهار شيءٍ آخر، على الرغم من ذلك. انني انوي أن أُظهر أنه على الرغم من أنه لا يمكن أن يكون لدينا حجج جيدة بما فيه الكفاية في العلوم التجريبية، او حتى التاهر بأننا قمنا بتحصيل الحقيقة بالفعل، يمكننا أن نمتلك حججاً صارمة وعقلانية لادعائنا باحراز تقدمٍ في الاتجاه نحو الحقيقة..."(39). وهكذا، تتحول الحقيقة الى مثالٍ Ideal لا يمكن الوصول اليه.
في حين أن النسخة الأصلية لنظرية بوبر في التفنيد رفضت أنكرت التقدم العلمي بشكلٍ اساسي، لانها اختزلت تاريخ العلوم بأكمله الى سقوط مستمر للنظريات الموجودة، فان النسخة المُعدلة الى حدٍ ما قد اعترفت بالتقدم العلمي، على الرغم من أنها اختزلته، في معظم الأحيان، الى تحسين النظريات الموجودة، في حين أن أهم مؤشراته (التقدم العلمي) هي الاكتشاف والبحث والتعرف على القوانين والظواهر الني لم تكن معروفةً من قبل.
في محاولته التوفيق بين تفسيره الذاتي للمعرفة بتطوره الحقيقي الموضوعي بجوهره، يقوم بوبر بتطوير مفهوم "العالم الثالث"، والذي هو، على عكس العالمين المادي والذهني (العالم الأول والثاني في مصطلحات بوبر)، هو عالم الأفكار والنظريات والبُنى المنطقية، التي، على الرغم من انها من صنع البشر، الا انها مستقلة عنهم. يقول بوبر: "يمكن للمرء أن يفترض ان العالم الثالث الذي صنعه البشر، هو، حتى بمعنىً محددٍ تماماً، عالم فوق البشر، انه متعالٍ فيما يخص صانعيه"(40). في نظرية بوبر، صار تأثير العالم الثالث علينا "أكثر أهميةً لنمونا ولتطوره-اي العالم-، أكثر اهميةً من نشاطنا الابداعي فيما يتعلق بهذا العالم"(41). ليست هناك حاجة هنا لاجراء فحص لهذا المفهوم، الذي يهدف الى اخفاء عدم الاتساق الابستمولوجي الذاتي واللاأدري. سنشير فقط الى أن مفهوم العالم الثالث المستقل الذي يتطور العلم في ثناياه، حسب بوبر، يزيد من تشويه مفهوم الحقيقة، الذي يتطلب، أولاً وقبل كل شيء (كما يضطر بوبر نفسه الى الاعتراف) ان تتوافق الأفكار الانسانية مع أشياء العالم الخارجي والطبيعة.
كان يمكن للمرء أن يتوقع أن يكون مُمثلي علم الطبيعة هم أول من يُدركون عدم توافق نظرية التفنيد (بما في ذلك احدث اصدار مُعدّل لها) مع الانجازات الحقيقية للعلم بما أن العقلانية النقدية حاولت أن تُكذبها. لكن هذا مستحيل في المجتمع البرجوازي المعاصر، حيث المثالية المُحسنة (خاصةً من النوع الابستمولوجي) هي الموقف الفكري الوحيد المحترم. وهكذا نرى، لماذا قَبِلَ بعض العلماء المتعلمين في هذه الأجواء الايديولوجية مفهوم بوبر عن الحقيقة باعتباره اكتشافاً حقيقياً، مثل ظهور الهٍ ميتافيزيقيٍ جديد. في كتابه المترجم الى اللغة الروسية يقول د. بويا D. Poiya: "بالمعنى الدقيق للكلمة، كل معرفتنا بخلاف الرياضيات والمعرفة الاستدلالية (التي هي في الواقع فرع من الرياضيات) تتكون من الفرضيات. هناك فرضيات أكثر جدارةً وموثوقية، على سبيل المثال، تلك الموجودة في بعض قوانين الفيزياء العامة"(42). ان مفهوم الحقيقة في وضع الرياضيات (وهو مجال تخصص بويا) له سمات محددة لم يتم دراستها بشكلٍ كافٍ (بقدر ما انها لا تشير الى الأشياء المادية) بالكاد قادر على شرح موقفه الفلسفي أو رأيه بأن العبارات في الفيزياء معقولة في أحسن الأحوال. من المهم جداً أن بويا يجهل المحتوى الموضوعي لمقدمات الفرضيات الفيزياء. يتم التأكيد على الجانب الذاتي من الفرضيات العلمية، التي يتم التعامل معها على أنها أقوال أو آراء مقبولة من قِبَل غالبية العلماء المختصين.
