الولايات المتحدة الأمريكية وانهيار مسؤوليتها الدولية

لطفي حاتم
2020 / 5 / 2

في المصاعب الكبرى التي تجتاح دول عالمنا المعاصر وبغض النظر عن نظمها السياسية تتطلع الشعوب الى حكوماتها ناشده حمايتها من الكوارث الطبيعية والصحية العابرة للحدود الوطنية وبهذا المسار لجأت الشعوب الى حكوماتها طالبة درء المخاطر الكبيرة التي اصابت دول العالم من انتشار مرض الكرونا وكوارثه الانسانية.
- القلق الشديد على مستقبل البشرية واجهته دول العالم بمختلف الإجراءات بهدف التقليل من مخاطره.
-- في هذا السياق يهمنا التوقف عند سياسة الولايات المتحدة وموقفها (الإنساني) من الازمة الصحية الدولية العامة عبر موضوعات سياسية – الفكرية مكثفة —
أولا – انهيار المسؤولية الأخلاقية للولايات المتحدة الامريكية
يمكننا متابعة انهيار المسؤولية الأخلاقية الدولية للولايات المتحدة الامريكية ورصدها من خلال المؤشرات التالية-
أولا- لم تتخذ الوليات المتحدة إجراءات وطنية مبكرة كفيلة بتقليل الاضرار الناتجة عن الجائحة الدولية لكنها تصدت ضد الجائحة بعد فترة ليست قصيرة.
ثانيا – لم تنهض الولايات المتحدة بمسؤوليتها الاخلاقية كدولة قائدة في التشكيلة الرأسمالية العالمية من خلال تصدرها التعاون الدولي بل حاولت سرقة الاكتشافات العلمية للدول الأخرى لمحاربة كرونا والتحكم بنتائجه لغرض لجني الأرباح.
ثالثاً – بدلا من روح التضامن والتعاون الدوليين أقدمت الولايات المتحدة على تأجيج خصومتها التجارية مع الصين الشعبية لغرض اجبار الأخيرة على دفع تعويضات مالية الى أمريكا بزعم معرفة الصين المبكر عن المرض وعدم اتخاذ اجراءات ضرورية لذلك.
رابعا – أقدمت الولايات المتحدة على قطع معونتها المالية عن منظمة الصحة العالمية في محاولة منها لإلقاء مسؤولية فشلها في التصدي للفايروس على الدول والمنظمات الدولية الأخرى.
خامسا – استمرارها بفرض العقوبات الاقتصادية – السياسية على الدول الوطنية رغم تعرض تلك الدول الى الجائحة الدولية وشحة مواردها في التصدي لتلك الجائحة فضلا عن فقدانها الاف الأرواح البشرية.
سادساً – المواقف المتشددة التي اتخذته الولايات المتحدة إزاء الدول الحليفة التي استعانت بالخبرات الكوبية والروسية للتقليل من اضرار الجائحة الدولية.
ان السياسة الامريكية التي عبرت عنها تصريحات المسؤولين الامريكيين ورغم خسائرها البشرية الفادحة دللت على ان النظام الرأسمالي بصيغته المعاصرة يفتقد الى نبض التعاون الإنساني ويفتقد روح التعاون والتعاون الدولي في الظروف العصيبة التي تعيشها شعوب دول العالم.
ثانيا – التعاون الدولي المشترك وصيانة المصالح الوطنية
انطلاقا من غياب المسؤولية الأخلاقية لدى المراكز الرأسمالية وضعف الاكتراث في مواجهة الكوارث الطبيعية نعمد الى اثارة الموضوعات التالية –
-- اثبتت الجائحة المرضية الدولية أهمية وضرورة التعاون الدولي المبني على العمل المشترك الهادف الى صيانة السلام والامن وصحة شعوب دول العالم.
-- أهمية توصل العالم ودوله الى دواء تنتفع به البشرية وتوفيره لدول المنظومة الدولية بغض النظر عن موقعها في طوابق التشكيلة الرأسمالية العالمية.
- توفير الدواء لشعوب دول العالم بأثمان رخيصة لعدم قدرة الدول الفقيرة من شرائه بأسعار لا تستطيع تحملها لغرض صيانة الامن الصحي للبشرية.
-- التوقف عن اثارة التوترات السياسية والحروب الإعلامية وتأجيج النزاعات الداخلية لأسباب سياسية.
