السيسي وحربه الوهمية ضد إرهاب مفبرك (3 - 2) : 2) سيناء اضحية الجمهورية العسكرية على مذبح إسرائيل الكبرى

أمين المهدي سليم
2020 / 5 / 23

الحرب التى تدور رحاها الآن في شمال سيناء وفرضت أجوائها على باقي أرض الفيروز استوفت كل شروط الحرب القذرة : تعتيم اعلامي كامل حتى أنهم لفقوا حكم بالسجن 10 سنوات لباحث متميز ومتخصص في شئون سيناء هو إسماعيل الإسكندراني، ابواق دعائية مغرضة وملوثة تماما، غامضة الأهداف ومشبوهة، العنف الأكبر فيها ضد مدنيين فقراء عزل مسالمين، تديرها سلطة فقدت كل أوزانها القانونية والسياسية والأخلاقية والوطنية، وأدواتها جيش وشرطة يعملان خارج اطار أي منطق إنساني أو قانوني أو أخلاقي ولم يتمتعا في أى وقت مضى طوال 68 سنة هى عمر الجمهورية العسكرية بالشرف المهني أوبحسن السمعة.

ارتبطت الفوضى والارتباكات والحروب في سيناء بإنقلاب يوليو العسكري في 1952، واضافة إلى ذلك تم اخضاعها للإدارة العسكرية ويوما بعد يوم تم فصلها عن الوادي واسدال الغموض على أوضاعها ومع الغموض حلت الشبهات، وهذا موضوع يطول شرحه، ولكن ماله مغزى تاريخي عميق، أن ديفيد بن جوريون كان أول المهنئين بنجاح الإنقلاب إذ أرسل برقية تهنئة إلى محمد نجيب صباح يوم 24 يوليو، ثم ذهب إلى الكنيست وقال :"الأوضاع الجديدة في مصر تسير لصالحنا" (من مذكرات موشيه شاريت). ومما يقدم تفسيرا لسلوك العجوز الصهيوني التوسعي أنه في نفس العام 1954 أحبط بالتحالف مع عبد الناصر أهم مشروع حقيقي وتفصيلي للسلام ولتسوية الصراع والقضية الفلسطينية في العمق وهو مشروع موشيه شاريت للسلام، وكان شاريت رئيسا للحكومة وحصل على تفويض بأغلبية ساحقة من الكنيست لتسوية الصراع. وفي نفس السنة أيضا حاول عبد الناصر توطين الفلسطينيين في سيناء، وأحبط الحزب الشيوعي الفلسطيني في غزة مسعاه؛ فاعتقلهم عبد الناصر وسلم غزة للإخوان المسلمين والتعليم الديني. وإثر العدوان الثلاثي على مصر في اكتوبر 1956 وبعد وقف النار بقرار من مجلس الأمن، طلب الوفد المصري في مجلس الأمن بانسحاب بريطانيا وفرنسا، ولم يطالب بانسحاب إسرائيل من سيناء، وعندما تسائلت الوفود العربية والدولية عن السبب وقع الوفد المصري في حيرة وسأل الخارجية المصرية التى سألت بدورها عبد الناصر فأجاب باجابة عبثية :"نحن لها" ولم يكن لديه جيش آنذاك، وتسبب في إنسحاب بريطانيا وفرنسا في نوفمبر من نفس العام، بينما تأخر إنسحاب إسرائيل إلى أبريل 1957 وبعد أن حصلت على الكثير من المكاسب الثمينة منها الاعتراف بممر تيران ممرا دوليا مما يعني الاعتراف بضم إسرائيل لقرية أم الرشراش المصرية (إيلات) وحق المرور بالتالي للعلم الإسرائيلي، ووضع قوات طواريء على الأراضي المصرية فقط، والعديد من الشروط حولها عبد الناصر إلى إعلان مضاعف بالحرب في 1967، وكرر نفس الفعلة بشهادة د. محمد البرادعي في مقابلة مع قناة العرب الفضائية من لندن في 7 يناير 2017، وكان عضوا في الوفد المصري في مجلس الأمن عندما عرضت الولايات المتحدة وقفا للحرب بعد أن لاحت هزيمة العرب المدوية، مع رجوع الجميع إلى خطوط ماقبل الحرب؛ فرفض عبد الناصر وما أشبه الليلة بالبارحة.