من الصعب أن نتصور أن الفيزيائيين يمكن أن يتفقوا مع هذا التفسير لقوانين الطبيعة الراسخة علمياً، والتي تُعتبر في النظام الابستمولوجي الذي ندرسه، ليست أكثر من افتراضات معقولة. تمتلك الفيزياء الحديثة مبررات كافية للتمييز بين الفرضيات المُثبتة والافتراضات، والأهم من ذلك، أن هذا التمييز ليس مجرد تمييز نظري، حيث أن الممارسة، باستنادها على النظريات الفيزيائية، تستطيع أن تؤكد، أنها تنطوي على انعكاسٍ صحيح للعمليات والقوانين الطبيعية. ان الحقائق Truths الموضوعية، وليس الافتراضات، هي النتيجة الضرورية والأكثر أهميةً لتطور العلم، ومع ذلك فان هذه الحقائق ليست مصونةً أو مقدسة: يتم اختبارها باستمرار، واعادة تأكيدها من جديد، وغالباً ما يتم مراجعتها واثراء محتواها، أو على العكس، تضييق تطبيقها. من المهم أن نفهم، مع ذلك، أن التقدم العلمي ينطوي على انتشار الحقائق Truths العلمية الراسخة والتخلص من الافتراضات التي لم تصمد أمام الاختبار والتجريب. وهذا يعني بالطبع أن بعض الفرضيات العلمية التي تم قبولها بشكلٍ عام تم دحضها، حيث تبين أنها ليست أكثر من أخطاء قُبلت بشكلٍ عام. يحدث ايضاً أن الفرضيات العلمية التي رفضها غالبية العلماء باعتبارها أخطاء تم اثباتها لاحقها كحقائق Truths أو مقدمات لحقائق على الأقل، من خلال أبحاثٍ جديدة وأكثر نجاحاً. كل هذا يُشير الى الطبيعة الأساسية لمبدأ موضوعية الحقيقة، الذي بُحثَ بشكل منهجي في كتابات لينين.
لكن التقدم العلمي يستلزم تنقيح المنهجيات والتقنيات والاجراءات من أجل تأكيد وتصحيح نتائج البحوث. لقد قال انجلز ذات مرة، ان العلم، بالمعنى الصارم والمعاصر للكلمة، بدأ مع ثورة كوبرنيكوس في علم الفلك، اي خلال عصر تحرر البحث العلمي من الوصاية اللاهوتية بفضل القضاء على الديكتاتورية الفكرية للكنيسة. ما برز في ذهنه وهو يكتب تلك الكلمات هو ظهور الدقة العلمية، التي افترضت أن العلم نفسه يمكنه أن يحل المسائل داخل نطاقه دون تدخلٍ خارجي. في الواقع، ولد العلم في العصور القديمة، وتم تحقيق بعض المنجزات البارزة في الرياضيات وعلم الفلك في تلك الأوقات. وبالتالي، فان ملاحظة آنجلز فيما يتعلق بظهور العلم بمعناه الصارم في فجر الحقبة الجديدة يجب أن يُفهم على انه مُجرد اشارة الى ظهور البحث العلمي المنظومي المنهجي الذي يُقيّم مُقدماته ونتائجه نقدياً. ان لتصريح انجلز، في هذا الصدد، أثر منهجي مهم للغاية ايضاً، في اشارته للنقد الذاتي باعتباره منهجاً للعلم الحقيقي. لقد كنا نتحدث عن ظهور العلمية بالمعنى الدقيق للكلمة، حيث أن عصر النهضة لم يكن سوى بدايةً لتلك العملية التاريخية التي لا يمكن (ولا تحتاج) لأن تُتوج بيقين مُطلق فيما يتعلق بالنتائج المُحصّلة. تُقدم لنا كل المراحل اللاحقة في تطور العلم صورةً لعملية مستمرة لصقل مناهج البحث واختبار نتائجه. هنا، بالطبع، لعب التطبيق العملي ولا سيما التكنولوجي لانجازات العلم دوراً مهماً، وهذا يتعلق بتأكيد لينين بأن هذه الممارسة هي تتويج للمعرفة قابلة التطبيق. بالطبع، لم يكن لينين يعني (أي) نوعٍ من الممارسة.
