العسكرتاريا السلطوية فى مصر

رياض حسن محرم
2020 / 5 / 13

يقول "كارل ماركس" فى كتابه (الثامن غشر من برومير) فى وصف "نابليون بونابرت":(رجل متوسط الثقافة..متوسط الموهبة.. سقطت على كتفيه عباءة فرنسا)، هكذا هو الحال فى مصر، فالسيسى قد ضعته الظروف فى ذيل قائمة المجلس العسكرى، ليضعه "محمد مرسى" فى الصدارة ظنا منه أن ولائه لا تشوبه شائبة، لكن خاب ظنه فتطلعات السيسى كانت أكبر.
فى الثالث من يوليو 2013، عادت المؤسسة العسكرية الى وضعها السابق الذى أسس له الرئيس جمال عبد الناصر ومن تلوه، أى عودة أو رجوع المعادلة إلى شكلها السابق ليناير 2011، فقد عملت المؤسسة العسكرية كل ما يمكن للعودة إلى موقعها القديم، وفازت بالرئاسة، بعدها كسبت ود أطراف إقليمية، وحتى دولية، وعادت مصر تعامل كدولة طبيعية تماما كالسابق، لكن ماذا حمل السيسي لشعب مصر؟، ماهي القيمة المضافة له؟، هل يحكم وفقا لبرنامج أو وفقا لكاريزما العسكري الذي جعله الإعلام يبدو وكأنه منقذ لإرادته ورؤيته للأمور، لقد دخل السيسى الحياة السياسية بعقلية النخب التي سبقته، وهي أن حب الشعب المصري لشخص معين يجعلهم يتجاوزون عن أخطائه، هذه الأخطاء التي ترى في توسع الطبقات الفقيرة والمحرومة والغلق السياسي وكبت الحريات، أي الاعتماد على الكاريزمية أكثر من الاعتماد على البرنامج والعمل السياسي الواقعي الملموس، فلا يمكن تطبيق هذا التكتيك بدون وجود آلة إعلامية ضخمة قادرة على تحويل الإنجازات المحدودة إلى كتل جبلية ضخمة ، وتضخيم دورالمؤسسة العسكرية، ولا يتوقف هذا التسويق عند حد الإعلام بل يتعداه إلى إقحام المؤسسات الدينية، وعالم الفن، والكوادر الوطنية في عمليات ترويجية.
أن الجيش المصري جيش يستند على سمعة تاريخية ليس فقط في الداخل المصري، وإنما في كامل المنطقة العربية، وحروبه مع إسرائيل تشهد له بهذا، لكن الجيوش هي فاعل وظيفي داخل المجتمع يؤدي مهنته الدفاعية في إطار دستوري، القرار فيه يجب أن يكون لمدني تعينه الأغلبية الانتخابية، ولكن التراكمات التاريخية في مصر دفعت باتجاه نسج علاقات بين الجيش والمجتمع من جهة، والجيش والسياسة من جهة ثانية، فقد انتقل التفاوض السلطوي من المواطن والمرشح إلى المرشح والعسكر، فكل راغب في السلطة في مصر يبدأ بالتفاوض مع أصحاب البدل العسكرية قبل أن ينتقل إلى المواطن الذي يصنف في مستوى أدنى ضمن فلسفة أولوية العسكري على المدني، إذن، هذه المعادلة التي أوجدتها ظروف تاريخية في مصر هي من تتحكم في ديناميكيات التفاعل بين نظام السيسي و الجماهير، من الصعب ولكن ليس من المستحيل تغييرها.
ما يجب الانتباه اليه في تجربة السيسي، أنه خلق نوعا هجينا من الأنظمة السياسية، يجمع بين ثنائية العسكرة والبوليسية، أي انغلاق ونرجسية الدولة العسكرية مع جو من القمع البوليسي، يذكيه ارتفاع في قدرات النظام التبريرية عبر الآليات الإعلامية، وعوامل استقواء هذا النظام تكمن إضافة إلى الدعم العسكري والقدرة التسويقية، في صعوده ضمن جو من الإنهاك العام في مصر، ومن ثم الدخول في تجربة حكم المجلس العسكرى والخروج منها كذلك، وصولا إلى الحكم الحالي، هذا الإنهاك أو ربما التسليم بلاأمر الواقع ينبع من رغبة المواطن المصري الى العودة للعيش في جو من الاستقرار، لأن الثورة رغم نبلها هي حالة من الفوضى المنتجة لواقع يراد أن يكون أحسن وأكثر استقرارا، يطمح النظام الحالى إلى كسب أكبر نفوذ ممكن داخل المؤسسات التي ينتظر منها أن تكون جوهر الحياة المدنية، كالبرلمان مثلا، فيصبح الممثل البرلماني المختلف مع السلطة فضيحة أخلاقية قد تجعله في موقع المخّون، أو غير الوطني وغير ذلك من مفاهيم هستيريا المؤامرة.
انطلاقا من فرضية أن المجتمع المصري غير قادر في الوقت الراهن على تغيير النظام وأن المؤسسة العسكرية تدعم الإدارة الراهنة بشكل عام، لقد جاءت احتجاجات 30 يونيو الحاشدة تعبيرا عن فقد الثقة فى نظام حكم الإخوان،. لكن العسكر استغلوها. وأعاد السيسي مصر إلى حكم العسكريتاريا بإعلام مضلل وفى ظل تردٍّ اقتصادي وتصاعد للإرهاب فى سيناء.
