عصفورين بحجر واحد!

طه رشيد
2020 / 4 / 11

يتطلع الشعب العراقي، ومنذ انطلاق انتفاضته الشعبية في اكتوبر الماضي، الى اجراء انتخابات نيابية حرة نزيهة، وهي من اولى مهمات الحكومة المؤقتة التي يفترض ان ترى النور خلال الفترة القريبة القادمة، وهذا يحتاج بطبيعة الحال الى اختيار مفوضية انتخابات، هي الاخرى يفترض بها ان تكون مستقلة ونزيهة وكفوءة من خارج القوى الحزبية المتنفذة، وبعيدة كل البعد عن مفهوم " المحاصصة " الذي اوجد منظومة للفساد مرعبة اهلكت البلاد والعباد! بالاضافة الى ضرورة تعديل قانون الانتخابات الحالي بما يضمن حق المواطن بالترشح والاختيار دون ان يضيع او يسرق صوته من قبل هذا الحزب او ذاك بعيدا عن قانون الغاب الجائر ، القوي ياكل الضعيف!
ولكي تجري الانتخابات بطريقة سلسة وشفافة لا بد من " حصر السلاح بيد الدولة" وهذا يتوجب تعاون وتكاتف السلطات المسؤولة وابناء الشعب الغيارى على هذا الوطن من اجل تحقيق هذا الهدف، فعلا لا قولا، الذي سيؤدي بطبيعة الحال الى حل المليشيات كافة، وعدم قبول اي حزب ( قانون الاحزاب) يمتلك اذرعا مسلحة سرا او علانية!
هناك شرط اخر لاجراء الانتخابات بطريقة صحيحة وعادلة، ولم يتوقف عندها الكثير، وهي اجراء تعداد سكاني جديد، اذ ان اخر تعداد سكاني "ناقص" جرى في ظل النظام السابق عام ١٩٩٧، ومن المفروض ان يجري " تعداد السكان" في العراق كل عشر سنوات، حيث جرت اولى الاحصاءات في العراق عام ١٩٢٧، واعيدت لثمان مرات فقط! ١٩٣٧ و٤٧ و٥٧ و٦٥ و٧٧ و١٩٨٧ ( لم يكن كاملا بسبب ظروف الحرب العراقية - الايرانية ولم يتم احصاء المدن والقرى المتاخمة للحدود مع ايران)، والاخير كان في ١٩٩٧ وهو الاخر ناقص لانه تم جمع المعلومات الاحصائية لخمس عشرة محافظة فقط (عدا محافظات أقليم كردستان) ولم يجر احصاء العراقيين في الخارج الذين تجاوز عددهم ثلاثة ملايين!
أن الدول المتقدمة تعتني كثيرا في قضية التعداد السكاني وتعتبرها قضية جوهرية في رسم مجمل برامجها الاقتصادية. وفي نظرة خاطفة على التعداد السكاني في العالم نجد ان اول تعداد للاراضي و السكان و الممتلكات في انكلترا جرى عام ١٠٦٦، وفي الولايات المتحدة الامريكية عام ١۷۹٠، وفي المانيا عام ١٨۷١، وفي روسيا عام ١٨۹۷، وفي اليابان عام ١٨٦١، وفي فرنسا ١٨٣٦، وفي بلجيكا عام ١٨٤٦، وفي الهند عام ١٨٨١.
هذه القضية الجوهرية، تناستها عن عمد او سهوا، العديد من الفعاليات السياسية، فهل يمكن ان يجري التعداد السكاني في العراق اليوم؟!
اجد ان الفرصة مناسبة جدا، هذه الايام، لاجرائه من اجل ان نضرب عصفورين بحجر واحد!
وباء "كورونا" الذي يهدد العالم لم يكن بعيدا عن وطننا، الذي سجل لحد كتابة هذه السطور، اقل عددا من المصابين في المنطقة. ولكن ما خفي اعظم، اذ ان الجميع يعرف ويعترف بتهرؤ البنية التحتية للخدمات الصحية في القطاع الحكومي من مستشفى شيخ زايد الى مدينة الطب، وعدم توفر الاجهزة اللازمة لمعالحة الاصابات المستفحلة لكورونا بالرغم من وصول المساعدات الصينية الكبيرة. اضف لذلك ( وهذا هو بيت القصيد !) عدم اجراء مسح شامل للعوائل العراقية بمختلف المدن، بما فيها تلك التي احتلت المراتب الاولى في الاصابات مثل البصرة والنجف واربيل. وعليه اجد انها فرصة مناسبة جدا لخروج فرق صحية يرافقها مختصون في التعداد السكاني، بعد تهيئة البيانات المناسبة، واعتماد البطاقة التموينية وتحديثها بنفس الوقت ( ويمكن لموظف التعداد ان يقوم بفحص المواطن او بالعكس، وانا على يقين ان هناك عددا كبيرا من الشباب سيتطوع لهذه المهمة النبيلة ).
وهكذا نستطيع ان نصيد العصفورين بعملية واحدة، من جهة اجراء مسح ميداني لعدد الاصابات بارقام حقيقية، ومن جهة اخرى معرفة عدد السكان ومداخيلهم وكل ما يتعلق بحياتهم اليومية، من اجل تهيئة الاسس السليمة للحكومة المقبلة لاجل رسم سياستها الاقتصادية، مع الافتراض مسبقا بانها حكومة وطنية، يهمها تطور العراق وشعبه اولا واخيرا!