وهكذا، اصبحت العلوم أكثر صرامةً ودقةً على نحوٍ متزايد. في الواقع، هذا صحيح ليس فقط في العلوم الدقيقة كما يُطلق عليها. لكن العقلانية النقدية، يتجاهلها وتشويهها لهذه العملية التاريخية الحقيقية للتنقيح المستمر للبحث العلمي والتحسن المطرد في مصداقيتها، قامت بمراجعة مفهوم العلمية Scientificity نفسه. ان تصريح توماس كون البرنامجي مفيد في هذا الصدد: "يستنتج المرء من مقارنة الديناميكيا عند ارسطو أو الكيمياء الفلوجستية من جهة، بالعلوم الحديثة من جهة أخرى أن الأولى "كانت شائعة، في زمنٍ لم تكن عموماً أقل علميةً أو من صنع المزاج البشري أكثر من وجهات النظر المتداولة اليوم"(43). اذا اتفقنا مع كون، نجد أن مستوى العلمية يبقى دون تغيير في جميع العصور التاريخية. اياً كانت نتائج ابحاثنا تتضاعف، وأياً كانت دقة أدواتنا التقنية العلمية وأدواتها المنهجية، ستظل موثوقية النتائج العلمية في عصرنا لا تتجاوز موثوقية المعرفة العلمية في أي حقبة سابقة. هذا هو أحد المواقف الرئيسية للنسبية المُطلقة الحديثة، والتي يجب عدم الخلط بينها وبين مبدأ نسبية المعرفة العلمية، هذا المبدأ العضوي في منهجية المادية الدياليكتيكية.
ان اطروحة كون هي تعديل لأساس العقلانية النقدية التي بموجبها تكون الفرضية العلمية الموثوقة وتحتفظ بشكل اساسي على قيمة حقيقتها Truth Value (وبالتالي لا يمكن دحضها بالأساس)، مستحيلة من حيث المبدأ. ان الاعتراف بقيمة الحقيقة الدائمة لنتائج التقدم العلمي لا ينفصل عن جوهر العلم ذاته. يقول عالم الفيزياء السوفييتي ليف لانداو Lev Landau "ان اي نظرية منطقية مغلقة تم اثبات دقتها بدرجة من الصرامة التجريبية لا تفقد اهميتها أبداً". ويقول: "وأي نظرية لاحقة أكثر دقة تتبناها كنتيجة تجريبية، تكون صحيحة لمجالاتٍ خاصة"(44). لا تتفق العقلانية النقدية مع هذا التقييم النقدي، وبالرغم من هذا، الايجابي، لانجازات العلم. لا تأخذ العقلانية النقدية حججها من العلم، ولكن من التفسير المثالي للعلم. يدّعي بوبر ان اي برهان لفرضية علمية يتطلب مسبقاً حركة من البراهين من الأقرب الى الاخرى الأبعد وهكذا بطريقة لا تنتهي، حيث يصبح معنى اي فرضية علمية، بهذا، خيالي تماماً. يقول بوبر: "يخلق العلم بنياته على اساس علم الأمس، والأخير يخلق بنياته على علم أول الأمس وما الى ذلك. تستند علوم العصور القديمة على الأساطير ما قبل العلمية، وقد استندت هذه، في التحليل الأخير على التوقعات القديمة، وهكذا. فنحن نتوصل نمائياً Ontogenetically الى كائن مولود حديثاً، بينما نصل نشوئياً Phylogenetically الى عضوية وحيدة الخلية. يتضح أن هناك خطوة واحدة تصل الاميبيا الى اينشتاين"(45).
