الجدل حول -ابن تيمية- مرّة أخرى

رياض حسن محرم
2020 / 5 / 19

لم أتابع مسلسل "الإختيار" الذى يدورحول شخصية الضابط المصرى "أحمد المنسى"، وبطولاته فى مقاومة فصائل التكفير فى شمال سيناء، واستشهاده دفاعا عن أرض الوطن.
ربما ما دفعنى للإنصراف عن مشاهدة هذا المسلسل هو أن تفاصيله وشخوصه ما زالوا أحياء، فالحكم عليهم لن يكون محايدا، بالإضافة الى الاختلاف الحاصل بين مؤيدى ومعارضى النظام الحالى باغتبار العمل من انتاج جهاز المخابرات العسكرية، وانه يأتى فى اطار عملية تسييس الدراما المصرية وترويج للأجندة الحكومية، وهو ما ظهر جليا فى تهليل المؤسسة الدينية الرسمية له، فقد وصفته دار الإفتاء المصرية "بالفن الهادف"، وقد أصدرت فتوى خصيصا للترويج لهذا المسلسل قائلة: "لم يحرم الفن الهادف الذي يسمو بالروح ويرقى بالمشاعر بعكس الفنون التي تخاطب الغرائز والشهوات التي أجمع علماء المسلمين على حرمتها"، وقالت الإفتاء في بيانها أيضا: "لا ما نع من الفن الذي يرقق المشاعر ويهذب السلوك لأنه الفن الدى يهدف لبناء الإنسان، وكل فكرة تصب في هذا الاتجاه تُحمد مهما اختلفت الوسيلة إذا كانت الوسيلة مشروعة والهدف منها التهذيب."
وللعلم فإن ابن تيمية لم يكن يوما حياديا فى أفكاره، فيكفي أن نرى فتاواه حول الأقليات الطائفية المسلمة كالعلويين أو الإسماعيلية أو الشيعة "ناهيك عن المخالفين فى الدين" لنقرر أن الرجلَ لم يمتلك العقل الموضوعي؛ إذ إنه قفز مباشرة إلى التعميم على جموع بشرية كاملة، من دون اعتبار لأبسط مبادئ المنطق والعدل. فهو يفتى بتحليل دماء وأموال جماعات كاملة، فقط لأنهم وُلدوا على دين أو طائفة غير مسلمة، باغتبارأنه من الفرقة الناجية الوحيدة، ويشهر التبريرات والتفاسير، منتج ابن تيمية الفكري والديني الذى كان ردةَ فعل على تداعى الخلافة الإسلامية الشكلية فقد أظهر ابن تيمية بعد السقوط المزلزل للخلافة العباسية، وفي زمن حروب التتار، وعودة غزوات الفرنجة للمنطقة، وتحكم المماليك ببلاد الشام ومصر بكل ظلمهم وخلافاتهم البينية، وفي عصر امتزاج فوضوي بين أعراق المسلمين أنفسهم من سنّة وشيعة، واختلاط المسلمين بديانات أخرى، ليبحث عن السبب فيما حدث للمسلمين والإسلام، لكنه لم يستطع التخلص من منظوره الديني والمذهبي الضيق، ولم يتمكن (كابن رشد أو ابن خلدون) لتأسيس منهج علمي في قراءة العقل والإنسان، وبالنسبة إلى ابن تيمية حمّل المسؤولية للمسلمين عمومًا، لابتعادهم عن منهج السلف، لكنه أيضًا أضاف مسؤولية الحاكم الذى لا يطبق الشريعة، هو وتلميذه ابن القيم، وقد ذهب إلى حل بسيط سهل هو “عاقبوا أو اقتلوا كل مخالفينا”، فانهمرت فتاواه في التكفير والتفسيق والزندقة.
وقد اصطدام ابن تيمية مع بعض الطبقة السياسية، وكثير من طبقة رجال الدين الإسلامي في عصره، وأدى ذلك طبيعيًا إلى تشدده وعناده في أفكاره؛ فكان معروفًا عنه التوسع في باب ما يسميه فقهاء المسلمين “عقوبة التعزير”، وهي بدعة وضعوها في أزمنة ماضية تمكنهم من امتلاك سلطة على الناس، من باب أنهم، يملكون حق تقرير ما هو ضار للمسلمين والإسلام على المدى القصير والطويل وبالتالي معاقبة من يخالفهم، وارغام الآخرين على اتباعهم، أو كما يقول الرجل "تعبيد الناس لربهم".
