رواية ( عرف الديك) ح2

عباس علي العلي
2020 / 5 / 23

في مضيف الشيخ كان العبد مناور هو المدبر والمستشار والخادم والخبير الملاصق لشيخه، لا يأكل المحفوظ إلا من يده ولا يشرب قهوة لا يعدها بمزاج خاص كاتم الأسرار والحاكم على من دونه من العبيد والفلاحين والرعيان، فهو شيخ صغير أيضا لكن على الصغار فقط، لطوله ونشاطه وقربه من ولي الأمر كان يختار من الوصيفات في بيت الشيخ زوجات، طلق ثلاث وما زال يحظى بأثنين، يمزح معه جلساء المضيف وندماء عمه كيف يجوز له أن يتزوج بستة والشيخ ما زال أعزب؟ يرد عليهم كل نسوان العبيد لا يساوين أصبع زوجة للشيخ وأنه مستعد للتنازل عن حقه كاملا له لو رغب الشيخ بهن....
مناور ليس فقط خادم وعبد لسيده فهو عينه أيضا التي لا تغفل عاش مع أبو عواد عمرا طويلا لا ينسى حديث ولا ذكرى، وهو أمين سر الشيخة أيضا ومستودع أوامرها السرية، يفهم مزاجهم وينفذ ما يريدون حتى لو كان الأمر ليس من واجبه، تتملكه غريزة عجيبة في إرضاء الجميع دون أن يتشكى أو يتذمر، بعض العبيد الذين تحت سيطرته غالبا ما ينالون عقابهم منه لأنهم لا يعرفون ما هو واجب وما هو مسموح لهم، لذا لم يجد الشيخ عواد أفضل منه برغم أنه أدرك في العمر وكبر.
منذ ليلة الأمس يلاحظ مناور أن الشيخ مهموم ليس له مزاج بالخروج من المضيف حتى زائريه لم يعير لهم ذلك الواجب من الإصغاء، هل يكون فعلا يفكر في وردة أو أشغله أعتراض الأم عليها، ما يدركه جيدا أن ماهود قد يكزن له رأي أخر وهو الذي هجر عشيرته وأهله وطلب حماية وجيرة صديقه القديم المرحوم الشيخ أبو عواد، يعرف أيضا أن حبل الود بين ماهود والشيخة ترفة مقطوع من زمان لكنه لا يعرف السبب ولم يسأل عنه، أعانك الله عمي شيخ عواد ...
_ماهود...
_نعم عمي..
_ عمك ماهود لم يحضر اليوم هل هو مريض أم هو خارج الديرة ؟... أذهب لبيته وأخبره بأن يلحقني عند الإيشان، وخبر الربع يجهزون فرسي لا أحد يرافقني.
_ نعم عمي حاضر ... ولا أنا.
_نعم ولا أنت..
_ تمام محفوظ صار.
لا أحد سيكون سعيدا بقدر العم ماهود وهو يسمع كلامي فقد أحسنت الخيار وها أنا أستمع جيدا لنصائحه جيدا، الرجل الحكيم دوما يدفع الناس للمكان الصحيح أظنه سيفهم سريعا كلامي، كثيرا ما لمح لي في جلساتنا أن إكمال الرجل لدينه إكمال لعقله وتحصينه من الهوى، سيكون سعيدا بالتأكيد فقد إنصاع الديك لأمانيه، هذا جيد ولكن هل من المستحسن أن أفاتحه بأمري دون أن أستشير أولاد عمي وأقربائي المقربين... لا فقط سأتولى جس نبضه وأرى هل حقيقا أنه كان يريد ذلك... وردة أه منك ماذا رميتي بي في ناري فأشعلتي لهيبها... كيف سيكون شكل فرسي الجمح وهي تطأطأ براسها حياء من فارسها، أم أنها تحتاج فقط لترويض قبل أن ترافقني.... هذا الإيشان الواسع سيكون مثل قلبي نتسابق فيه فلا هي تسبقني ولا أنا أقبل أن أكسر كبريائها... نحن مع بعض وعلى بعض لا يهم إن كان الأمر تفهمه كما أفهمه أنا....