يطنطن السيسي كثيرا بحربه المزيفة ضد الإرهاب ويعتبر أن قلب معركته هو سيناء، ويبالغ كثيرا على نحو صبياني زاعما أنه يخوض معركة نيابة عن العالم. ولا يدرك أنه لا أحد يصدقه، حتى من يلوذ بحمايتهما وهما إسرائيل وأمريكا لا يأخذونه مأخذ الجد، ويتنصلان من جرائمه رغم مساندتهم له، وكأنهم يقولون للعالم نحن لنا مصالح معه، ولكنه فاسد وطاغية، في وضع شديد الغرابة في التاريخ الحديث.

في مارس 2019 قال وزير الدفاع أمريكي مارك اسبر في حضور صاحب الوجه الأملس الرخيص محمد زكي وزير دفاع السيسي خلال زيارته لواشنطن :"نحن نساند مصر في مكافحة التمرد المسلح counterinsurgency في سيناء" وكما هو واضح رفض أن يستخدم تعبير إرهاب، ولم ينبس صاحب الوجه الأملس الرخيص ببنت شفة، وهكذا كل بيانات الخارجية الأمريكية والإعلام الحر في أميركا والعالم الغربي، وأيضا في كل مكاتبات وبيانات الأمم المتحدة، ولسبب منطقي وأخلاقي تماما، وهو أن العنف ضد الجيش والشرطة في دولة ديكتاتورية لايعد إرهابا.

غير أن الأغرب كان موقف إسرائيل بالرغم من أنها تحت حكم أكثر الأجنحة اليمينية تطرفا وفاشية تحت قيادة نتنياهو عراب صفقة القرن وحامي حمى النظام العسكري المصري وأربابه الخليجيين، إذ نشرت النيويورك تايمز في سبق صحفي عالمي في 3 فبراير 2018 تحت عنوان "تحالف السيسي وإسرائيل السري"، أن إسرائيل شاركت بأكثر من 100 طلعة طيران في سيناء بموافقة مصر وبطائرات لاتحمل أية علامات تدل على جنسيتها وفي مسارات جوية مضللة، وخرجت جريدة هاآرتس الإسرائيلية لتؤكد ذلك في 2 يونيو 2018 ، وتلقف السيسي خبر النيويورك تايمز والتأكيدات الإعلامية الصحفية في حديثه مع برنامج 60 دقيقة على محطة سي بي اس الأمريكية في 4 يناير 2019 محاولا استثمار ذلك واستخدام نفوذ وثقل إسرائيل في محاولته العبثية لاقناع العالم بحربه المزيفة ضد إرهابه المفبرك، واعترف بهذه المعلومات وبمشاركة إسرائيل معه، ولكن إسرائيل تنصلت منه ومن جرائمه، وأعلنت رسميا في 3 يوليو 2019 أنها لاتشارك في أي أعمال عسكرية ضد أحد في سيناء ولكن عملياتها هدفها شاحنات نقل السلاح إلى غزة، وبدلا من الدعم والتصديق يتلقى سيسي صفعات مهينة من عرابيه وحماته، والأسوأ أنهم بذلك وبصفة دائمة يقومون بتحجيمه والتقليل من شأنه هو وجيشه الفاسد الفاشل الجبان، وتركوهما في العراء، والأهم من وجهة نظري أنهما تركا لنفسيهما بابا مفتوحا وخطا للرجعة أمام شعوبهما لتبرير المساندة "المؤقتة" لهذا النظام المجرم.

