متى تعود وحدة النضال العربي-الكردي إلى سابق عهدها؟

كاظم حبيب
2020 / 5 / 14

المدخل
حين انشغلت بإنجاز كتاب "لمحات من نضال حركة التحرر الوطني للشعب الكردي في كردستان العراق"، تسنى لي تكوين مكتبة جيدة عن الكرد وكردستان، وأن أقرأ بعناية كبيرة تاريخ هذا الشعب، وأن أبحث بروية في العوامل التي لعبت دورها لكل ما حصل لهذا الشعب وأرضه كردستان خلال القرون والعقود المنصرمة حتى الوقت الحاضر. فالشعب الكردي شأنه شأن الشعوب الأخرى لا يختلف عنها في السمات أو الخصائص، ولا في المعاناة من النظم السياسية التي رزح تحت وطأتها ومن الحكام الطغاة الذين مارسوا حكم هذا الشعب عبر العصور. ولكن المسألة الوحيدة التي يختلف فيها عن غالبية شعوب الشرق الأوسط وربما العالم، وليس كلها، تتجلى في تقسيم أرضه وتوزيعها على أربعة دول شرق أوسطية من جهة، وبالتالي تقسيم هذا الشعب أو الأمة الكردية إلى أربعة أقسام موزعة على الدول التي وزعت عليها أرضه أو التي تحتل أرضه بالرغم منه من جهة ثانية. وحصيلة هذا الواقع المر أن ليس لهذه الأمة أو الشعب الكردي، الذي يتجاوز تعداده ألـ 40 مليون نسمة في كل الأجزاء، دولة مستقلة ذات سيادة. وهذا الواقع يقض مضاجع المجتمع الكردي بحق ويدفع بهم دوماً إلى النضال لتحقيق ما هو طبيعي كبقية شعوب الأرض. إن أقصى ما تحقق لهذا الشعب في إقليم كردستان العراق خلال العقود المنصرمة كان في عام 1970 حين أقيم الحكم الذاتي، بعد أن أدرك النظام البعثي بأن استمرار الحرب في كردستان سيسقط النظام لا محالة. وسرعان ما بدأ الحكم البعثي بانتزاع مضامين الحكم الذاتي مما تسبب بما نعرفها من عواقب. وفي عام 1991 تمكن الشعب الكردي من إقامة الفيدرالية في إقليم كردستان العراق. ومثل هذه المنجزات المهمة لم تتحقق للشعوب الكردية في الأقسام الأخرى من كردستان، إذ ماتزال تعاني من الاضطهاد والقمع والملاحقة والسجن والتعذيب والقتل، وبعضها يعيش الانتفاضة أو يخوض الكفاح المسلح ضد النظم الحاكمة، كما في تركيا وإيران وسوريا.
هذا الواقع المرير غير مسؤول عنه الشعب الكردي بأي حال، بل المسؤولية المباشرة تقع على عاتق الإمبراطوريات في ظل الإسلام: الأموية والعباسية والدويلات التي نشأت فها، ثم في فترة الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية العثمانية في القرون المنصرمة، وأخيراً تتحمل الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى بريطانيا وفرنسا وروسيا مسؤولية ما حل بالشعب الكردي، حيث لم يجرِ الاكتفاء بالتقسيم الأول لكردستان بعد معركة جالديران في عام 1514 بين الدولتين الصفوية (إيران) والعثمانية (تركيا) وانتصار الأخيرة، فحسب، بل جرى توزيع الأقسام التي كانت تحت هيمنة الدولة العثمانية على الدول الثلاث تركيا والعراق وسوريا في ظل الاحتلال البريطاني-الفرنسي للمنطقة، وحيث ألحقت ولاية الموصل مع أقضيتها الكردية بالعراق في عام 1926. كما يمكن توجيه الاتهام في ذلك إلى طبيعة العلاقات الإنتاجية والاجتماعية التي وجدت في هذه المنطقة من العالم، لاسيما العلاقات العشائرية والصراعات فيما بين قادة هذه العشائر واعتماد بعضهم على إيران وأخرين على تركيا، كما كانت تسعى كل من تركيا وإيران إلى تسخير هذه العوامل وفي ضوء حساباتهما ومصالحهما في تأجيج الصراعات فيما بين قادة العشائر بشكل خاص. يمكن أن نجد هذه الحقائق المرّة في كثير من كتب التاريخ، لاسيما كتاب المؤرخ الكردي شرف خان شمس الدين البدليسي (1599-1597م) الموسوم "شرفنامة"، ثم كتاب الأستاذ زكي محمد أمين (1880-1948م) الموسوم "خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان"، أو كتاب "الآثار الكامل" للأستاذ توفيق وهبي بك (1891-1984م)، إعداد رفيق صالح، وكتاب يقظة الكرد للأستاذ جرجيس فتح الله (1921-2006م)، وكتاب مكرم شيخ جمال الطالباني (مواليد 1923م) الموسوم "مراحل تطور الحركة القومية الكردية"، وكتب الدكتور زهدي الداوودي (1940-2017م) الموسوم "كردستان"، وكتاب مسعود ملا مصطفى البارزاني (مواليد 1946م) الموسوم "الحركة التحررية الكردية" وكتاب الأستاذ إسماعيل بيشيكجي (مواليد 1939م) الموسوم "كردستان مستعمرة دولية" ومئات الكتب الأخرى التي تحتويها مكتبتي الشخصية حول الكرد وكردستان.
