منهجية التفسير المادي الجدلي للتاريخ

خليل اندراوس
2020 / 4 / 4

كتب انجلز في مقدمة "الاشتراكية الخيالية والاشتراكية العلمية" يقول: ان المفهوم المادي للتاريخ " يبحث عن السبب النهائي والقوة المحركة الكبرى لكل الأحداث التاريخية الهامة في التطور الاقتصادي للمجتمع، في التغيرات في اسلوب الانتاج والتبادل، وفي ما يعقب ذلك من انقسام المجتمع الى طبقات متميزة، وفي صراع هذه الطبقات ضد بعضها البعض".

والقانون الأساسي للتغير الاجتماعي هو القانون الذي يحكم التغيرات في اسلوب الانتاج. فنمو قوى الانتاج يتنازع مع علاقات الانتاج القائمة، ويؤدي الى الثورة الاجتماعية، والى انهيار النظام القديم لعلاقات الانتاج وخلق نظام جديد، والى التطويح بالطبقة الحاكمة القديمة ووصول طبقة جديدة الى السلطة.

وكتب ماركس يقول: "عند دراسة مثل هذه التحولات ينبغي التمييز دائما بين التحولات المادية للظروف الاقتصادية للإنتاج التي يمكن ان تحدد بدقة العلم الطبيعي وبين الاشكال القانونية والسياسية والدينية والجمالية والفلسفية – وبإختصار الايديولوجية – التي يعي بها الناس النزاع ويقاتلون حتى حله. وكما رأينا ان فردا ما لا يقوم على ما يعتقده عن نفسه فإننا لا نستطيع ان نحكم على مثل فترة التحول هذه بوعيها هي، بالعكس ان هذا الوعي ينبغي بالأحرى أن يفسر ابتداء من تناقضات الحياة المادية، من النزاع القائم بين قوى الانتاج الاجتماعية وعلاقات الانتاج". (ك. ماركس – نقد الاقتصاد السياسي المقدمة).

نشأت الاشتراكية العلمية على يد كارل ماركس (1818 – 1883) وفريدريك انجلز (1820 – 1895)، وشددوا على المبدأ المادي للنظرية، حيث فسروا التاريخ من خلال دراسة لبظروف المادية للوجود الانساني. وقامت الفلسفة الماركسية بنقد الفلسفة المثالية.

فكما كتب انجلز في كتابه "لودفيغ فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية ص19" ما يلي:

"ان المسألة الاساسية الكبرى في كل فلسفة، ولا سيما في الفلسفة الحديثة، انما هي العلاقة بين الفكر والكائن. فمنذ أقدم العصور، حين كان الناس في جهل مطبق عن تكوينهم الجسدي وما استطاعوا تفسير الأحلام، فتوصلوا الى هذا الاعتقاد القائل بأن فكرهم ومشاعرهم ليس مصدرها جسدهم نفسه، بل انه النفس التي تقطن هذا الجسد وتقارنه عند الموت – منذ ذلك الوقت وجب عليهم ان يمنعوا الفكر في العلاقة بين هذه النفس والعالم الخارجي" وأضاف انجلز في نفس الكتاب ص 51: " فكل ما يحرك الناس ينبغي ان يمر بالضرورة برؤوسهم، ولكن الشكل الذي يأخذه في هذه الرؤوس يتعلق لدرجة كبيرة جدا بالظروف".

وكما كتب لينين حول مصادر الماركسية الثلاثة وأقسامها المكونة الثلاثة "وقد عمق ماركس المادية الفلسفية وطورها، فانتهى بها الى نهايتها المنطقية ووسع نطاقها من معرفة الطبيعة الى معرفة المجتمع البشري.