أقبل العم ماهود على فرسه كأنه سيواجه أمرا يدركه جيدا من بين عيون الشيخ عواد، نزل من فرسه يقوده بأتجاه الرجل وحين قرب منه تركها بلجامها ترتاح فهي تعرف أنها لا تبتعد كثيرا عن مالكها، أستقبله بوجه بشوش يتكلم بنظراته أكثر ما يحكي بلسانه، أخذ الرجلان يسيران بهدوء نحو الغرب فيما تقترب فرس ماهود من فرس الشيخ بتوجس، الخيل تعرف أيضا لغة التقارب..
_ عمي الشيخ ماهود كنت أرغب بحديث خاص لا يعلمه إلا الله وأنا وأنت...
_ ومناور أيضا!...
_ لا بالتأكيد لا يعرف هذا الأمر فهو سري إليك..
_تكلم فأنت تعلم أني كثيرا ما أضمرت المحبة والوفاء لأبيك.. كنا كأخوين لا يقطع أمرا حتى يخبرني به حتى قبل نفسه.. وأنت كذلك ستكون محل وفائي له.
_ أعرف تماما كل هذا ولذا جئتك أنت قبل كل الناس.. أعرف أيضا أنه ليس بالأمر الغريب أن أستشير حكيم خبر الدنيا وخبرته...
_ إذا كنت متأكدا من هذا فقل الآن ما عندك فأنا كلي سمع وطاعة...
_ أتذكر يا عم في يوم من الأيام حدثتني كيف يكون الرجل حكيما؟ وكيف يكون الرجل مستقيما لو أكمل دينه فقد يكون ذلك لأن يكمل عقله؟..
_ ألم أقل لك أن مناور كان يعرف ذلك.
_ ولكني لم أخبر أحدا حتى الشيخة والدتي..
_ لا تستهين بالرجل فقد نال من الحكمة شيئا فقد كان قريبا منك ويعرف ما في نفسك قبل أن تقول، أن يكون الرجل عبدا لك لا يعني أنه فقد حكمته أيضا، العبيد نراهم أحيانا فيهم شيء مما يفتقده البعض من الناس، على كل حال الرجل لا يعرف التفاصيل ولكن أنا فهمت من حديثي معه أنك بشأن خطوة تنتظرها وينتظرها الناس، فقلت ربما أدرك الآن أنه بحاجة لمن يملأ عليه وحدته، هنا وافق مناور لأستنتاجي وقال لا أظن غير ذلك يشغله... لا تفرط برجل يعرفك قبل أن تنطق ولا تفرط برجل يعرف عنك أكثر مما يجب.
_ إذا ما هو رأيك بكلامي...
_أقول هنأ الله من أخترت ولكن لا تتزوج من عنيدة ولكن تزوج من كريمة، فالعنيدة تستنزفك والكريمة تعينك، النساء عالم لا يدخله وينجح بأقتحامه إلا من جرب بهدوء... لا تركن لقول مادح ولا لصوت صادح... أسمع الهمس فقط فهو الذي يسترك لو أخطأت لا سامح الله.
_ يعني هذا أنك مؤيد لكلامي ومشجع...
_ لم أسمع كلامك بعد، ما كنت تتحدث عنه هو كلام الناس وكلام الواقع... أترك نفسك في أمتحان قبل أن تجيب وأسمعك عندها سأقول لك كل شيء... قبل ذلك أستعن بكلام من هم أقرب لك أجمعه في كيس وأحتفظ به بعيدا عن الضجيج وأخرجه واحدا واحدا، لا ترمي أي كلام لا يعجبك ولا تحتفظ بأي كلام يفرحك، فلا تدري من أي قلب وعقل صدر، فكل الكلام هو رغبة الأخر لك وتمنياته لك ولكن بالأخر أنت من ستدفع الثمن..
_ نعم عمي أدرك أن ليس كل الكلام من ذهب وليس كل كلام طين...