ان عدم الاتساق في مسلمات بوبر حول عدم امكانية اثبات الفرضيات العلمية تكمن في الافتراض بأنه يجب ان يكون هناك تسلسل لانهائي ولا مفر منه من الأدلة، وهذه اللانهائية المفاهيمية (الحمقاء بكلمات هيغل) لا وجود لها سواءاً في المعرفة او في الواقع الموضوعي. ان دراسة العلاقات المتبادلة والتفاعلات بين الظواهر وتحليل علاقة السبب بالنتيجة والقوانين التي تحدد العمليات المختلفة تستطيع ان تُثبت وصفها العلمي. ان تفسير الظواهر، بقدر ما يتم تأكيده في نظام قائم من المعرفة، يتم التحقق منه تجريبياً وعملياً ويتيح لنا التنبؤ بظواهر غير معروفة والسيطرة على العمليات الطبيعية، كما يحدث بالفعل في الانتاج الاجتماعي. بالطبع، يجب أن تكون الدراسة سليمة. ولهذا ليس هناك حاجة لاعادة بناء سلسلة من الأحداث في الماضي، والتي تسير الى ما لانهاية، والتي لا تحدد، على الرغم من تأكيدات بوبر، كل ما هو موجود وكل ما هو معروف في الظاهرة. نظراً لان العلم موجود بالفعل كنظامٍ من الحقائق ومناهج البحث المعروفة، فهناك ايضاً امكانية لاختبار صحة الفرضيات العلمية بشكلٍ فعال. هذه الصحة (بالطبع، في حدود الواقع الموضوعي للحقيقة) موثوقة بما فيه الكفاية، كما تُظهر التكنولوجيا الحديثة في الممارسة، على وجه الخصوص. يُظهر التقدم العلمي والتكنولوجي الحديث أن مستوى موثوقية البُنى التقنية المعقدة للغاية يرتفع باطراد. لا توجد حدود لعملية الاكتمال هذه، والتي ترتبط ارتباطاً لا ينفصم بالمعرفة العلمية- اي، على الأقل، لا توجد قيود تُستمد من عملية المعرفة.
ان حجج بوبر وتلامذته التأملية حول ما اذا كان يمكن البرهنة على البرهان، هو مثال نموذجي على نفس المدرسة الابستمولوجية التي كشف عنها لينين في نقده للوضعية. ان أكثر ما هو هزلي في هذه الحجج هو الفشل في تذكّر أن الفرضية لا يمكن اثباتها في حد ذاتها، وبالتالي، فهي غير سليمة، اذا اتبّع المرء بالطبع، منطق العقلانية النقدية.