ان مادية ماركس التاريخية كانت اكبر انتصار احرزه الفكر العلمي. فعلى اثر البلبلة والاعتباط اللذين كانا سائدين حتى ذلك الحين في مفاهيم السياسة والتاريخ، جاءت نظرية علمية روعة في التناسق والتجانس والانسجام، تبين كيف ينبثق ويتطور، من شكل معين من التنظيم الاجتماعي، ومن جراء نمو القوى المنتجة، شكل آخر، ارفع – كيف تولد الرأسمالية من الاقطاعية، مثلا وكما ان معرفة الانسان تعكس الطبيعة القائمة بصورة مستقلة عنه، أي المادة في طريق التطور، كذلك تعكس معرفة الانسان الاجتماعية (أي مختلف الأراء والمذاهب الفلسفية والدينية والسياسية، الخ) نظام المجتمع الاقتصادي. ان المؤسسات السياسية تقوم كبناء فوقي على اساس اقتصادي، فاننا نرى مثلا، كيف ان مختلف الاشكال السياسية للدول الاوروبية العصرية هي ادوات لتعزيز سيطرة البرجوازية على البروليتاريا.

ان فلسفة ماركس هي مادية فلسفية متكاملة، أعطت الانسانية، والطبقة العاملة بخاصة، ادوات جبارة للمعرفة".

ويستمر لينين ويقول في نفس المقال: "وبعدما لاحظ ماركس ان النظام الاقتصادي يشكل الاساس الذس يقوم عليه البناء الفوقي السياسي، اعاد انتباهه اكثر ما اعاده، لدراسة هذا النظام الاقتصادي. ومؤلف ماركس الرئيسي "رأس المال" مكرس لدراسة النظام الاقتصادي في المجتمع الحديث، أي الرأسمالي".

وفي نفس المقال يكتب لينين ويقول: "والعامل يستخدم قسما من يوم العمل لتغطية نفقات اعالته واعالة أسرته (الاجرة): ويستخدم القسم الأخر للشغل مجانا، خالقا للرأسمالي القيمة الزائدة، التي هي مصدر ربح، مصدر اثراء للطبقة الرأسمالية.

ان نظرية القيمة الزائدة تشكل حجر الزاوية في نظرية ماركس الاقتصادية".

لذلك نرى ماركس يؤكد ويشدد على ان الظروف والمقدمات الاقتصادية هي الحاسمة في أخر المطاف في صنع التاريخ. لذلك نقرأ في رسالة من انجلس الى يوسف بلوخ (لندن 21 ايلول 1980) يقول: " نحن نصنع تاريخنا بأنفسنا، ولكننا، اولا نصنعه في ظل مقدمات وظروف محددة جدا، الاقتصادية منها هي الحاسمة في أخر المطاف، ولكن الظروف السياسية وغيرها، وحتى التقاليد التي تعشش في رؤوس الناس، وتلعب هي ايضا دورا معينا، وان لم يكن الدور الحاسم". وهذا الطرح المادي ينفي المفاهيم المثالية التي تقول بان العامل الاول المحدد للتطور الاجتماعي ينبغي البحث عنه في افكار المجتمع ومؤسساته. فعند المثاليين يطور الناس اولا افكار معينة ثم يخلقون المؤسسات التي تتفق مع هذه الافكار. وعلى هذا الاساس يسيرون حياتهم الاقتصادية، وبهذه الطريقة فان المثاليين وكل فلاسفة من فريدمان الى فوكوباما وكل فلاسفة طبقة رأس المال يضعون الأمور مقلوبة رأسا على عقب. انهم يضعون كل شيء على رأسه. وبدلا من القول بأن الافكار والمؤسسات تتطور على اساس الحياة المادية للمجتمع يقولون ان الحياة المادية للمجتمع تتطور على اساس الافكار والمؤسسات.