ان الملاحظات المثارة هي دالات عملية مستعجلة لشد لحمة التعاون الدولي لمواجهة الازمة المرضية العاصفة ورغم معرفتنا الأكيدة ان البناء الرأسمالي المعولم والمنافسة الرأسمالية الدولية فضلا عن روح الهيمنة الدولية عوامل كابحة بوجه التعاون الدولي.
ثالثاً - بنية النظام الرأسمالي واعاقة التعاون الدولي.
اعتمادا على ما جرى تناوله يمكن تحديد عوامل إعاقة التعاون الدولي بروح النظام الرأسمالي وسماته الاقتصادية وانعكاسها على سلوكه السياسي مع الدول الأخرى عبر الرؤى التالية –
1—تناقضات النظام البنيوية تكمن في التناقض الأساسي بين العمل الاجتماعي والملكية الفردية لوسائل الإنتاج.
2—التناقض بين فردية التملك وجماعية الإنتاج ينعكس على المنافسة المحتدمة بين التعاون الدولي وبين طموح المراكز الرسمالية للهيمنة الدولية.
3-- تتجلى روح الهيمنة الدولية بتأجيج ومساندة الحروب الإقليمية والتراخي في التصدي للأوبئة العالمية باعتبارها آليات مهمة في ديناميكية الاستغلال والربح السريع.
4-- علاقات الهيمنة الدولية التي تعتمدها المراكز الرأسمالية الكبرى تبقى أدوات محركة لسيطرة المراكز الرأسمالية في العلاقات الدولية.
5- تتجلى علاقات الهيمنة والسيطرة من خلال العقوبات الاقتصادية وسياسية التدخل في الشؤون الداخلية واثارة الحروب الإقليمية والنزاعات الوطنية.
6- تساهم العقوبات الاقتصادية على الدول الوطنية في انتشار الامراض والاوبئة وما ينتجه ذلك من ازدياد الضحايا البشرية واعاقة تطور البلدان المستهدفة.
7-- الاستهانة بالروح البشرية يعري طبيعة المراكز الرأسمالية اللاإنسانية ويساعد على بقاء الأنظمة الشمولية في إدارة شؤون البلاد السياسية.
ان السمات المشار اليها التي تتحكم بها عقلية الربح والهيمنة على حساب البشرية وسلامتها تهيئ الفرصة لعلاقات دولية جديدة ترتكز على صيانة الكرامة الإنسانية وتطورها والتي اراها ب –
رابعاً- ملامح العلاقات الدولية الجديدة.
في خضم التطورات الدولية المتسارعة التي أحدثتها الجائحة الدولية وما نتج عنها من انهيارات اقتصادية وتعثرات -مالية – ومصاعب معيشية لقوى العمل تبرز أهمية تعاون الاسرة الدولية الهادف الى بناء علاقات دولية جديدة ترتكن على المحددات السياسية التالية-
أولا –تطوير التعاون بين دول التشكيلة الرأسمالية العالمية على قاعدة العمل الدولي المشترك لبناء آلية دولية تتصدى لمواجهة الأخطار الناشئة عن انتشار الأوبئة والكوارث الطبيعية.
ثانياً –منع النزاعات والحروب الاهلية بين القوى الاجتماعية المتنازعة في التشكيلات الوطنية والدفاع عن السلم والامن لشعوب دول التشكيلة الرأسمالية العالمية.
ثالثاً – احترام تطور التشكيلات الاجتماعية الوطنية المستقلة ومساعدتها بحل نزاعاتها الوطنية ناهيك عن التخلي عن سياسة الانحياز لأحد الأطراف المتنازعة.
رابعا -عدم التدخل في اختيار الشعوب لطرق تنميتها الوطنية الهادفة الى تطوير اقتصاداتها الوطنية وحماية طبقات تشكيلتها الاجتماعية.
خامساً– عدم التدخل في النزاعات الوطنية وبناء علاقات دولية تستند على التعاون الدولي وما يحمله ذلك من ضرورة التخلي عن نهوج التبعية والتهميش والالحاق.
ان المسؤولية الأخلاقية التي يفرزها عالم متكافئ السيادة بين الدول ومصالحها الوطنية تتجلى ملامحها الإنسانية في التصدي لطبيعة المخاطر السياسية والاجتماعية المواجهة لتطورها ووحدة مسارها الدولي الأمن.