ليست هناك حاجة الى الكثير الحرص الذهني لرؤية الوظيفة الابستمولوجية والاجتماعية-السياسية لأطروحة استحالة البرهنة العقلية. في كتابه (المجتمع المفتوح وأعداءه)، وهو أحد الوثائق الرئيسية للعداء الحديث للشيوعية، يُناقش بوبر التغيير الثوري للعلاقات الاجتماعية انطلاقاً من فكرة أن الأفعال الانسانية لا يمكن أن تستند الى أسس كافية، وبالتالي، فان أفضل ما يمكن فعله هو القيام بـ"اصلاحات طفيفة" للمجتمع الرأسمالي المعاصر. يشيد بوبر بادوارد بيرنشتاين ويعارضه بماركس والماركسيين، ويعلن ضرورة "الهندسة الاجتماعية" كنظام من التغييرات الصغيرة، التي على الرغم من ذلك، أكثر موثوقيةً وافادة، ونادراً ما يمكن ملاحظتها، وبالتالي، لهذا السبب، تُناسب ادراك استحالة تقديم تبرير مُرضٍ لأي فعل. انه يحاول تبرير هذا المنظومة الاجتماعية السياسية الرجعية من الآراء بحجج فلسفية سفسطائية واضحة، واحدى هذه الحجج ان اعادة تنظيم المجتمع ككلٍ محدد أمرٌ مستحيلٌ من حيث المبدأ. ان مفهوم التطور Development، في رأي بوبر، مبرر فقط في اطار الداروينية الاجتماعية، ولا يمكن تطبيقه على المجتمع، يقول: "ان فكرة حركة المجتمع، فكرة ان المجتمع يمكنه أن يتحرك على طول مسارٍ محدد في اتجاهٍ معين، مثل الجسم المادي، هي مجرد وهم شامل"(46). ليس من الصعب أن نرى أنه يُعارض المفهوم الميكانيكي للحركة كازاحة بسيطة، بنظرية تطور المجتمع.
هانس البرت، الذي يروج لهندسة بوبر الاجتماعية، التي تهدف الى الحفاظ على الوضع الرأسمالي القائم عن طريق اصلاحات معتدلة، يدعو الى نظرية التفنيد كنظرية تقوَض الايمان بنجاح اي مبادرة اجتماعية تاريخية. يكتب "في بعض الأحيان، لا يمكن للمرء أن يقتنع بأي بموثوقية اي نظرية محددة حتى عندما يبدو أنها قد حلت المشاكل التي نواجهها"(47). يتم تقديم البرنامج الرجعي للحفاظ على النظام الرأسمالي القائم من خلال اصلاحات محدودة تعزز اسسه الاجتماعية باعتباره البرنامج الاجتماعي الوحيد المعقول الذي أقرّته أحدث "فلسفة علمية"، والذي اعترف بها، ان لم يكن رسمياً، على الأقل، بشكل شبه رسمي، الاشتراكيين الديمقراطيين في ألمانيا الغربية باعتبارها وجهة نظرهم الفلسفية الأساسية، وبالتالي، فان الجذور الطبقية للتحريف اللاحق لمفهوم الحقيقة، واضحة. ستُصبح جذورها الابستمولوجية، والتي مررنا عليها سريعاً في هذه المقالة، واضحة بما فيه الكفاية على ضوء فحص محدد لمشاكل نظرية الحقيقة المادية الدياليكتيكية، والتي ستكون موضوع مقالٍ آخر (سأترجمه قريباً- مالك أبوعليا).

* الماركسي السوفييتي تيودور اليتش اويزرمان 1914-2017 تخصص في التاريخ والفلسفة في موسكو، ثم دافع عن اطروحته (المذهب الماركسي اللينيني في تحول الضرورة الى حرية) عام 1941 ودرّس في جامعة موسكو الحكومية منذ عام 1940 وعمل في القسم الاستشاري لمجلة (البلاشفة). خدم في الحرب الوطنية العظمى منذ عام 1941 وعمل كمسؤول سياسي في الجيش في فرقة الدفاع الجوي، وانتسب الى الحزب الشيوعي السوفييتي عام 1943. عاد الى التدريس بعد الحرب في معهد موسكو للاقتصاد في بادئ الأمر ومن ثم مساعد بروفسور ونائب رئيس قسم الفلسفة الأجنبية في معهد الفلسفة في جامعة موسكو الحكومية منذ عام 1947 وترأسه عام 1949. دافع عام 1951 عن اطروحة الدكتوراة المعنونة (تطور الفلسفة الماركسية على ضوء خبرة ثورات 1848). صار اويزرمان بروفيسوراً في المدرسة الحزبية العليا منذ أعوام 1962-1966 وبروفسور في الفلسفة في معهد الفلسفة في أكاديمية العلوم السوفييتية عام 1968، وبين أعوام 1971-1987 رئيساً لقسم تاريخ فلسفة غرب اوروبا وامريكا وبروفيسوراً في معهد دراسات العلوم الاجتماعية المتقدمة في جامعة موسكو الحكومية ومستشاراً علمياً لمعهد التربية في جامعة روسيا الحكومية وانتسب عام 1983 الى اللجنة السوفييتية لمكافحة الصهيونية، وهو عضو في أكاديمية العلوم في جمهورية ألمانيا الديمقراطية، وحصل على العديد من المناصب العلمية والثقافية الأخرى. حاصل على عشرات الجوائز والميداليات والتشريفات العلمية. لديه عشرات المؤلفات ومئات المقالات حول تاريخ الفلسفة الكلاسيكية الألمانية ونظرية العمليات التاريخية والفلسفية وحول نظرية المعرفة ومسائل نظرية تاريخ الفلسفة وتاريخ الفلسفة الماركسية ونقد النظريات الفلسفية البرجوازية ما قبل الماركسية والمعاصرة.