في هذا المجال نقول ما قاله انجلز في خطابه على قبر ماركس: " لقد كانت الفكرة السابقة عن التاريخ تقوم على مفهوم ان الاسباب النهائية لكل التغيرات التاريخية ينبغي ان يبحث عنها في الافكار المتغيرة للكائنات الانسانية... لكن احدا لم يسأل من أين جاءت هذه الافكار الى اذهان الناس". ومضى انجلز يقول انه ما ان يوجه هذا السؤال:

" حتى يمكن ببساطة تفسير افكار كل فترة تاريخية من الظروف الاقتصادية للحياة، ومن العلاقات الاجتماعية والسياسة للفنرة، التي تتحدد بدورها بهذه الظروف الاقتصادية"، عادة ما يفترض ان اسلافنا طوحوا بعلاقات التبعية الاقطاعية السابقة لأن اذهانهم توصلت الى فكرة ان الناس متساوون. ولكن لماذا اصبح لهذه الفكرة فجأة مثل هذا التأثير؟ لماذا ابدت علاقات التبعية الاقطاعية فجأة – وهي التي ظلت طوال قرون تعتبر طبيعية وعادلة- امرا غير طبيعي وغير عادل؟ ان هذه الاسئلة تقودنا من مجال الافكار الى مجال ظروف الحياة المادية.

فلأن الظروف المادية، الاقتصادية كانت تتغير، بدأت طبقات لها شأنها من الناس تفكر بطريقة جديدة وتدين المؤسسات التي لم يتشكك فيها حتى ذلك الحين إلا قليلون.

ولم تعد العلاقات الاقطاعية القائمة تتمشى مع الظروف الاقتصادية المتطورة. وكان تطور النشاط الاقتصادي والعلاقات الاقتصادية هو الذي خلق القوى التي طوحت بالاقطاع وأرست اسس الرأسمالية. وهكذا فإن ظهور فكرة المساواة وانتشارها في معارضة عدم المساواة الاقطاعية جاء في إثر التغيرات في ظروف الحياة المادية وانعكاسا لها.



//لماذا نما نفوذ فكرة الاشتراكية فجأة مع مسيرة الرأسمالية؟

لقد ظلت الملكية الخاصة قرونا تعتبر طبيعية وعادلة بل تعتبر الاساس الضروري لكل مدنية، اما في فترة تطور الفلسفة الماركسية المادية التاريخية الجدلية وخاصة خلال ظهور العلامات الفارقة في تاريخ الفكر الاشتراكي العلمي عند أحداث " مجاعة الاربعينات" حينما مات جوعا جزء كبير من الفلاحين الايرلنديين، والعمال الانجليز، الأمر الذي جعل العديد من الفلاسفة وعلماء الاقتصاد يعيدون التفكير في قناعتهم الاجتماعية والسياسية.

في تلك الفترة الزمنية من التاريخ عام 1844 ذهب كارل ماركس الى باريس لدراسة الاقتصاد والاشتراكية ومن خلال دراسته للسياسة الفرنسية والاشتراكية توصل كارل ماركس الى أن النظام البرجوازي الرأسمالي محتوم بالفشل. فوضع ماركس المعنى الواسع للاشتراكية – ألا وهو الملكية الجماعية لوسائل الانتاج مما يؤدي الى تحقيق التوزيع العادل للثورة، واستند كارل ماركس الى ما وصلت اليه العلوم، ووظف مجموع هذه النتائج العلمية في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها لانتاج المزيد من المعرفة العلمية لخدمة المصالح الانسانية.

ولعل نجاح الصين الاشتراكية في مكافحة وباء الكورونا، وقدرتها على تقديم الخدمات الانسانية الطبية للعديد من الدول في العالم وتأكيدها أن ما تقوم بها ليس من أجل الصراع والمواجهة بل من اجل السلام وخدمة الانسانية لأكبر مثل ودرس على كل شعوب العالم ان تستفيد منه. وان ترى بالاشتراكية كمجتمع بديل للرأسمالية الامبريالية المتعفنة.

فخلال عقود القرن الثامن عشر جرت احداث تاريخية سببت تحولا حاسما في فهم التاريخ. ففي عام 1831 جرت في ليون اول انتفاضة عمالية، وفي الفترة من عام 1938 حتى عام 1842 وصلت اول حركة عمالية وطنية، وهي حركة الشارتين الانجليز (أول حركة جماهيرية في التاريخ للطبقة العاملة نشأت في بريطانيا وقامت في ثلاثينات واربعينات القرن التاسع عشر. ونشر المساهمون في الحركة ميثاقا شعبيا وناضلوا في سبيل المطالب الواردة فيه بخصوص الحق الانتخابي العام وهلمجرا. وطوال عدة سنوات قامت في كافة ارجاء البلاد اجتماعات حاشدة ومظاهرات شاركت فيها ملايين العمال والحرفيين.