تزداد صعوبة عملية تصديق رواية السيسي عن الإرهاب الإسلامي في سيناء، ليس لأن الإرهاب الإسلامي ليس حقيقة، بل هو حقيقة قوية منتشرة بطول وعرض الشرق الأوسط وتهدد العالم بأثره، ولكن الحقيقة الثانية الملازمة لهذه الحقيقة هى أنه لم توجد جماعة إسلامية إرهابية إلا وكان من خلفها نظام عربي، لأن الإرهاب بأنواعه كان أداة سياسية عربية رسمية طوال الوقت، حتى أن بعض القوى غير العربية استغلته، وهذا موضوع عميق ومعقد لايتسع له المجال هنا وسبق تناوله مرارا، بل إن هذا يصدق على كل أنواع الإرهاب منذ كان قوميا على يد وديع حداد وأبو العباس وزهير محسن وصبري البنا (أبو نضال) الذى أقام سنتين في مصر في نهاية التسعينات في فيلا مخابراتية رقم 68أ في شارع جسر السويس، في بعثة ليقوم بتدريب جماعات إرهابية قومية وإسلامية، وسرقت المخابرات أمواله في نهاية البعثة وتقدر بحوالي 13 مليون دولار في حسابين بنكيين، ثم تخلص منه صدام في بغداد، ربما لاغلاق ملف شائك. نفس الشيء مع القاعدة ومصعب الزرقاوي والجولاني وداعش وغيرهم، وهذا يشرحه باستفاضة الباحث الألماني المدقق والمتخصص كريستوف رايتر في كتابه "السلطة السوداء : حول نشأة داعش..من كتائب البعث العراقية إلى تنظيم الدولة الإسلامية"، ونفس الشيء ينطبق على علاقة حبيب العادلي وزير داخلية مبارك بتفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية ليلة رأس سنة 2011 بواسطة مجموعات متطرفة شكلها جهاز أمن الدولة تحت اسم المجموعة 77 من 22 مجموعة كل منها تتكون من 4 ممن تم تجنيدهم من الإرهابيين في السجون وكل مجموعة يقودها ضابط، وكانت المجموعة التى فجرت القديسين بقيادة المقدم بأمن الدولة فتحي عبد الواحد، وهذه المعطيات توصل إليها جهاز المخابرات البريطاني الخارجي M I 6، وليس الوضع في سيناء استثناء، ويفيد في ذلك وضع بعض الحقائق الحديثة على أرض سيناء، ومنها أن انبوب الغاز الذى كان ينقل الغاز المصري إللى إسرائيل بثمن زهيد جدا أقرب إلى تكلفة النقل تم تفجيره 24 مرة، واستحقت إسرائيل 2 مليار دولار كتعويض نتج عن تحكيم دولي، واشترت إسرائيل الخط ب 500 مليون دولار تقريبا من داخل مبلغ التعويض، هذا الخط ينقل الآن الغاز الإسرائيلي إلى مصر بأكثر من ضعف الثمن العالمي ومنذ 7 أشهر تقريبا ولم يمس. ومما يثير الدهشة أكثر أن محطة المضخات التى اقيمت منذ أكثر من عام على ترعة السلام في منطقة بئر العبد على بعد 100كم من حدود النقب والمأمول أنها ستوصل ماء النيل لإسرائيل لم تمس بسوء أيضا، في نفس الوقت تهاجم أكمنة ودوريات جيش وشرطة مسلحة بالدبابات والمدرعات. كما أنه في مرات عديدة سابقا (لم تعد تحدث بينما عمليات تهريب المخدرات عبر الحدود شبه يومية) تم تجاوز الحدود المشتركة بين إسرائيل ومصر والاعتداء على قوات وممتلكات إسرائيلية وكان المسلحون من جنود الجيش والشرطة المصرية وهذا ثابت وموثق، كما أن قوات حفظ السلام متعددة الجنسية في سيناء تغطي 10 آلاف كم2 ولم تتعرض لأي اعتداء خاصة بعد أن أعربت الولايات المتحدة عن رغبتها في سحب القوات، وهكذا يكون إرهاب السيسي الإسلامي من نوع خاص جدا لايحقق سوى أهداف النظام العسكري في مصر.