1- G. W. F. Hegel, Entsiklopediya filosofskikh nauk. Moscow, 1930, Part 1, p. 14
2- K. Marx and F. Engels, Soch., vol. 1, pp. 7-8
3- In Vospominaniiya o Markse i Engel se. Moscow, 1956, p. 96
4- See, for example, V. 1. Lenin, Poln. sobr. soch., vol. 29, pp. 176-77
5- H. Reichenbach, Modern Philosophy of Science. London, 1959, p. 136.
ومع ذلك، لم يُشارك برتراند راسل، احد مؤسسي الوضعية الجديدة، هذا الاعتقاد أبداً، والى حدٍ ما سبق العقلانية الجديدة، وذكر أن الحقيقة تنتمي الى مجال المعتقدات Beliefs. "تتكون كل حياتنا الفكرية من معتقداتٍ وحركاتٍ من رأيٍ واحد الى آخر عن طريق ما نسميه العقل. تُقدم المعتقدات المعرفة، وتتضمن اخطاءاً، انها تحمل حقيقةً وخطأً في نفس الوقت".
(B. Russell, The Analysis of Mind. London, 1921, p. 231).
وبالتالي يطمس راسل الفرق بين المعتقد والمعرفة، والرأي والحقيقة من خلال تقديم تفسير ذاتي لهذه المعارضات، والتي أكد الفلاسفة التقدميين ما قبل الماركسية، على طبيعتها الأساسية.
6- منطق الكشف العلمي، كارل بوبر، ترجمة الدكتور ماهر عبدالقادر محمد علي، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، ص161.
7- المجتمع المفتوح وأعداؤه-الجزء الثاني، كارل بوبر، ترجمة حسام نايل، دار التنوير للطباعة والنشر 2015، ص34.
8- دفاتر عن الدياليكتيك، فلاديمير لينين، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة بيروت، 1988، ص130.
9- المجتمع المفتوح وأعداؤه-الجزء الثاني، كارل بوبر، ترجمة حسام نايل، دار التنوير للطباعة والنشر 2015، ص34.
10- منطق الكشف العلمي، كارل بوبر، ترجمة الدكتور ماهر عبدالقادر محمد علي، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، ص106.
11- وبالتالي، يؤكد بوبر أن "مطلب وجوب تعريف كل كلماتنا أو مصطلحاتنا مطلبٌ لا يمكن الدفاع عنه شأنه شأن مطلب وجوب اثبات صحة كل عباراتنا الخَبَرية" المجتمع المفتوح وأعداؤه-الجزء الثاني، كارل بوبر، ترجمة حسام نايل، دار التنوير للطباعة والنشر 2015، ص40. ومع ذلك،، فان القضية ليست في المصطلحات، ولكن في المفاهيم الأساسية مثل الصحيح والخاطئ. ولكن ليس المقصود هنا، بالطبع، التعريف الشكلي، ولكن المقصود هو محتوى المفهوم الذي يُحدده البحث.
12- A. V. Panin, Dialectical Materialism and Postpositivism. Moscow, 1981, p. 76
13- انتي دوهرينغ، فريدريك انجلز، دار التقدم، 1984، ص107-108.