لقد قمعت الحركة ولكن تأثيرها على التطور اللاحق للحركة العمالية العالمية كبير جدا) الى ذروتها. وبرز الصراع الطبقي بين البروليتاريا والبرجوازية الى مكان الصدارة في تاريخ اكثر البلاد تطورا في اوروبا، بالقدر الذي تطورت فيه الصناعة الكبيرة من ناحية والسيادة السياسية التي ظفرت بها البرجوازية منذ وقت غير بعيد – من ناحية اخرى.

وبينت الوقائع بجلاء متزايد كل زيف تعاليم الاقتصاد السياسي البرجوازي حول اتفاق مصالح رأس المال والعمل، وحول الانسجام الشامل واليسر العام الذي يعيش فيه الشعب نتيجة للمنافسة الحرة. وأصبح لامن المستحيل تجاهل كل تلك الوقائع، وكذلك الحال مع الاشتراكية الفرنسية او الانجليزية (المثالية د. خ) التي تعتبر التعبير النظري لها ولو انه غير كامل الى حدٍ كبير. ولكن الفهم المثالي القديم – الذي لم يستبعد بعد – للتاريخ لم يعرف أي صراع طبقي قائم على المصالح المادية.

ولم يعرف بشكل عام أي مصالح مادية. ولم يذكر الانتاج وجميع العلاقات الاقتصادية إلا عرضا كعناصر من الدرجة الثانية في تاريخ الثقافة. وأجبرت الوقائع الجديدة على اخضاع كل التاريخ السابق لبحث جديد، واتضح حينئذ ان كل التاريخ القديم هو تاريخ صراع الطبقات (أجرى انجلز علة الطبعة الالمانية الاولى لكتاب "تطور الاشتراكية من طوباوية الى علم" 1882 تدقيقات جوهرية وصاغ هذا الحكم على النحو التالي: " والتاريخ السابق كله، ما عدا حالة البدائية، كان تاريخا لصراع الطبقات")، وان تلك الطبقات الاجتماعية المتصارعة تعتبر في كل لحظة محددة نتاجا لعلاقات الانتاج والتبادل وباختصار نتاجا للعلاقات الاقتصادية في عصرها، وكما اتضح بالتالي ان التركيب الاقتصادي للمجتمع في كل عصر محدد يكون ذلك الأساس الواقعي، الذي يعلل في نهاية المطاف كل البناء الفوقي المتكون من المؤسسات القانونية والسياسية، وكذلك من الأراء الدينية والفلسفة وغيرها لكل فترة تاريخية محددة، وبذلك طُردت المثالية من ملجأها الأخير من فهم التاريخ، وقدم الفهم المادي للتاريخ ووجد الطريق لتفسير وعي الانسان من وجوده بدلا من التفسير السابق لوجوده من وعيه.

ولكن الاشتراكية السابقة كانت لا تتفق مع ذلك الفهم المادي للتاريخ، بقدر ما كان فهم الماديين الفرنسيين للطبيعة لا يتفق مع الديالكتيك ولا مع العلم الطبيعي الحديث.