وقد نشأت إمارات كثيرة في مناطق مختلفة من أقاليم كردستان وفي فترات مختلفة، ولكنها كلها انتهت بسبب تلك الصراعات القبلية مرة ولكن بشكل خاص بسبب تلك السياسات التي مارسها حكام الدولتين إيران وتركيا إزاء الشعب الكردي وأرضه. من بين أبرز الإمارات الحديثة يمكن الإشارة إلى إمارة أردلان التي دامت قرابة 650 سنة، وإمارة بادينان، وإمارة سوران، وإمارة بابان، وإمارة هكار، ومن ثم إمارة بوتان. كما عرف التاريخ دولة قديمة أقامها أسلاف الشعب الكردي الحالي أو أحد جذورهم في المنطقة التي يسكنها الآن الكرد ومناطق أخرى من أسيا الوسطى وجزء من العراق الحالي، هي الإمبراطورية الميدية التي أقامها الميديون في الفترة الواقعة بين 655-553 قبل الميلاد والتي انتهت بسقوطها على ايدي الفرس والملك كورش. والدولة الثانية باسم كردستان أقيمت على مقربة من جبال أرارات باسم جمهورية أرارات في عام 1927 وكانت بقيادة الجنرال نوري إحسان باشا، واعتبر متمرداً على الدولة التركية، وكانت عاصمتها كرداڤا. تمكن الجيش التركي من القضاء عليها في عام 1930. أما الدولة الثالثة فكانت جمهورية مهاباد التي أقيمت في إقليم كردستان الشرقية (التابعة لإيران) في عام 1946 في أعقاب الحرب العالمية الثانية والتي أقامها القاضي محمد (1893-1947م) رئيس جمهورية مهاباد، والتي سقطت تحت هجوم القوات الإيرانية وتخلي الدول البريطانية والفرنسية والروسية عن الكرد حيث أعدم القاضي محمد في عام 1947. وكان الملا مصطفى البارزاني رئيسا لأركان الجيش في هذه الجمهورية، واستمرت هذه الجمهورية طوال 11 شهراً.

الكفاح المديد والمعمد بالدم للشعب الكردي في كردستان العراق
واحدة من أبرز سمات نضال الشعب الكردي تتجلى في استمرارية هذا النضال وعدم انقطاعه وتنوع وتعدد أساليبه في الفترة الواقعة بين نهاية الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر. أما السمة الثانية المميزة فقد تجلت في التضامن النضالي للقوى الديمقراطية والتقدمية الكردية والعربية وبقية القوميات في العراق، وهي السمة التي ساهمت في الدمج الموضوعي والسليم بين النضال في سبيل الديمقراطية وحقوق الإنسان وبناء الحياة الدستورية الجديدة من جهة، وبين النضال من أجل حق تقرير المصير للشعب الكردي والحقوق الثقافية والإدارية للقوميات الأخرى في العراق من جهة ثانية، طيلة الفترة الواقعة بين نهاية الحرب العالمية الثانية وإسقاط الدكتاتورية البعثية الصدامية الغاشمة. وقد تجلى ذلك في مسيرة نضال الشعب العراقي بكل قومياته، لاسيما في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتصاعد النضال الديمقراطي والتقدمي في العراق وبروز أكبر لقوى اليسار العراقي بين أتباع جميع القوميات فيه. ولا بد من الإشارة إلى إن الفترة التي أعقبت إسقاط الدكتاتورية البعثية قد شهدت ابتعاداً واضحاً للأحزاب القومية الكردية عن التحالف مع القوى الديمقراطية وقوى اليسار على صعيد العراق، وتأكيد تحالفها على أسس أخرى مع الأحزاب اسلامية السياسية، أحياناً شيعية وأحياناً سنية، والتي لها اثارها السلبية على كامل الوضع في العراق واتجاه تطوره والمشكلات التي تواجه العراق عموماً ومع الشعب الكردي.
