هل من سبيل للخروج من الأزمة السياسية العراقية؟

كاظم حبيب
2020 / 4 / 29

الأسئلة العديدة والمشروعة التي تفرض نفسها على أي محلل سياسي يتابع مجري الأحداث في العراق، منها: ما هي طبيعة الأزمة التي يمر بها العراق؟ وما هي إمكانيات وسبل معالجتها؟ فنتحرى جميعاً عن إجابة لهذه الأسئلة. إن الأزمة الراهنة في العراق والمتراكمة منذ سنين هي أزمة مركبة ذات ثلاثة أبعاد متلازمة ومتفاعلة أساسها واحد، إنها أزمة نظام سياسي غير ديمقراطي، طائفي وأثني محاصصي تابع، متخلف ورث في آن واحد. إنها أزمة اقتصادية تجد تعبيرها في بنية الاقتصاد الوطني المشوهة الوحيدة الجانب واعتماد الدحل القومي على إيرادات النفط الخام المصدر، كمورد أساسي ورئيسي، وغياب الرؤية الاقتصادية العقلانية في عملية التنمية الغائبة أساساً، وفي توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي واستخدامه غير العقلاني لإعادة بناء الاقتصاد الوطني وتأهيله، إضافة إلى غياب كامل للعدالة الاجتماعية في ظل النهب المنظم والمتفاقم للدخل القومي وللنفط الخام والجمارك وتجويع غالبة المجتمع. إنها أزمة اجتماعية متفاقمة بسبب طبيعة بنية المجتمع ومشكلاته الكبيرة وهيمنة فئة اجتماعية طفيلية نهابة ومخاتلة وكذّابة، إذ تستخدم الدين والمرجعيات الشيعية والمؤسسة الدينية لفرض هيمنتها السياسية لمواصلة تعزيز سلطتها وتكريس نفوذها ونهبها للمال العام والخضوع لسيدها الأجنبي. وهناك أزمة رابعة موجعة هي الأزمة البيئية والرثاثة المنتشرة في البلاد نتيجة هيمنة الفئة الطفيلية الرثة على حكم البلاد، والتي كان ولا يزال لها عواقب اجتماعية وصحية هائلة على الفرد والمجتمع، لاسيما على الأحياء الفقيرة وعلى المرضى والعجزة. إذن هي أزمة مركبة ومتراكمة وشاملة تتفاعل فيها عوامل داخلية وإقليمية ودولية لتزيد من حدة التناقضات والصراعات الجارية على الساحة السياسية العراقية. وزاد في الأمر سوءاً جائحة كورونا التي قلصت وستقلص لفترة غير قصيرة إيرادات العراق المالية من النفط الخام لأسباب ترتبط بتوقف نسبة عالية من العمليات الاقتصادية على الصعيد العالمي التي تحتاج إلى الطاقة، ووجود احتياطي كبير من النفط الخام المخزون عالمياً بسبب المنافسة والتزاحم على استخراجيه وتصديره، مما قاد إلى ارتفاع المعروض منه وتراجع الطلب الدولي عليه، مما خفض سعره إلى مستويات غير معهودة من جهة، وعدم كف الطغمة الحاكمة وأحزابها السياسية عن مواصلة نهب ما متوفر من مال والعمل على تهريب العملة الصعبة إلى إيران بطرق شتى من جهة ثانية. إن كل ذلك بدأ بزيادة مصاعب الشعب والعائلات الفقيرة والمعدمة والجائعة والتي تعيش تحت خط الفقر أو عليه. كما قادت إلى مزيد من التدهور في الخدمات الصحية ومستوى التعليم والسكن والنقل وتقليص القدرة الشرائية للغالبية العظمى من السكان، بسبب تراجع قدرة الحكومة على توفير الرواتب والسيولة النقدية، وبسبب زيادة كبيرة في عدد العاطلين عن العمل، وإلى ارتفاع في سعر السلع والخدمات نتيجة تقلص القدرة الاستيرادية، مما أوجد حالياً حالة من الركود التضخمي التي ستتفاقم بسرعة كبيرة. ولا شك في أن العراق قد لجأ الآن للحصول على القروض وبشروط تزيد من خضوع العراق وتبعيته للمؤسسات المالية الدولية المخلة بسيادة العراق وباقتصاده والكادحين والفقراء من بنات وأبناء الشعب، وهم الغالبية، إضافة إلى زيادة مديونيته الخارجية وتقليص احتياطه من العملات الصعبة. هذه الحالة كانت موجودة قبل كورونا وتفاقمت بعد كورونا. ولكن هناك فارق كبير في مسألة مركزية، أعني بها التحولات المهمة الجارية في وعي الشعب السياسي والاجتماعي في مواجهة الأزمة بكل جوانبها، وعيه ونشاطه الفعلي منذ عام 2019، إذ ارتفع هذا الوعي وتجلى في مستوى جديد ومؤثر عبرت عنه انتفاضة الشبيبة الباسلة، ومن ثم تحولها إلى انتفاضة شعبية خلال الأشهر الأخيرة من عام 2019 حتى أدى بروز وباء كورونا إلى تراجعها المقصود لفترة.