ورغم ان الاشتراكية السابقة قد نقدت الاسلوب الرأسمالي القائم في الانتاج وأثاره إلا أنها لم تستطع ان تفسره وبالتالي لم تقدر على التغلب عليه. وكل ما استطاعت ان تفعله هو ان تعلن عدم صلاحيته. ولكن كان الضروري ان تشرح حتمية ظهور اسلوب الانتاج الرأسمالي في علاقته التاريخية وضرورته لفترة تاريخية معينة، وبالتالي حتمية فناءه من ناحية، وأن تكشف ايضا الطابع الداخلي لأسلوب الانتاج هذا الذي لم يكتشف حتى الآن من ناحية اخرى، اذ ان النقد السابق قد اتجه الى الأثار الضارة أكثر منه الى الانتاج الرأسمالي نفسه. وقد تم ذلك الكشف بفضل اكتشاف القيمة الزائدة. فقد أثبت أن تملك العمل غير المدفوع القيمة هو الشكل الاساسي لاسلوب الانتاج الرأسمالي واستغلال العمال الذي يتم عن طريقه، وانه حتى في حالة ما اذا اشترى الرأسمالي قوة العمل بقيمتها الكاملة كبضاعة في سوق البضائع، فانه يستنزف منها مع ذلك قيمة اكبر مما يدفعه لقاءها، وان القيمة الزائدة هذه تكون في النهاية مجموع القيمة التي تتجمع منها في أيدي الطبقات المالكة كتلة رأس المال التي تنمو باستمرار, وبذلك قدم ايضاح لكيفية اتمام الانتاج الرأسمالي وكيفية انتاج رأس المال على حد سواء.

ونحن مدينون لماركس بهذين الاكتشافين العظيمين وهما: الفهم المادي للتاريخ، وكشف سر الانتاج الرأسمالي عن طريق القيمة الزائدة. فبفضل هذين الاكتشافين اصبحت الاشتراكية علما، واصبحت المسألة تنحصر الآن قبل كل شيء في مواصلة تطوير هذا العلم في كل تفاصيله وعلاقاته المتبادلة.

( في كتاب رأس المال لكارل ماركس المجلد الأول الجزء الثاني الفصل الثاني والعشرون يتحدث ماركس عن تحول القيمة الزائدة الى رأسمال – وعن عملية الانتاج الرأسمالية على نطاق موسع, تحول قوانين الملكية المتعلقة بالانتاج البضاعي الى قوانين للنملك الرأسمالي د. خـ).

من هنا نستطيع أن نقول بأنه في ظل الرأسمالية يكف الانتاج عن ان يكون أمرًا فرديًا ويصبح امرا اجتماعيا، ولم تعد الملكية الخاصة والتملك الخاص القائم عليها يتماشيان مع الطابع الجديد للانتاج – الطابع الاجتماعي. وبشكل عام، لا يمكن اعتبار ظهور أفكار جديدة تفسيرا كافيا للتغيرات الاجتماعية، إذ ينبغي دائما ان نفسر منشأ الأفكار ومصدر تأثيرها الاجتماعي. وينبغي البحث عن هذا التفسير في ظروف الحياة المادية للمجتمع.

ولذلك نجد أنه في توافق مع الظروف المختلفة للحياة المادية للمجتمع في الفترات المختلفة فإن أفكارا مختلفة كل الاختلاف تصبح جارية وأن الاختلاف في أفكار مختلف الطبقات في مختلف الفترات – وبالمثل الاختلاف في المنظمات والمؤسسات التي تساندها وتقيمها – ترجع دائما الى اختلافات في ظروف الحياة المادية.

وهنا اذكر تسائل ماركس وانجلز في "البيان الشيوعي": "هل نحتاج الى تأمل عميق لكي ندرك أن أفكار الانسان وأراءه ومفهوماته – وباختصار وعيه – تتغير مع كل تغير في ظروف وجوده المادي وفي علاقاته الاجتماعية وحياته الاجتماعية؟".

ويوجز ماركس المسألة في مقدمة " نقد الاقتصاد السياسي" قائلا: " ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بالعكس ان وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم".



//منازعات تنشأ عن المصالح والمطالب المتناقضة

عند دخول الناس في علاقات انتاج وقيامهم بالنشاط الاقتصادي للانتاج والتوزيع يكتسبون مصالح ومطالب محددة لحياتهم وينغمسون في منازعات تنشأ عن المصالح والمطالب المتناقضة. وكل هذه حقائق موضوعية مادية توجد مستقلة عما قد يعتقدونه عنها. لكن الناس يتصرفون بوعي، ولديهم افكار عن انفسهم وأهدافهم في الحياة، وهم في نشاط حياتهم الواعي ينتظمون في كل انواع المؤسسات لخدمة كل ألوان الأهداف المدركة بوعي.