المشكلة الحقيقية حول ابن تيمية ليست فيما كتبه في نقده للفلسفة والمنطق الأرسطي، ولا في نقاشاته مع أهل الكلام أيضا، فهذه بحوث تم تأليف فيها كتب كثيرة، ولا حتى في خلافاته مع شيوخ عصره حول الذات الإلهية وتشدده للرؤية الحنبلية، على الرغم من أنه خلاف استخدم أحيانا لإراقة الدماء " مثل موضوع هل القرآن مخلوق أم أزلى؟"، ما يهمنا خارج جدران الأكاديميات وبحوثها، هو تأثير مدرسة ابن تيمية المدمّر في عصره وعصرنا، فمنهجه استمر منذ القرن الثالث عشر ميلادي، قويًا أحيانًا وخافتًا أحيان أخرى، إلى القرن الثامن عشر ميلادي، حين ظهر الشيخ محمد ابن عبد الوهاب ليؤسس لما يُعرف بالوهابية التي ترفض أن يسميها الآخرون مذهبًا، لكنها بكل الأحوال مدرسة فكرية اعتنقت السلفية الجهادية المتشددة، ودمجت رؤيتها الدينية مع السلطة السياسية؛ وبدأ من الستينات"فى اعقاب هزيمة 1967" كان اسم ابن تيمية يعود بقوة بين أجيال شباب المسلمين لنصل إلى مرحلة التسعينات، إذ أصبحت فتاواه هي الأشهر، وهي الأساس العقائدى الأهم لغالبية جماعات الإسلام السياسى ابتداءا من أفكار حسن البنا وسيد قطب الى تنظيمات التكفير والهجرة، وجماعات القاعدة والجهاد
المشكلة مع منتوج هذا الشيخ أنه يُشكّل أساسًا للتطرف، فحتى اذا لم تذكر فتوى ابن تيمية صراحة، فان المتلقى يراه أحد أهم علماء الإسلام منذ ما بعد عصر الصحابة والتابعين، ممهدة الطريق لسهولة االاستخدام والتوجيه من قبل جماعات الإسلامية السياسية المتشددة؛ فمنتج هذا المنهج يحمل كمية كبيرة من المقولات الفاسدة، وأحكام التكفير والزندقة والتفسيق، مما يشكل أداة هدم لا أداة بناء، في عصرٍ نسعى فيه لتأسيس الدولة العصرية القائمة على حقوق الإنسان والمواطنة التي تعني -أولًا- حماية المواطنين في معتقداتهم وإيمانياتهم وطقوسهم الدينية، فمنهج ابن تيمية لا يقبل التفاوض والنقاش، كما ثبت تاريخيًا وحاضرًا من تصرفات من تمسكوا بنهجه، بل هو منهج تدميرى للإسلام وللمجتمع الإنساني عموما.
وقد أعاد مسلسل "الاختيار" الذي يروي سيرة الشهيد أحمد منسي وبطولات القوات المسلحة في مكافحة الإرهاب، الجدل مجددا حول أحمد بن تيمية المعروف بـ"شيخ الإسلام"، عقب ظهور الداعية الإسلامي (رمضان عبد المعز) في إحدى الحلقات يشيد بفتاوى ابن تيمية، وعلى إثر ذلك زاد الجدل حول المسلسل و"انخراط" الدين والسياسة مع الدراما، هذا المسلسل الذى يتناول حياة الضابط المصري أحمد المنسي، والذي يجسد دوره الفنان أمير كرارة، بالإضافة إلى شخصية هشام عشماوى، المتهم بتنفيذ هجمات إرهابية في مصر ونفذ بحقه عقوبة الإعدام ويجسد دوره الفنان أحمد العوضي، المسلسل تحول "فى معظم حلقاته" الى نوع من المناظرة الدينية بين اسلام " داعش" وذلك النمط الوسطى الأزهرى، وهو انزلاق خطير يؤدى فى النهاية "مهما كانت النوايا الطيبة" الى انتصار النموذج القاعدى.. والله المستعان.