تفجير الطائرة الروسية فوق سيناء :

في 31 اكتوبر 2015 انفجرت طائرة روسية فوق سيناء بعد أن غادرت مطار شرم الشيخ ب 10 دقائق، وسرعان مااتهمت السلطات المصرية الإرهابيين الإسلاميين في سيناء وأدعت بعض أوساطها أن الطائرة ربما اسقطت بصاروخ، وطبقا للمنظومة التقليدية في مثل هذه الأحوال أعلنت الولاية الإسلامية في سيناء على موقعها عن مسؤوليتها عن التفجير بواسطة صاروخ، ثم عدلت روايتها إلى أن التفجير تم بقنبلة داخل الطائرة، ونشرت صورة القنبلة المستخدمة، ولكن تبين بعد ذلك أن القنبلة المزعومة التى استخدمت فيها عبوة مياه غازية "شويبس" ليست إلا لعبة منشورة على جوجل قبل الجريمة ب 3 سنوات، ولا يحتاج الأمر إلى مجهود لمعرفة أن موقع داعش هذا حاصل على علامة ختم النسر رمز الجمهورية العسكرية من المخابرات ووزارة الداخلية (من المنطقي بعد هذه الفضائح المدوية أن تحجب أجهزة العسكر هذه المواقع). وسرعان مابدأت الحقيقة المأساوية في التكشف إذ أعلنت مصادر بريطانية عن أن "تايمر" القنبلة كان محددا للتفجير بعد ساعتين وأن ثمة خطأ جعل التفجير يحدث مبكرا جدا (ديلي ميل في 12 نوفمبر 2015) وصدقت الكرملين على الخبر بإعلان أنها تسلمت معلومات من بريطانيا حول التفجير (الشروق المصرية في 10 نوفمبر 2015)، ومعنى ذلك أن التفجير كان مخططا له أن يحدث فوق تركيا، والتخمين هنا أن الهدف من التفجير هو تفجير العلاقات التركية الروسية، وسرعان مابدأت تصرفات القاهرة في التخبط ورفضت تسليم الحطام لسلطات التحكيم علاوة على نهب الجيش والشرطة المصريين أمتعة الركاب من الحطام، وبدأ المزيد من الحقائق يتكشف إذ اتهمت السلطات الروسية موظفين رئاسيين في شرم الشيخ بوضع القنبلة، وتضامنت عدة دول أوروبية مع روسيا بمنع طيرانها من السفر إلى شرم الشيخ، والأخطر رفض دول الغرب ادخال مصر في لجنة التحقيق، وهذا يعني ببساطة أنها خاضعة للتحقيق وليست شريكا فيه "مصر تستغرب عدم تعاون الغرب في حادث الطائرة الروسية" (العربية في 8 نوفمبر 2015)، وطلبت الولايات المتحدة وروسيا أن يكون لهما حق التفتيش على اجراءات الأمن في المطارات المصرية وكان أخذ ورد ثم ران الصمت على الموضوع، ولكن وفيما يبدو أنه محاولة من السيسي تفويت كارثة أن تكون له لوكيربي مثل القذافي، بدأ من حيث إنتهى القذافي أي بدفع المال بسفه، إذ دب النشاط في عقود تلو عقود لتوريد آلاف من أطنان الأسلحة الروسية الرديئة لجيش الخردة المصري، ثم صفقة هائلة مثيرة أكثر للجدل وهى محطة الضبعة النووية التى تحتوي على 4 مفاعلات روسية من تكنولوجيا رديئة سيئة السمعة، وبأسعار مبالغ فيها جدا حتى أنها تساوي ستة أضعاف تكلفة نفس الطاقة من محطات غازية، ولا تتمتع بمعايير السلامة والأمان الواجبة، والأخطر أن مصر لديها فائض كهربائي يزيد عن ثلث استهلاكها حتى أنها عرضت بيعها على دول كثيرة، ناهيك عن أن دولا متقدمة متعددة أعلنت عن التوقف عن انشاء مفاعلات نووية لتوليد الطاقة الكهربائية، وأصبح الأمر مشبوها بقوة، خاصة أن هذه الصفقة الفاسدة متعددة الأطراف ومن قام بتسويقها الجنرال مايكل فلين مساعد ترامب الذى صدر عليه حكم بالسجن في قضايا فساد من القضاء الأمريكي. وهكذا تتزايد الأدلة من كل حدب وصوب على أن مصر رهينة حكم خليط أسود من الفساد والخيانة والإرهاب العسكري. "يتبع". #أرشيف_مواقع_أمين_المهدي