14- المادية ومذهب النقد التجريبي، فلاديمير لينين، دار التقدم، 1981، ص151-152.
15- لقد أُتيحت لنا بالعفل، من قبل، الفرصة للاشارة الى ان نيتشه بالأصل صاغ "مبدأ التكذيب" او التفنيد، قبل وقتٍ طويلٍ من بوبر، والذي، على عكس بوبر، لم يكن مهتماً بمنهجية البحث العلمي، بل كان مهتماً بزعزعة العلم من مواقع الفلسفة اللاعقلانية (فلسفة الحياة). See T. I. Oizerman, Glavnye filosofskie napravleniya
. Moscow, 1971, pp. 150-51
لقد قال نيتشه ما يقوله أتباع بوبر اليوم وما ينسبونه الى انفسهم: ان العالم "ليس شيئاً واقعياً، انه ليس الا تفسير واستنتاج من مجموع هزيل من الملاحظات، انه يتدفق كشيءٍ في عملية الصيرورة، ككذبة مستمرة ومتغيرة لا يمكنها ان تصل الى الحقيقة، حيث لا توجد اي حقيقة" Nietzsche, "The Will to Power." Poln. sobr. soch. Moscow, 1910, vol. 10, p. 294).
بالطبع، عبّر بوبر وأتباعه عن نفس هذه القناعات العدمية بقناعٍ علمي.
16- K. R. Popper, Objective Knowledge: An Evolutionary Approach. Oxford, 1979, p. 29
17- H. Lenk, Philosophie im teknologischen ZeitStuttgart, 1971, p. 64
18- يُشير ج. ي. روزابين G. I. Ruzabin بشكلٍ صحيح، الى ان بوبر في مناقشته لمسألة التحقق من النظريات العلمية، "يتجنب تماماً مسألة استخدامها العملي. وحتى عندما يتحدث عن استخدامها من أجل التنبؤ، فان هذه التنبؤات تستخدم فقط من أجل التحقق من النظرية".
G. I. Ruzabin, Nauchnaya teoriya. Logiko-metodologicheskii analiz. Moscow, 1978, p. 204
يمكن تفسير جهل بوبر هذا حول الممارسة- وهو المعيار الأهم للحقيقة- بأنه، اي بوبر، لا يرى الارتباط الضروري بين الممارسة والانجازات العلمية والتكنولوجية من جهة، ومعرفة العالم الموضوعي من جهة أخرى، والذي لا يُنكر بوبر وجوده. هذا يشبه اعتقادات اللاعقلانيين.
19- V. Vindel band, Prelyudii. St. Petersburg, 1904 , p3.5
20- Lenk, op. cit., p. 97
21- Ibid
22- يُعبر ك. هوبنر أحد اتباع العقلانية النقدية البارعين من ألمانيا الغربية، عن نفس الاطار العقلي بشكلٍ قاطعٍ أكثر: "بغض النظر عن مدى غرابة هذا الأمر بالنسبة لبعض السامعين، فانني لا أرى اي امكانية نظرية للتمييز بين الأسطورة والعلم، او لأحكم بأن الاغريق كانوا مخطئين ونحن على حق. ليس هناك واقع مُدرك يمكنه أن يخدم بمثابة (معيار ثالث) tertium comparationis يُساعد في التفريق بين العلم والأسطورة، ونحن نعيش في عالمٍ تم تفسيره علمياً او اسطورياً بشكلٍ مُسبق".
K. Hubner, "Mythische und wissenschaftliche Denkformen, " in H. Posner (ed.), Philosophie und
23- Assumption and myth in Physical theory, Moscow 1972, P.11
تجدر الاشارة الى أن ف. اورغانوف الذي ترجم هذا الكتاب الى اللغة الروسية، يُعلق على هذا التصريح على النحو التالي: "اذا كان المؤلف قد قال "الحقيقة المطلقة" فان فكرته ستكون دقيقة تماماً". يجب على المرء ان يميز ما بين النفهوم الميتافيزيقي عن الحقيقة، والمفهوم الدياليكتيكي عنها. ان الاعتراف الدياليكتيكي وفهم ماهية الحقيقة المطلقة سيكشف عن وحدتها بالحقيقة النسبية، اي انه يهر أن الحقيقة المطلقة هي مطلقة ونسبية في نفس الوقت.
