موت فى الظهيرة

رياض حسن محرم
2020 / 5 / 12

حدث هذا فى نهاية العقد السابع من القرن الماضى، أى منذ أكثر من أربعون عاما، كنت وقتها فى مرحلة التكليف بعد التخرج من كلية الطب وقضاء سنة الإمتياز (التدريب)، كلفت بالعمل فى إحدى قرى محافظة المنوفية " التى يوجد بها وحدة صحية ريفية، كان اسمها "كما ينطقه الفلاحين" (سينجرج)، بينما الإسم الأصلى هو "سان جورج" أى القديس جورج، وكان بها عائلة من المسيحيين كنيتها "النجار"، وهذه الكنية تنتشر بين المسيحيين فى منطقة الدلنا، وربما تعود الى "يوسف النجار"، خطيب مريم ومربي يسوع ، حيث كنت بالطبع الطبيب الوحيد بالوحدة، ومعى مجموعة من العاملين، ثلاث ممرضات، ثلاث تومرجيات، فنى مختبر واثنين من الفراشين.
فى الأيام الأولى لتوزيعنا على المحافظة، تم تدريبنا سريعا على التعامل مع الحالات الطارئة، كما تم تعريفنا بشكل أكثر تفصيلا على كيفية التعامل مع الموتى، حيث قام الدكتور "سعيد" وكيل المديرية بنفسه بتعليمنا كيفية الكشف على الجثث بكل دقة، والتسجيل فى دفتر الثلاث خانات ودفتر الجرافيك، وإصدار التصريح بالدفن وكتابة شهادة الوفاة.
منذ اليوم الأول لإستلام العمل بالوحدة الصحية بدأت عملية ترويضى من قبل العاملين بها، وتعليمى كيفية الإحتيال على القانون، إبتداءا من التزويغ من العمل، مرورا بالكشف الخصوصى، وليس إنتهاءا بتسوية المستهلك من الأدوية، وإكتشفت من خلال هذه العمليات كيف أن هذا النوع من العمل بكل شروطه ومتطلباته غول حقيقى لا يرحم، فإما أن ترضخ لقوانينه، وإما تعرّض نفسك وحياتك للخطر، وبمنتهى البساطة قد تجد نفسك فى السجن.
وكان لعلاقتى الوثيقة بعم "عبد الرحمن" فرّاش الوحدة ( الذى كان يعمل حلاقا صحيا بالقرية قبل تعيينه كما جرت العادة فى الوحدة الصحية) أثر كبير فى تعليمى أسرار العمل، وفى تجنيبى إن لم يكن حمايتى من الوقوع فى كثير من الأخطاء القاتلة، كان هذا الرجل بنظارته السميكة، وطاقيته المزّهرة بصفة مستمرة، وجلابيته الإفرنجى البيضاء، ووجهه البشوش المبتسم ، يعطيك دائما الإحساس بالثقة والطمأنينة.
فى تلك الأيام إستطعت أن أقيم علاقات حقيقية مع كثير من أهل القرية البسطاء، الذين ساعدونى بشكل حقيقى على تحمل هذه الحياة، خصوصا واننى كنت فى هذه الأيام حديث الزواج، وكنت أقيم بالأسكندرية، حيث زوجتى وأصدقائى وحياتى الثقافية والسياسية، غير أن الذى كان يقنن علاقتى بأهل القرية فى الحقيقة كان عم "عبد الرحمن"، على الأقل بحكم أنه منهم ويعرفهم فردا فردا.
بسرعة أصبح هذا الرجل مستشارى الأول ومصدر ثقتى وخاصة فيما يتعلق بعلاقتى بالآخرين، هو الذى يشير على بكيفية التصرف فى معظم المشاكل وكيف أنظم "دفتر الأحوال" حتى لا أقع فى المحظور أو أى أخطاء قانونية، وحتى حالات الوفاة التى تحدث بالقرية كان هو الذى يحدد لى من هى الحالة التى أذهب للكشف عليها ومعاينتها فقد تكون بها شبهة ما، وتلك المعروفة التى لا تحتاج الى معاينة.
