- ايليزا - المفجوعة و ايطاليا المنكوبة !

طه رشيد
2020 / 5 / 15

وصلتني هذه الرسالة من الصديق الفنان المغترب في فرنسا سمير عبد الجبار وهو عضو فرقة " مسرح الشمس " الفرنسية الشهيرة والتي تقودها الفنانة "اريان موشكين". قدمت الفرقة عروضها المسرحية، المغرية بالمشاهدة، في مدن وعواصم مختلفة ومنها مدينة نابولي في ايطاليا.
يقول سمير انه استلم مؤخرا رسالة من صديقته الايطالية " ايليزا" والتي تعرف عليها حين كانت فرقة ( مسرح الشمس ) في (نابولي ) الصيف الفائت لتقديم مسرحية (كاناتا ) من اخراج الكندي ( روبير لوباج ) .. ويذكر سمير بان الممثلة ايليزا جاءت من مدينة ( بيزيه ) مسحورة بِممثلين الفرقة ومعجبة حد الجنون بمسرح الشمس ومخرجته الفنانة الكبيرة ( اريان موشكين ) .. وسرعان ما عرضت ايليزاا خدماتها طوعيا في مساعدة الممثلين في كُوي وتنظيف ملابسهم بعد انتهاء العرض كل يوم ...

استلم سمير رسالة منها قبل يومين تشرح فيها الموقف الموحش والمرعب بما يدور في مدينتها (بيزيه ) وتلقي الضوء على الوضع العام في ايطاليا ونظرا لاهمية هذه الرسالة قام سمير بترجمتها وارسالها لنا..
وهنا نص رسالة ايليزا:
( اعزائي .. هنا في ايطاليا موقف (الكوفيدا ١٩ )،كورونا .. لازال صعبا ومخيفا والأكثر صعوبة هو رؤية لوريات ومصفحات الجيش وهي تحمل يوميا اكثر من ٨٠٠ تابوتا .. نرى الخوف والرعب واضح بعيون ووجوه الناس .. و بالأخص المعمرين من كبار السن ، هؤلاء الذين عاشوا واشتركوا في الحرب العالمية الثانية وهم من ساهم في بناء وترميم ايطاليا .. يموتون اليوم هكذا !! ..
الناس في كل مكان تعاني من الجوع .. والدولة لا تقدم المساعدة لهم .. هناك الكثير من الشغيلة العاملة في الظل غير مضمونة حقوقهم ولا يحصلون على شي، يموتون هم ايضا من الجوع هنا في بلدي ايطاليا ..

قطاع الفن و المسرح تماما وكليا راكع على ركبتيه في هذه اللحظة .. البعض من الفرق المسرحية حصلت على مساعدات مبلغ تافه ٦٠٠ اورو ..
جميع المسارح ستغلق ابوابها الى نهاية سنة ٢٠٠٢١
ايطاليا سابقا كان لديها الكثير من المشاكل الوظيفية واليوم مع ( فيروس كورونا ) تفاقمت وتضاعفت المشاكل في كل القطاعات ..

وزير الدفاع ذهب الى دار سجن ( بوس ) الذي يظم الكثير من رجال المافيا وتم نقلهم الى سجون اخرى تحت المراقبة . بسبب انتشار العدوى بين السجناء ...
لا اعرف كيف أفكر - البعض يقول لقد برزت بعض المشاعر في هذه اللحظات العصيبة بين الناس لم تكن موجودة سابقا، وهي نوع من التضامن والاتحاد فيما بينهم ، وبدون شك العالم سيكون احلى وأفضل بعد كورونا ..
انا لا اتفق مع خطابهم راديكالي ، شيك انيق! انا ارى الموت والجوع في كل مكان ، وهذا سيزداد اكثر لان الفقر الذي كان موجودا سابقا سيرتفع، كل يوم، الى درجة مخيفة ولا معقولة...
١٥٠ طبيب أرسلوهم للعمل دون كفوف وكمامات واقية ودون حماية لهم. اعطوهم فقط مناديل معقمة يضعونها على انوفهم لكي يحمون أنفسهم من الإصابة بالفيروس والنتيجة توفى الكثير منهم !!.. هذه فضيحة - فضيحة ، شكري الكبير للأحياء منهم، اما الاطباء الذين رحلوا فهم الذين أعطوا حياتهم للآخرين تنفيذا لرسالتهم الطبية النبيلة ، هم ابطال - ابطال جدد ، هم ابطال دائما، وليس فقط لاعبي كرة القدم.. ستتاكد ايطاليا من ذلك..
انا ممثلة منذ عمر ١٥ سنة تعرفت على نص ( أنتكونا - Antigone ) للمؤلف ( سفوكليس ) هو علمني ان نفتخر بالموتى ونهبهم الدفن المقدس الذي يليق بهم .. كل هؤلاء الموتى من الناس، ليس فقط المعمرين كبار السن، الذين نتكلم عليهم عبر التلفاز يوميا، بل هناك الشباب والصغار الذين ماتوا وحيدين دون لمسة من امهاتهم او قبلة من ابائهم على الجبين. جثامينهم نقلت، وتنقل يوميا، في لوريات وشاحنات الجيش الايطالي ،، هذا مرعب، فضيع!
لدي احساس بااننا عاملنا كوكبنا الأزرق بالكثير من السوء، هذا الكوكب الذي نحن ضيوف عليه،، علينا الان ان ندفع الثمن لاننا لم نحترمه.
هناك ناحية إيجابية واحدة من كل هذه التراجيديا، وهي الصمت، علمتنا الكثير الكثير من الصمت.
ايليزا )