إن الطغمة الحاكمة لا تريد حل الأزمة، إذ إنها المستفيدة منها وتعمل على إطالتها وإبقاء وزارة تصريف الأعمال ووجود عادل عبد المهدي على رأسها، فهو المناسب لها وللقيادة الإيرانية، ولن تستبدله بآخر ما لم يكن مماثلاً لمن استحق لقب سفاح الشعب، ويستجيب لمطالبها وشروطها، لاسيما خضوعه لإيران وسياساتها في العراق. وإحدى المشكلات التي تعقد اللوحة هو موقف القيادات الكردية التي تريد الاستفادة من الصراعات داخل القوى العربية لصالحها، وبطريقة مخلة لا يستفيد منها الشعب بكل قومياته ولا حتى الشعب الكردي، وهو الأمر الذي لا يعبر عن مواقف مبدئية إزاء القضايا الكردية الأساسية وقضية الديمقراطية والتقدم الاجتماعي في العراق، والتي تضعف القدرة في مواجهة القوى السياسية الطائفية الحاكمة في بغداد. أي إنها تتحرى عن قوى مستعدة للمساومة معها على حساب التغيير المطلوب للصالح العام لمصالح مالية لا غير. وهو امر ليس بجديد ولكن أثاره الراهنة شديدة الضرر على العراق كله وعلى القضية الكردية ذاتها وعلى التضامن النضالي الطويل الأمد، خاصة وأن القوى المعادية للشعب العراقي وعموماً والشعب الكردي خصوصاً، تعمل على إعادة التحالف السياسي الإيراني-العراقي-التركي-السوري الحكومي الموجه ضد القضية الكردية والديمقراطية في العراق وتطويق الشعب الكردي اقتصادياً وسياسياً وخنق الفصيل المتقدم في حركة الأمة الكردية، عندها يضعف أو يغيب عنصر المساومة للقيادة السياسية الكردية الراهنة مع حكام بغداد، وعندها لن تجد من يدافع عنها، وهو الأمر الذي يفترض الانتباه له والتعامل معه بصيغة أخرى غير الصيغة غير الديمقراطية الراهنة!
إن حل أزمة العراق من هذا الطراز والوزن الثقيل والشامل، حيث تلعب فيها عوامل كثيرة ثابتة ومتغيرة وأخرى غير محسوبة ومفاجئة، تحتاج إلى إمكانيات استثنائية ورؤية شاملة لواقع العراق وإمكانيات المجتمع وفئاته الفقيرة والكادحة والمثقفة والقوى السياسية الحاملة للمشروع الوطني الديمقراطي وإلى ممارسة سبل متنوعة في النضال. ويبدو لي أن قوى الانتفاضة الشعبية قد أدركت خلال الشهور المنصرمة بأن حل هذه الأزمة لا يمر عبر استخدام السلاح، بل عبر النضال السلمي والمتنوع والمتعدد الجوانب والمتصاعد بتنسيق كبير أولاً. وأن هذا النضال لا يمكن أن تخوضه قوى الانتفاضة الشعبية دون مشاركة القوى والأحزاب السياسية الوطنية والديمقراطية واليسارية فيها، وهي الفاعلة بها حالياً، ثانياً. وأن هذه الانتفاضة لا تعمل على حل مشكلات وإشكاليات جزئية لهذه المجموعة السكانية أو تلك، بل هي تسعى إلى تغيير حقيقي في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي في العراق، ومن خلاله يمكنها معالجة المشكلات الجزئية للفئات السكانية العديدة ثالثاً. وأن هذه الانتفاضة لا يمكنها أن تنجح ما لم تعبئ أكبر قدر من بنات وأبناء الشعب العراقي في المدينة والريف، إضافة إلى المثقفين والطلبة والكسبة والحرفيين وغيرهم، بل ومن المهم أن يقف أبناء وبنات القوميات الأخرى وكذلك أتباع الديانات والمذاهب العديدة إلى جانب الانتفاضة لأنها انتفاضة الشعب كله ضد الطائفية والتمييز الديني والطائفي والقومي وضد التمييز إزاء المرأة وحقوقها ودورها في المجتمع رابعاً. إلا إن ما لم تدركه قوى الانتفاضة حتى الآن، وكما أرى وأدعي، هو إغفالها أهمية وجود قيادة سياسية موحدة يلتقي فيها ممثلو جميع قوى الانتفاضة الشعبية بتنوع فصائلها خلفياتهم الفكرية والسياسية وأحزابهم الوطنية والديمقراطية. إنها المهمة الجديدة الأكثر إلحاحاً التي تواجه قوى الانتفاضة. الواقع العراقي يؤكد أن ليس هناك حزباً واحداً أو مجموعة من الأحزاب قادرة على تحقيق أهداف الانتفاضة، بل لا بد من تعبئة كل قوى الشعب في العملية النضالية، في الانتفاضة، وتجلي ذلك في برنامج سياسي مشترك واتفاق على أساليب النضال السلمية وسبل تصعيدها وتطويرها ووصولاً إلى تحقيق غاياتها النبيلة. كما لا بد من الاستفادة القصوى من الصراعات التي تخوضها قوى الإسلام السياسي في ما بينها للحصول على أقوى النفوذ في الحكومة الجديدة وأقصى التأثير والمكاسب المادية ونهبها المستمر لخزينة الدولة والنفط الخام وتهريبه أو الحصول على إيرادات الجمارك والتمتع بها دون الشعب كله. فالحكومة العراقية الراهنة حكومة غير وطنية ومناهضة لمصالح الشعب ووحدته، وهي تابعة، كما إن الدولة العراقية محرومة من الاستقلال والسيادة الوطنية، ولهذا فأن النضال يتوجه نحو تحقيق وحدة قوى الانتفاضة الشعبية وبرنامجها الموحد لإقامة الدولة الوطنية الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي وتعبئة الشعب حولهما وكسب الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي لهما، إنها كلها ضمن الشروط التي تقود إلى تحقيق التغيير المنشود.