التشكيلة الطبقية العراقية وتحولات بنيتها السياسية

لطفي حاتم
2020 / 4 / 25

تمتاز الدولة العراقية وتشكيلتها الاجتماعية بتعدد قومياتها وأديانها وطوائفها السماوية وبالضد من تلك التعددية احتكرت الأقلية السنية قيادة أجهزة الدولة السيادية منذ تأسيسها وحتى انهيارها على يد الاحتلال العسكري الأمريكي عام 2003.
أولا – الدولة العراقية وسمات تشكيلتها الاجتماعية.
- استنادا الى هيمنة الطائفة السنية على السلطة السياسية اتسم بناء الدولة العراقية منذ نشؤها حتى انهيارها بكثرة من السمات نحاول ايجازها بالمحددات التالية --
المحدد الأول – هيمنة الطائفة السنية وكادرها المتعلم على المراكز الأساسية في سلطات الدولة الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية.
المحدد الثاني – بسبب مقاطعتها لسلطة الدولة السياسية (لأسباب دينية) اتجه أغنياء الطائفة الشيعية الى التجارة حيث شكلت التجارة الحرفة الرئيسية لأبناء الطائفة الشيعية.
المحدد الثالث – شددت القوى المتنفذة في الطائفة الشيعية وصايتها الطائفية على قاعدتها الاجتماعية الفقيرة عبر فعاليات دينية مختلفة منها – مناسبات دينية, فتاوي مذهبية تعني بالحلال والحرام , تقديس الشخصيات التاريخية, التبرك بأضرحتهم المقدسة وغيرها من تقاليد الطائفة الشيعية .
المحدد الرابع -- الانقسام الطبقي في الدولة العراقية تلون بصفة مذهبية حيث هيمن المذهب السني على أجهزة الدولة السيادية فضلا عن قيادته للمؤسسة العسكرية بينما احتل اغنياء الطائفة الشيعة المراكز التجارية الأساسية في البنية الاجتماعية.
المحدد الخامس -- تواصل الانقسام الطبقي الطائفي في تشكيلة العراق الاجتماعية الى ثورة 14 تموز التي حاولت كسر التوازنات المذهبية واعتبار أجهزة الدولة والمواقع الاقتصادية ملكا لجميع الشعب العراقي.
المحدد السادس –محاولات بناء تشكيلة طبقية عراقية تعتمد التوازن الطبقي في بناء الدولة العراقية لم يدم طويلا حيث اعادة القوى العسكرية السنية استلام مقاليد السلطة السياسية.
المحدد السابع - حاولت السلطات الجديدة فرض هيمنتها الطبقية على المواقع التجارية لطبقة البازار الشيعي المتهم بمحاباة الدولة الإيرانية.
ان اقصاء الشيعة من المواقع التجارية والحياة السياسية وهيمنة الكوادر السنية على سلطة الدولة السياسية أدى الى نقل نزاعات العراق الطبقية التي ميزت الدولة العراقية في عهدها الملكي والعهد الجمهوري الأول الى صراعات طائفية بين الطائفتين المتنازعتين على القيادة السياسية لسلطة الدولة العراقية.