فالأفكار والمؤسسات السياسية والثقافية والاجتماعية والجمالية التي يتبناها الناس تتحد دائما بعلاقاتهم الاجتماعية الأساسية، بعلاقات الانتاج. وهذا ما أسماه ماركس بالعلاقة ما بين "الاساس الاقتصادي" و "التركيب العلوي الاجتماعي".

وهنا علينا أن نؤكد بأن الأفكار والوعي الاجتماعي والمؤسسات التي تطورت على أساس التطور الاقتصادي ليست مجرد "انعكاس" او ناتج جانبي – انها ليست مجرد نتائج سلبية بل هي تلعب دورا نشطا بالنسبة الى البناء التحتي الاقتصادي للمجتمع. فالتطور الاقتصادي للمجتمع هو تطور سيطرة الناس على الطبيعة، وهم لهذا الهدف يطورون قوى انتاجهم، ويدخلون في علاقات انتاج تتوافق معها، وليست أفكار الناس ومؤسساتهم على غير صلة بهذا التطور الاقتصادي، بالعكس انها تلعب دورا لا غنى عنه. وهذه هي العلاقة الجدلية بين البناء الاقتصادي التحتي للمجتمع وبين البناء الفوقي – التركيب العلوي للمجتمع – وهكذا مثلا لم تنشأ عن العمليات الاقتصادية للاقطاعية في اوروبا ما نسميه الآن الأفكار والمؤسسات الاقطاعية فحسب، يل نشأت كذلك المجادلات والمنازعات والصراعات الايديولوجية بين المؤسسات والانتفاضات التي كانت تعكس الصراع والنزاع بين الرأسمالية الوليدة والتشكيلة الاجتماعية الاقطاعية المتدهورة وقد نشبت معارك ايديولوجية كبيرة وهبات سياسية وحروب دينية – ولعب هذا كله دورا لا غنى عنه في تطور الاقتصاد الاقطاعي ذاته وفي التغير الاقتصادي وفي الانتقال من التركيبة الاجتماعية الاقطاعية الى التركيبة الاجتماعية الرأسمالية. هذا هو التحليل الجدلي المادي الديالكتيكي بالنسبة للانتقال من تشكيلة اجتماعية الى أخرى أكثر تطورًا.

وهنا أذكر ما قاله انجلز في كتابه ضد دوهرنج ص 29: "وهكذا لا يمكن التوصل الى صورة دقيقة عن الكون وتطوره وعن تطور البشرية وكذلك عن انعكاس ذلك التطور في أذهان الناس إلا بالطريق الديالكتيكي، يالانتباه المستمر للتأثير المتبادل العام بين النشوء والزوال، بين التغيرات التقدمية، والتغيرات الرجعية".

من هنا ففي تاريخ المجتمع تكون العملية الاقتصادية دائما الأساس الذي يفسر العملية الايديولوجية والمؤسسات، لكن العملية الايديولوجية والمؤسسات في الوقت نفسه وظيفة ضرورية بالنسبة الى الاقتصاد والتطور الاقتصادي، وهي تفسر كيف تنقذ بالفعل العملية الاقتصادية، لأن الناس لا يستطيعون القيام بنشاطهم الاقتصادي لاالأساسي – لا يستطيعون أن يعيشوا في مجتمع – دون أفكار يصورون بها لأنفسهم وضعهم وغاياتهم، ودون مؤسسات يحققون خلالها غاياتهم. غير أن الطريقة التي يصورون بها انفسهم لأانفسهم والغايات التي يضعونها أمام أنفسهم، تتوقف دائما على الظروف المادية – نشاطهم الاقتصادي وعلاقاتهم الانتاجية والصراعات الاقتصادية الطبقية التي تنشأ عن ذلك.