بدأت ثورة يناير بطلائع شبابية تمثل قوى مدنية مثل حركة شباب 6 ابريل وحركة شباب من أجل العدالة والحرية والحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) والجمعية الوطنية للتغيير وكلنا خالد سعيد، وقد ضربوا موعداً مع أنصارهم عبر وسائل الاتصال الاجتماعي للتظاهر ضد ممارسات الاستبداد البوليسي في يوم "25 يناير" الذي يوافق الاحتفال الرسمي بعيد الشرطة كي يعبروا عن رفضهم لنظام مبارك البوليسي المبني على ديكتاتورية "دولة الأمن المركزي"، ومع الساعات تضاعفت أعداد المتظاهرين حتى ضاقت بهم الشوارع. في البداية كانت الشعارات المرفوعة والهتافات ترفع عقيرتها احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية المتردية بمزيد من الفقر والبطالة والغلاء "عيش – حرية –عدالة اجتماعية"، ومنادين برحيل الحكومة، ثم مع تضخم المظاهرات وانتشارها في عديد المدن المصرية وتدفق الآلاف المؤلفة على ميدان التحرير في قلب القاهرة وأمام ما تعرضوا له من قمع وقتل من طرف قوات الأمن المركزي، ارتفع سقف المطالب بالهتاف "يسقط يسقط حسني مبارك" و"الشعب يريد إسقاط النظام".
في مصر طبقة بالغة الثراء تستحوذ على نسبة 44 في المائة من الدخل القومي ثم طبقة وسطى واسعة لكنها متآكلة اقتصادياً تعاني العوز المعيشي الشديد، أسفلها طبقة دُّنيا مطحونة، مركبة من مستويات متدّنية تحت خط الفقر تشمل أكثر من 50 في المائة من السكان وتصل في قاعها المخيف إلى الطبقة العشوائية التي تمثل ثقباً اجتماعياً أسود يشكل خطرا مصيريا على مستقبل الديمقراطية والحياة الإجتماعية فى مصرعموما.
معروف أن جماعة الإخوان لم تشارك في الإعداد للمظاهرات ولم تقرر الانخراط فيها إلا بعد ثلاثة أيام عندما رأت ضرورة المشاركة بعناصرها في ما عُرف بيوم "جمعة الغضب". وسرعان ما تصدرت قيادات "الجماعة" منصة ميدان التحرير. تنظم عناصرها داخل الميدان في قوة متماسكة منضبطة مطيعة لأوامر قادتها، حيث كانت جماعة الإخوان بحكم تاريخها الطويل كمنظمة اجتماعية سياسية الأكثر تنظيماً وشعبية. فهي تملك هيكلية متشعبة نشطة تروج لأجنداتها السياسية والدينية من خلال تقديم الخدمات الاجتماعية وتوزيع المساعدات العينية على المحتاجين خصوصاً أثناء كوارث الفيضانات أو الزلازل مما جعلها تحظى بشعبية معتبرة، وذلك بحكم قدرتها وخبرتها التىمكن من تنظيم التظاهرات الانتخابية والفاعليات الشعبية و في حث الناخبين على الإدلاء بأصواتهم لها.
وقد وجدت حركة الإخوان في "ثورة 25 يناير" الفرصة التاريخية الأثمن للوصول إلى السلطة لا سيما وأنها نالت رضا الإدارة الأمريكية بتوليها زمام الحكم من طريق الانتخابات التي فاز فيها مرشحها محمد مرسي بالرئاسة في الجولة الثانية 17 يونيو 2012 بنسبة ضئيلة (51.73%). ولم تكن أصوات مؤيدي"ثورة 25 يناير"، التي رجحت كفة فوزه، مؤيدة لشخصه أو لحزبه أو لجماعته، إنما أرادت قطع الطريق على فوز منافسه الفريق أحمد شفيق بحسبانه مرشح النظام القديم أو قلَ "الثورة المضادة"، ليحصد بعدها الإخوان مع بقية الجماعات الإسلامية ثلثا مقاعد مجلس الشعب في انتخابات في 20 يناير 2013.
ومع صعود نجم السيسى الى الذروة "خاصة بعد مظاهرات التفويض فى 26 يوليو" فقد تفرد بحكم مصر وليس فى رقبته دين لأحد، ولكن شعبية السيسي بدأت في التآكل منذ عام 2016 بسبب ولعه بإنشاء المشاريع العملاقة (الفرعونية) وتلزيم عقودها الحكومية بشروط مربحة وإعفاء من الضرائب لشركات الجيش التي تمثل اقتصاداً ضخماً موازيا يسيطر على 10% على الأقل من الاقتصاد المصري، ويستخدم المجندين كعمالة أساسية رخيصة في تنفيذ مشاريعه. وقد تضخم ذلك الهيكل بشكل هائل في عهد السيسي الذي أدخل الجيش في شراكات مع مستثمرين أجانب. ورغم تضاؤل شعبيته على نطاق واسع في الطبقة الوسطى والدنيا نجده يفوز بولاية رئاسية ثانية في انتخابات 2018 (المشكوك في نزاهتها) بنسبة أعلى من الأولى بلغت 97.08 % وكمرشح وحيد عمليا بعدما القضاء على المنافسين المحتملين له وهما الفريق المتقاعد أحمد شفيق "بوضعه فى اقامة شبه اجبارية"، والفريق المتقاعد سامي عنان بوضعه فى السجن وانسحاب المنافسين الآخرين "القمع أخلى الساحة من المنافسين الحقيقيين" ولكي لا يفوز السيسي بالتزكية إذا لم يترشح أحد أمامه، ظهر له منافس [من مؤيديه] في اللحظة الأخيرة ... اسمه موسى مصطفى موسى وهو نكرة وغير معروف..وللحديث بقية..السلام عليكم.