ثانيا- الاحتلال الأمريكي للعراق وسيادة الروح المذهبية
أدى الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق بعد اسقاط الديكتاتورية عام 203 الى كثرة من المتغيرات السياسية والطبقية في الدولة العراقية وتشكيلتها الاجتماعية تمثلت بكثرة من المؤشرات منها-
أ- أفضى انهيار سلطة البعث الاستبدادية ذات الاردية الطائفية الى هيمنة أنصار القوى المحتلة على المراكز القيادية في أجهزة الدولة السيادية.
ب– أحدث الاحتلال الأمريكي-البريطاني للعراق خللا في بنية التشكيلة العراقية الاجتماعية تمثل بإقصاء السنة عن السلطة السياسية وأجهزتها الإدارية وما تمخض عن ذلك من تقليص مواقعها الطبقية - السياسية.
ج– صعود الطائفة الشيعية باعتبارها أغلبية مضطهدة في تشكيلة العراق الاجتماعية وما نتج عن ذلك من --
د-- تفكك المؤسسة العسكرية عبر إحالة طواقمها على التقاعد باعتبارها معقل أساسي لهيمنة الطائفة السنية.
ه-- تفكك أجهزة الدولة البيروقراطية السنية واستبدالها ببيروقراطية شيعية جديدة افرزتها سيطرة القوى الشيعية على مراكز أجهزة الدولة الإدارية.
و- تشكيل قوى شعبية مسلحة موازية للمؤسسة العسكرية لخشية أحزاب الطائفية الشيعية من المؤسسة العسكرية وطواقمها القيادية.
ز-- قادت الإجراءات الجديدة للقوى الشيعية المتنفذة والمتعددة المراكز القيادية الى شيوع الفساد الإداري وما نتج عنه من تردي الدولة العراقية وانحدارها الى حافة الإفلاس والانهيار.
ثالثاً- الهيمنة المذهبية في الدولة العراقية الجديدة.
بسبب صراعات بنيتها الطائفية تتعايش في الدولة العراقية كثرة من الظواهر تسعى القوى المذهبية المتنفذة على ترسيخها والتي اجدها في الموضوعات التالية –
1 - سيادة الطائفية السياسية في أجهزة الدولة العراقية
تتجلى تلك السيادة في تقاسم أجهزة الدولة وسلطاتها الثلاث على الطوائف السياسية عبر مبدأ اقتسام السلطات حيث هيمنة الطائفة الشيعية على قيادة السلطة التنفيذية بينما احتلت الطائف السنية رئاسة البرلمان فيما تبوأت الأحزاب الكردية رئاسة الجمهورية.
-- التقسيم الطائفي المشار اليه لم يستند على قاعدة دستورية بل جرى اعتماداً على التوافقات المذهبية وسيادتها لاحقا كعرف (دستوري) في الحياة السياسية.
2– تغير التشكيلة الطبقية العراقية
تعرضت التشكيلة العراقية الطبقية الى تبدلات سريعة حيث تراجعت الطبقات الاجتماعية الفاعلة في الدورة الإنتاجية - الطبقة العاملة وشرائح الطبقة البرجوازية - بينا تعززت مواقع الطبقات الاجتماعية الفرعية -- الكمبورادورية والشرائح المالية الربوية –.
3 – نشوء قوى طبقية فرعية جديدة تتسم بغياب روحها (الوطنية) بسبب ارتكازها على الربح السريع وتحالفاتها السياسية مع الوافد الأجنبي.
4 – تبدل مهام القوى الوطنية الديمقراطية بعد تراجع تأثيراتها السياسية وما اشترطه ذلك من تغيير برامجها الطبقية والسياسية.
5 – اندلاع حركة عراقية وطنية شعبية واسعة مناهضة للدولة الطائفية.
-- التغيرات الطبقية والسياسية الجارية في تشكيلة العراق السياسية تطرح السؤال الكبير التالي - ما هو مستقبل الدولة العراقية وتشكيلتها الاجتماعية؟ وماهي القوى الطبقية القادرة على إدارة الصراع الاجتماعي في ظروفنا التاريخية المعاشة؟.
للإجابة على السؤال المثار لابد من قراءة دقيقة لفكر القوى السياسية المتنازعة وبرامجها السياسية ومواقفها من قضايا تطور سلطة الدولة العراقية ودورها في النزاعات الاجتماعية.
- بات واضحا بأن هناك نزاعا اجتماعيا محتدما في تشكيلة العراق السياسية حول طبيعة الدولة العراقية ومستقبلها السياسي وبهذا المسار تتنازع ثلاث مشاريع وطنية مختلفة تتمحور حول المؤسسة العسكرية ودورها في الدولة العراقية.
المشروع الأول – المؤسسة العسكرية والرؤية الطائفية.
يتمثل الموقف الطائفي من المؤسسة العسكرية بسياسة تياري الإسلام السياسي الشيعي -- السني حيث يسعى التيار الشيعي السياسي الى حل الجيش العراقي واستبداله بالمليشيات المسلحة استناداً الى خشيته من الروح الانقلابية للمؤسسة العسكرية. بينما يسعى المشروع الطائفي السني الى إعادة بناء المؤسسة العسكرية بما يضمن عودة شبكة كادرها القديم وتقوية روحها الانقلابية بهدف استخدامها في النزاعات الوطنية.
المشروع الثاني --الدولة الوطنية وهيمنة المؤسسة العسكرية
تحتل المؤسسة العسكرية موقعاً أساسياً في بناء الدولة العراقية نابعاً من وظائفها العامة الهادفة الى منع تحول النزاعات الوطنية الى حروب أهلية فضلاً عن دفاعها الوطني عن الدولة العراقية, وتماشيا مع تلك الرؤى تسعى بعض القوى السياسية الى بناء نظام سياسي ذو سمات استبدادية.
المشروع الثالث -- الرؤية الوطنية -الديمقراطية.
ترتكز رؤية المشروع الوطني -- الديمقراطي لدور المؤسسة العسكرية على طيف واسع من برامج القوى السياسية الشعبية في الدولة العراقية نسعى الى قراءتها على أساس العناوين السياسية التالية --
العنوان الاول -- الولاء الوطني للدولة العراقية.
وما يعنيه ذلك من ضمان سيادة الدولة الوطنية وتطور بناء تشكيلتها الطبقية وعدم التدخل الخارجي في شؤونها الوطنية.
العنوان الثاني-- بناء الدولة الوطنية على مبادئ الشرعية لديمقراطية.
تتمتع الشرعية الديمقراطية للدولة الوطنية بإطار جامع للقوى السياسية العراقية والتي تهدف الى اعادة بناء الدولة العراقية ومؤسستها العسكرية على قاعدة الولاء الوطني للدولة الديمقراطية وسيادتها الوطنية.
العنوان الثاني –الشرعية الوطنية للحكم.
العاملة على إعادة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية على أساس الشرعية الانتخابية للسلطة السياسية بعيدا عن الهيمنة الحزبية والروح الانقلابية.
العنوان الثالث -إقامة جبهات وطنية – ديمقراطية.
السعي الى بناء الدولة الوطنية وفق برامج اقتصادية – اجتماعية وليس ولاءات خارجية طائفية او إقليمية.
ان الموضوعات المشار اليها تستمد فعاليتها السياسية من كفاح القوى الوطنية الديمقراطية المرتكز على بناء دولة وطنية ديمقراطية تحفظ العراقيين من الاضطهاد الطائفي والتمايز الطبقي وعسف الاحتلال الخارجي.