فالأفكار والمؤسسات تتطور على أساس الاقتصاد وليس لها تطور مستقل. وكم أعلن ماركس وانجلز في " الايديولوجية الألمانية" أنها: " ليس لها تاريخ، ليس لها تطور، لكن الناس إذ يطورون انتاجهم المادي وعلاقاتهم المادية يغيرون معها وجودهم الواقعي وتفكيرهم، ومنتجات تفكيرهم".

قال لينين في مقالة " من هم أصدقاء الشعب" ان ماركس: " كان أول من وضع علم الاجتماع على أساس علمي، بارسائه لمفهوم التكوين الاقتصادي للمجتمع كمجموع لعلاقات الانتاج، وبإرسائه حقيقة أن تطور مثل هذه التكوينات عملية من عمليات التاريخ الطبيعي" ومضى لينين يوضح أن ماركس في كتابه رأس المال لم بحلل باستفاضة التركيب الاقتصادي الرأسمالي وقوانين تطوره فحسب، بل أوضح كيف تنشأ في توافق مع تطوره أنماط محدد للوعي.

"إن رأس المال.. قد عرض للقارئ التكوين الاجتماعي الرأسمالي بأسره كشيء حي – بزوايا حياته اليومية، بالمظاهر الاجتماعية الفعلية للتناقضات بين الطبقات الكامنة في علاقات الانتاج، بالتركيب العلوي السياسي البرجوازي الذين يبقي على سيطرة الطبقة الرأسمالية، بالأفكار البرجوازية عن الحرية والمساواة وما إليها، بعلاقات الأسرة البرجوازية" (ف.أ. لينين: من هم أصدقاء الشعب).

لقد أوضح كتاب "رأس المال" بالدراسة العلمية الدقيقة لتكوين اقتصادي بعينه كيف تتطور علاقات الانتاج، وكيف يتطور تركيب علوي بأسره من الأفكار والمؤسسات على أساس علاقات الانتاج، ومن هنا استخلص لينين انه: " منذ ظهور "رأس المال" لم يعد المفهوم المادي للتاريخ مجرد فرض وانما قضية أوضحت علميا"(ف.أ. لينين: من هم أصدقاء الشعب).

هذا لا يعني بأن الماركسية تقول ان كل فكرة أو مؤسسة في المجتمع تنتج مباشرة من حاجة اقتصادية مباشرة وتخدمها.

ويذكر انجلز في رسالة الى س. شميدت، ان ماركس في حديثه عن هؤلاء المبتذلين كان يقول: " كل ما اعرفه هو انني لست ماركسيا" (ف انجلز – رسالة الى س شميدت في 5 آب 1890).

وهنا أذكر بأن انجلز حذر بصراحة من سوء الفهم الناشئ عن الطريقة التي عرض بها هو وماركس النظرية المادية التاريخية حيث قال في رسالة الى ج. بلوخ: " انني وماركس نتحمل جزءا من اللوم على حقيقة ان الكتاب الشبان احيانا ما يركزون على الجانب الاقتصادي اكثر مما يستحق. فلقد كان علينا ان نؤكد هذا الجانب الرئيسي في معارضة خصومنا الذين كانوا ينكرونه، ولم يتح لنا دائما الوقت أو المكان أو الفرصة لكي نولي العناصر الاخرى المشتركة في التفاعل ما تستحقه" (ف. انجلز رسالة الى ج. بلوخ في 21 أيلول 1890).

واستطرد انجلز في الرسالة نفسها قائلا: "وفقا للمفهوم المادي للتاريخ فإن العنصر النهائي المحدد في التاريخ هو انتاج الحياة الواقعية وتجدد انتاجها. ولم يؤكد ماركس ولا انا أكثر من ذلك أبدا. ومن هنا فاذا لوى احد هذا القول ليعني به أن العنصر الاقتصادي هو العنصر المحدد الوحيد فانه يحول هذه القضية الى عبارة حمقاء مجردة فارغة لا معنى لها" (المصدر السابق).