فى أحد الأيام وفى حوالى الساعة الثالثة عصرا وبينما كنت أستعد لركوب الأتوبيس المحلى ذاهبا الى الأسكندرية، طرق اذنى صيحات نسائية حادة (صوات)، وهذه الأصوات فى الغالب تعنى حدوث وفاة، تماما كم تعنى الزغاريد حدوث زواج، مما دعانى الى التريّث والعدول عن ركوب الباص، والعودة أدراجى الى الوحدة الصحية، حيث التقانى عم "عبد الرحمن" بهدوئه المعتاد، وأخبرنى أن المتوفى شاب يتيم فى مقتبل العمر، وأنه من الضرورى أن أعاين الجثة.
ذهبت الى الإستراحة فى إنتظار إستدعائى، وبعد قليل حضر غفير من الدوّار ومعه فلاح من أقرباء المتوفى ليطلبا منى "تصريح دفن"، واستعجلانى حتى يمكن الدفن فى نور النهار، أخبرتهما اننى سأقوم بإرتداء ملابسى واللحاق بهم، بسرعة كان عم "عبد الرحمن" معى فى طريقنا الى بيت المتوفى، طوال الطريق لم نتبادل أى حديث.
كان المنزل عبارة عن بيت طينى متهالك، أسرع الحشد فى توسيع مكان لمرورى الى الداخل، أجلّسونى فى الحجرة الخارجية (المندرة) على كرسى خيزران قديم وقذر، بينما جلس الجميع على الأرض، أسرع أحدهم فى إحضار الشاى، بينما صمّم الكثيرون أن آخذ منهم سجائر، تملكنى إحساس داخلى أن هناك شيئ يتم تدبيره، خاصة عندما لمحت من فتحة الباب وعبر الفناء الداخلى أنهم ينقلون الجثة من غرفة الى أخرى.
كان فكرى مشغولا بمسألة السفر الى الأسكندرية، لذا كان الوقت يمر ثقيلا، بدأ الفلاحين يهمهمون بأحاديث جانبية عرفت أنها رسائل موجهه الى، المرحوم استراح من الدنيا والمرض، داخ على الأطبا، مسكينة أمه صرفت عليه اللى وراها واللى قدامها، ويتكرر هذا الكلام كإسطوانة مشروخة، أحسست بالضيق والملل، فصحت بصوت حاسم : هى أيه الحكاية، إنتوا جايبينى أقعد أتسامر معاكو والا أيه، حاول أحدهم بلؤم أن يثنينى عن عملية الكشف على الجثة، بحجة أن المرحوم كان مريضا، ومافيش داعى لتعبى.
حسمت الأمر بالنهوض واقفا والتوجه مباشرة الى الغرفة التى بها الجثة، إستحضرت من الذاكرة كل التعليمات التى علموها لنا، يجب ان يكون الضوء داخل الغرفة كافيا، لا تسمح لأحد بالتواجد معك أثناء الكشف الاّ شخص واحد، إمرأة إذا كانت المتوفاة أنثى، وذكرا إذا كان رجلا، إحرص على أن تجرد الجثة من جميع الملابس ودقق فى كل جزأ منها، وإستحضرت كل خبرتى وما درسته فى هذا الشأن.
بعد تجريدى للجثة من الأسمال التى فوقها، ظهر لى لون الجسد وقد إكتسى زرقة لا تخطؤها عين، إذن هو السم ولا شيئ غيره، تعمدت الا يبدو على وجهى أى إنطباع، مددت يدى لأعيد الغطاء على الجسد المسجى، وأسرعت الخطى خارجا من باب الدار، وفى أعقابى عم"عبد الرحمن"، وسرعان ما لحقنى من كانوا فى المندرة ،أحاطوا بى متسائلين:- هو فيه أيه يا دكتور، ليه ماكتبتش تصريح الدفن، تعللت بأننى نسيت الدفتر فى الوحدة الصحية، وطلبت منهم أن يرسلوا أحدا لأخذه منى هناك، وواصلت سيرى مسرعا.
فى الطريق حكيت شكوكى لعم عبد الرحمن، لم يعلق وأيّدنى فى موقفى، ما إن عبرت الجسر المؤدى الى الوحدة حتى كان شاب صغير ينتظرنى عند البوابة على بسكليته عرفت أنه حضر لإستلام التصريح، دخلت الى مكتبى وهذا الشاب فى أعقابى، ما إن جلست على الكرسى وأحسست بالأمان حتى صحت فيه، موجها السباب لكل هؤلاء الفلاحين الملاعين الذين يريدون توريطى، وأننى سوف أبلغ النيابة والطبيب الشرعى للتحقيق فى حادثة القتل.