فرس الشيخ عواد وفرس الحكيم بينهما ود بالرغم من أنهما قليلا ما يلتقيان، حتى الحيوان أحيانا يختار أصدقائه بعناية، ركبا معا وكل منهم يواصل الحديث من على ظهر ناقلته حتى وصلا المضيف... كان مناور قلقا جدا فلأول مرة يخرج الشيخ لوحده ويتركه ها هنا، لا بد أنهما تكلما كثيرا.. هذا يفسر طول غيابهما.. أسرع إلى تهيئة المكان والمضيف عامر برجاله الذين ينتظرون اللقاء المعتاد....
ساد الصمت بعد دخول الرجلين إلى المضيف وكل أخذ مكانه ينتظرون أن يفتح الشيخ عواد الحديث عن المهمة التي جاء منها، الحضور يعرفون أن الكلام أحيانا لا يمكن البدء به دون مقدمات تفتح الطريق له، بادر الشيخ أبو شعلان وهو أكبر ما في عائلة الشيخ عواد وكان ممن يطمح لخلافة عمه بالسؤال..
_ عسى الإيشان ريح بالك يا محفوظ؟.
_ والله يا ابن العم الي يريح بالي أن أراكم أولا وأرى الخير فيكم، الإيشان يبقى دوما مثل الي يتكلم في بئر حتى لا يسمعه أحد أو لا يريد أن يسمعه أحد حتى يقرر هو أن الكلام موزون ونافع.
_ الله يريح بالك ولكن كنا نتوقع أن في الأمر سر لربما لا نعرف لغة الأسرار..
_ لا أسرار مع عشيرتي فقط كان فضفضه للنفس والشيخ ماهود حكيمنا ويعرف لغة العقول، المهم لا شيء يمكن أن أتركه ورائكم أنتم أهلي قبل أن أكون رأس يسمع ويجيب...
تدخل الحكيم ماهود ليغير مجرى الحديث ويطمئن الجميع أن اللقاء كان مجرد حديث يدور في بال الجميع، ليس المهم ما دار المهم أن لا نتصرف خارج الأصول، ذكر لهم حكاية طويلة أستمعوا لها وهم يعلمون أن فحوى الحكاية ستفسر للحليم ما دار...
_ في زمن الشيخ أبو عواد والبعض يتذكر أنه زارنا رجل لا يبدو عليه من خلال ما يلبس أنه رجل له مكانة خاصة أو قد يكون مجرد عابر سبيل، جلس عند باب المضيف وكان مزدحم بالناس، أظن كان الوقت عيد أو مناسبة، المهم كان مطرقا مهموم ضاقت به الحيلة، ركز الشيخ عليه جيدا في شرب القهوة وفي جلوسه الطويل صامتا، عرف الشيخ يرحمه الله أن ضيفه ليس عابر سبيل بل صاحب حاجة، وحاجة ليست هينه بالتأكيد لكن المجال لا يسمح والعرف لا يجيز أن يسأله بالمباشر، كان علة الشيخ أن لا يترك ضيفه حائر ينتظر، فأشار الى مناور أن يجهز فرسه وفرس ثاني دون أن يوضح الأسباب، بعدها نهض الشيخ وأقبل على ضيفه يسأله أن يرافقه للإيشان وذهب الرجلان كل على فرس ونحن ننتظر عودتهما دون أن نسأل، في فجر اليوم التالي ذهبنا برفقة الشيخ وضيفه لنقضي حاجة الرجل وعدنا بعد ثلاثة أيام، لا أحد منا كان يعرف ما دار بين الشيخ وضيفه حتى وصلنا إلى عشيرته وأكملنا الواجب... أحيانا يكون الستر والمحافظة عليه أهم منه.
تذكر الحاضرون أو بعضهم تلك القضية وتشعب الحديث حتى حل موعد الغداء وأنشغل الحاضرون بكلام جانبي، الشيخ عواد يراقب عيون الحاضرين ليعلم منهم من عرف ماذا قال الرجل لهم توا ومن لا يهمه من قال، عيناه كانت كعين النسر تتابع بدقة علامات الوجوه وإمارات الرضا أو الأستنكار، هذه الفرصة مهمة له حتى يعرف من معه ومن يحاول أن يبتعد قليلا.