وكما قال انجلز في رسالة الى هـ. ستار كينبورغ: " ان التطورات السياسية والقانونية والفلسفية والدينية والأدبية والفنية الخ... تقوم على اساس التطور الاقتصادي، لكن هذه جميعا تؤثر في بعضها البعض كما تؤثر في الأساس الاقتصادي. فليست المسألة هي ان الظرف الاقتصادي هو السبب وانه هو النشط وحده في حين ليس لأي شيئ أخر سوى تأثير سلبي، بل ان هناك بالأحرى تفاعلا على أساس الضرورة الاقتصادية التي تؤكد ذاتها دائما في النهاية".

كما اكد انجلز انه وإن كانت الأفكار والمؤسسات عموما نتاجا للظروف الاقتصادية فان الشكل الدقيق الذي تتخذه في بلد بعينه وفي وقت بعينه لا يمكن تفسيره فقط من الظروف الاقتصادية لهذا البلد في ذلك الوقت. بالعكس ففي حين يؤكد تأثير التطور الاقتصادي ذاته دائمًا فإن الأفكار والمؤسسات الجارية لا بد ان تتوقف دائما على ألوان من العوامل في حياة البلاد، تشمل طبيعة الشعب وتقاليده وشخصيات قادته، وفي المقام الاول تاريخه الماضي.

ومن هنا لا يمكن تفسير الأفكار والمؤسسات القائمة في بلد ما من الظروف الاقتصادية لهذا البلد في زمن بعينه وحدها.

يقول انجلز في رسالة الى س. شميدت بتاريخ 27 اكتوبر عام 1890: " ان الاقتصاد لا يخلق شيئا جديدا كلية، لكنه يحدد الطريقة التي تتغير بها مادة الفكر القائمة وتزداد تطورًا".

ولهذا الفهم والتحليل المفصل للعوامل السياسية والايديولوجية وأساسها وتأثيرها بالطبع، أهمية حيوية في التحليل الذي نقوم به للوضع الراهن بهدف تخطيط سياستنا العملية. فنحن لا نستطيع التوصل الى سياسة لحركة الطبقة العاملة في وضع معين من مجرد تحليل الوضع الاقتصادي مهما كان دقيقًا.

ومن الضروري ان نضع في إعتبارنا كل العوامل السياسية القائمة في تعقدها وكذلك مختلف اتجاهات الأفكار، وان نفهم كيف أن هذه العوامل ليست، انعكاسا للوضع الاقتصادي فحسب، بل هي تؤثر فيه، حتى يمكن ان نصل الى سياسة محددة، لأن للعمل السياسي وكذلك الصراع الايديولوجي عموما – في ظروف اقتصادية معينة – تأثيرا حاسما على المسار اللاحق للتطور الاقتصادي والسياسي والايديولوجي ومصير مختلف الطبقات وللاقتصاد بأسره.

وفي النهاية كما قال ماركس في كتاب الثامن عشر من برومير لويس بونابرت: "إن الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم ولكنهم لا يصنعونه على هواهم. انهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها هم بأنفسهم بل في ظروف يواجهون بها وهي معطاة ومنقولة لهم من الماضي".

فالمادية التاريخية هي امتداد مبادئ المادية الجدلية الديالكتيكية على دراسة الحياة الاجتماعية، تطبيق مبادئ المادية الديالكتيكية على ظواهر الحياة الاجتماعية، وعلى دراسة المجتمع وتاريخه.

وفي النهاية إن الماركسية فلسفة تسعى الى فهم العالم من أجل تغييره. والمادية الجدلية التاريخية هي سلاح نظري علمي منهجي في أيدي الطبقة العاملة في أيدي الشعب لاستخدامه في تغيير عالمنا، ومن أجل إحداث تراكمات ثورية كمية، لكي نصل الى احداث التغيير الكيفي، الانتقال الى مجتمع المستقبل، مملكة الحرية على الأرض – حرية الإنسان.