وإذا كانت هاتان السمتان ذات نتائج إيجابية مهمة خلال فترة بروزهما، فأن السمة الثالثة كانت وما تزال سلبية تركت آثارها على مسيرة النضال للشعب العراقي عموماً والشعب الكردي خصوصاً، وأعني بها واقع نشوء الأحزاب السياسية كلها في دولة نامية متخلفة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وتنتشر فها الأمية والعلاقات العشائرية إلى جانب العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية وشبه استعمارية ولم تكن تمتلك إرثاً ديمقراطياً وحياة دستورية نظيفة وموفقة. وساد في هذه الدولة على حد قول الأستاذ الدكتور علي الوردي بصواب الصراع بين البداوة والحضارة، إذ ترك واقع العراق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والفكري، وبضمنه واقع كردستان العراق، والصراع بين البداوة أو القبلية والحضارة اثارهما السلبية عموماً، مع نزعات إيجابية قليلة، آثاره السلبية على الحياة الحزبية الداخلية وفيما بين الأحزاب في كل العراق، ولم ينجو من ذلك، وبهذا القدر أو ذاك، حتى أكثر الأحزاب اقتراباً من الحداثة والحضارة الحديثة، وأعني به الحزب الشيوعي العراقي وقوى اليسار عموماً.
لقد قدم الشعب الكردي تضحيات بشرية كبيرة خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، دع عنك الفترة التي سبقتها، ولكنه حقق منجزات عادلة ومشروعة مهمة لم تتحقق لبقية أبناء وبنات الشعب الكردي في الأقاليم الأخرى، رغم نضالية شعب الأقاليم الكردية الأخرى. ويعود هذا الأمر في واقع الحال أيضاً إلى التلاحم بين العرب والكرد في العملية النضالية ووقوف الأحزاب والقوى اليسارية الديمقراطية العربية إلى جانب هذا النضال وحقوق الشعب الكردي.
الواقع الراهن وسلبياته
واليوم نحن أمام ظاهرتين سلبيتين تتحكمان بحركة النضال الديمقراطي في كردستان العراق هما:
1. الصراعات المحتدمة بين الحزبين الكبيرين في إقليم كردستان العراق، بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، الذي بلغ في فترات مختلفة ومنذ العام 1964/1965 إلى استخدام العنف والنزاع المسلح والذي تسبب في عواقب وخيمة على الحزبين وكل الحركة الديمقراطية الكردستانية والوضع في العراق لاسيما في السنوات الأولى من ثمانينيات القرن الماضي، ومن ثم في عامي 1995/1996. وإذا كان الصراع المسلح قد توقف كلية على وفق اتفاق 1998 بين الحزبين وبوساطة أمريكية، فأن الصراع السياسي والإعلامي ما يزال يقلق الحالة في الإقليم ويضعف قدرتهم على تحقيق ما يطمح له الشعب الكردي. إن هذا النوع من الصراع الجاري لا يعبر عن حالة مدنية ومجتمع مدني، بل هو من تراث الماضي العشائري الذي انتقل بحكم واقع وطبيعة المجتمع إلى الأحزاب التي هي ظاهرة مدنية وحضارية عموماً. والاختلاف لا يبدو في المناهج الفكرية والسياسية، بل في المصالح الذاتية وفي حالات الكراهية وروح الانتقام، وهي المتحكمة حالياً في هذا الصراع، شئنا ذلك أم أبينا الاعتراف به!