كنت أرغب فى إيصال هذه المعلومة للجميع، فى إنتظار ردود الأفعال قبل إتخاذ قرار التبليغ، كان قرارى نهائيا ولكنى كنت فى حاجة فقط لتفسيره للآخرين الذين أعيش بينهم، وتجمعنى بالكثير منهم صداقات عميقة،،، ولم يطل إنتظارى طويلا.
سرعان ما أبلغنى عم عبد الرحمن أن العمدة ومعه مجموعة كبيرة من الأعيان يقفون على البوابة حتى أأذن لهم بالدخول، أسرعت خارجا لأفتح لهم بنفسى مرحبا بهم فى السكن المخصص لى، وما أن جلسوا حتى بادر العمدة بالحديث معتذرا لى عما حدث، وأنه لم يكن مقصودا، القصة أن هذا الشاب التعيس كان يعمل باليومية فى مقاومة دودة القطن، وأنه بعد الإنتهاء من مرحلة المقاومة اليدوية يتم بدء المقاومة الكيمائية بالمبيدات، وكان الفقيد يقوم برش المبيد، ودخلت كمية منه بطريق الخطأ الى فمه، ورغم المحاولات التى أجريت لإنقاذه عن طريق تقييأه وشربه للبن الاّ أن قدر الله كان أسرع.
وإستمر العمدة فى الحديث دون أن أقاطعه، معتبرا أن ما حدث قضاء وقدر، وأن الولد غلبان ويتيم، وأنه إذا جرى تحقيق من قبل المسؤولين سيجازى أناس أبرياء مثل مهندس الجمعية الزراعية، وخولى الأنفار وآخرين، وبعد إنتهاء العمدة من حديثه تكلمت، قلت أنه كان يجب مصارحتى بالحقيقة منذ البداية دون محاولة خداعى، وأن مثل هذه الموضوعات لا يمكن عدم الإبلاغ عنها لأنها قد تسبب ضررا لا يمكن تعويضه بالنسبة لوضعى ومستقبلى الوظيفى، وانتهى اللقاء بعدم الإتفاق لكن إحتفظ كل طرف بإحترام الطرف الآخر.
بعد أن ودعتهم الى البوابة كما إستقبلتهم، وبينما أستدير عائدا فى الظلام، لمحت كتلة سوداء تتحرك ببطأ نحو البوابة، تبينت فيها إمرأة عجوزا، تمهلت قليلا وعدت أدراجى لأعرف ما الخبر، مدّت يدها من خلال الباب لتقبض على يدى بقوة، بوجه متغضّن وعينين غائرتين نظرت الى، وبصوت واهن مرتعش بدأت الكلام، أنا يابنى أم المرحوم، من يوم ما مات أبوه وهو حتة لحمة حمرا لم يبق لى فى الحياة غيره، تصدّق بالله اننى كنت حتى الآن أقوم بتحميمه وتلبيسه، ولا ينام الاّ فى حضنى رغم أنه أصبح رجلا، أرجوك يابنى، أبوس إيديك مش عاوزة ابنى يروح المشرحة ويتبهدل
وبقوة لا أعرف من أين أتتها جذبت يدى بعنف لتقبلها، أحسست بدموعها على ظهر كفى، لم أستطع المقاومة، مسحت دموعى بظهر يدى لتختلط بدموعها فى مشهد درامي شديد القسوة، وشعرت بصعوبة بالغة عن النطق، وعجز كامل عن اتخاذ موقف.
تركتها عند الباب وأسرعت لألحق بعم عبد الرحمن فى الداخل ليحل لى هذه المعضلة، شرحت له اننى لا أريد التبليغ لكننى أخشى العاقبة، صمت طويلا ثم رفع رأسه قائلا:- خلاص خلاص يا دكتور خليهم يدفنوا من غير تصريح، ولا كأنك عرفت خبر، حدّها أيه إذا إنكشف الموضوع فى أى يوم، يدفعواغرامة دفن بدون تصريح، وهكذا كان.