24- Ibid. P9
25- Ibid. P11
26- Ibid. P12
27- المادية ومذهب النقد التجريبي، فلاديمير لينين، دار التقدم، 1981، ص406.
28- K. R. Popper, Objective Knowledge: An Evolutionary Approach, Oxford, 1979, p. 246
29- بُنية الثورات العلمية، توماس كون، ترجمة الدركتور حيدر حاج اسماعيل، مركز دراسات الوحدة العربية، 2007، ص178-188.
30- R. Weiskopf, Fizika v dvadtsatom stoletii. Moscow, 1977, p. 35
31- This Article was Published in English as a part of Book (the Physics of a lifetime-Reflictions on the Problems and Personalities of 20th Century Physics, Vitaly. Ginzburg, English Translation Maria Aksenteva, Springer, 2001, P201
مالك أبوعليا
32- لتجنب سوء الفهم، يجب التأكيد على أن الفيزياء الحديثة لم تقصر مجال تطبيق بعض عباراتها العلمية فقط، فقد تم دحض بعض الفرضيات الأساسية لنظرية نيوتن. يكتب س. فافيلوف: لقد ظهرت صورة الفراغ النيوتوني كحاوية فارغة تتوزع فيها المادة وفكرته عن الزمان كحركة صرف بدون مادة، بلا اي معنىً في نظرية اينشتاين".
S. I. Vavilov, Lenin i sovremennaya fizika. Moscow, 1977, p. 66
بالطبع، هذه ليست الافتراضات الوحيدة لميكانيكيا نيوتن التي تجاوزتها الفيزياء الحديثة.
33- see T, I. Oizerman, "Razvitie poznaniya i relyativizna -Budushchee nauki." Mezhdunarodnyi ezegodnik, no. 11. Moscow, 1978
34- I. S. Narskii, "Metodologiya i epistemologiya K. Popperav ikh sushchestve i sledstviyakh." Kriticheskii ratsionalizm Filosofiya i politika. Moscow, 1981, p. 89
35- K. R. Popper, The Logic of Scientific Discovery. London, 1972, see appendices, and new appendices (pp. 285-465).
36- K. R. Popper, Objective Knowledge, An Evolutionary Approach. Oxford, 1979, p. 69.
37- Ibid. P60
38- Ibid. P44
39- Ibid. P57-58
40- Ibid. P159
41- Ibid. P161
42- D. Poiya, Matematika i pravdopodobnye rassyzhdeniya, Moscow, 1975, p. 14
43- بُنية الثورات العلمية، توماس كون، ترجمة الدركتور حيدر حاج اسماعيل، مركز دراسات الوحدة العربية، 2007، ص53.
44- Cited by M. Vol kenshteii, "Biofizika v krivom zerkale." Nauka i zhizn , 1977, no. 7, p. 62
45- K. Popper, ltNaturgesetze und Theoretische Systeme," in H. Albert (ed.), Theorie und Realitat. Tubingen, 1972, p. 47
46- K. R. Popper, The Poverty of Historicism. Boston, 1957, p155
الكتاب متوفر باللغة العربية: عقم المذهب التاريخي- دراسة في مناهج العلوم الاجتماعية، كارل بوبر، ترجمة عبد الحميد صبره، دار المعارف، 1959.
47- H. Albert, Traktat uber kritische Vernunft. Tubingen, 1969, p. 49

ترجمة لمقالة:
Some Problems of the Scietific-Philosophical Theory of Truth (1). Recent Epistemological Subjectivism and the Problem of Truth, Theodor Oizerman, Soviet Studies in Philosophy, 21:4, 7-32, 1983