2. منذ سنوات قبل إسقاط الدكتاتورية الغاشمة لوحظ وجود محاولات ملموسة للابتعاد عن الحركة الديمقراطية في العراق وتأسيس تحالفات مع القوى الإسلامية السياسية والقوى المحافظة. وقد تجلى هذا الاتجاه ليس بالابتعاد عن الحركة الديمقراطية واليسارية العراقية فحسب، بل وأحياناً إعلان بعض المسؤولين البارزين بأن ما يجري في العراق لا يهم الكرد والإقليم بل يهمهم ما يجري في الإقليم فقط، وكأن الإقليم لم يعد جزءاً من الدولة العراقية رسمياً وعلى وفق الدستور العراقي ودستور كردستان العراق. إن الابتعاد عن المساهمة الجادة والمسؤولة في سياسة الدولة الاتحادية من مواقع الديمقراطية والمشاركة في حل المعالجات للتخلص من النظام السياسي الطائفي والفاسد ضرورة ملحة وبغير ذلك يكون خطأً فادحاً يجلب الضرر للجميع، كما أرى في هذا الموقف خللاً في التفكير الواقعي والعملي للحالة العراقية عموماً والحالة الكردستانية العراقية خصوصاً، إذ ما يجري في العراق سلباً أو إيجاباً يؤثر مباشرة على الشعب الكردي وعموم القوميات الأخرى في الإقليم، كما إن ما يجري في الإقليم يؤثر مباشرة على الوضع في العراق كله.
3. لقد لعب الشعب الكردي وقواه الديمقراطية الشعبية في النضال من أجل الحقوق القومية والحياة الديمقراطية دوراً بارزاً ومهماً، وأحياناً غير قليلة طليعياً، وهو ما نفتقده اليوم، كما افتقدنا دور بقية القوميات، لاسيما العرب في النضال منذ إسقاط الدكتاتورية الغاشمة، إلى أن تفجرت انتفاضته الشبابية والشعبية البارزة المناهضة لا لحكومة عادل عبد المهدي فحسب، بل وضد النظام الطائفي الفاسد. إن ما يهما هنا أن يستعيد الشعب الكردي دوره في التأثير على سياسات الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم للدفع باتجاه النضال المشترك لكل القوميات لصالح التغيير الديمقراطي وضد التمييز والفساد من جهة، ومن أجل حل المشكلات القائمة بين الحكومتين لصالح الشعبين وبقية القوميات من جهة ثانية.
كما هو معروف لمن يتابع مواقفي الفكرية والسياسية منذ أكثر من ستة عقود، ولم أخف ذلك يوماً، بأني أقف بوضوح إلى جانب حق تقرير المصير للشعب الكردي، بما في ذلك حقه في الانفصال وإقامة دولته الوطنية المستقلة. وهذا الموقف يجده القراء والقارئات في أدبيات الحزب الشيوعي العراقي أيضاً وفي الكتب التي أصدرتها والتي تبحث في هذا الموضوع. كما عبَّرت عن رأيي الصريح في قرار إجراء الاستفتاء في الإقليم في اجتماع عقد في السليمانية قبل الاستفتاء بقليل: "إن من حق الشعب الكردي إجراء الاستفتاء متى يشاء من حيث المبدأ، ولكن أرى ضرورة تأجيله حالياً، إذ إن الأوضاع غير ممكنة وغير مساعدة على تطبيقه على المستويات المحلية والإقليمية والدولية". وقد رفض هذا الرأي وهو من حقهم ذلك. وقد عبَّر الشعب الكردي بنسبة تزيد عن 95% إلى جانب موضوع الاستقلال ولم يكن هذه النتيجة مفاجأة لي وللكثير من العرب. ولكن الاستفتاء أوجد أوضاعاً جديدة أكثر تعقيداً ويمكن متابعتها اليوم بشكل واضح.
إن استمرار الخلافات بين الأحزاب السياسية الكردستانية وبالطريقة الجارية حالياً أولاً، واستمرار التباعد بين الحركة الديمقراطية الكردستانية والحركة الديمقراطية العربية أو العراقية عموماً ثانياً، سيكون لهما مجموعة من الآثار السلبية على مجمل الوضع في العراق وعلى الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. أتمنى على الأصدقاء الكرد، على الشعب الكردي وشعب كردستان العراق عموما، أن يعيدوا النظر بما يسهم في تعزيز وحدتهم الوطنية الكردستانية أولاً، ووحدة القوى الديمقراطية وعموم الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه الدينية والفكرية الديمقراطية ثانياً، بما يسهم في تحقيق مصالح الشعبين القوميات الأخرى دون استثناء. إن مبدأ المواطنية العراقية الموحدة والمتساوية يعزز من النضال المشترك، كما لا يخل بالهويات الفرعية لكل قومية من القوميات في العراق، بل هي محترمة ولها حقوقها القومية المشروعة والعادلة ومنها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية.