من الطاعون إلى وباء كورونا.. مفاصل في تاريخ البشرية

حمزة رستناوي
2020 / 3 / 30

في القرن الرابع عشر وتحيدا ما بين عامي 1347 الى 1352 اجتاح وباء الطاعون أوربا وتسبب في موت ما لا يقل عن ثلث سكان أوربا حوالي 200 مليون انسان وفق أغلب التقديرات، وهو ما يعرف في الادبيات التاريخية بالطاعون الأسود. كانت ثقافة المجتمعات الأوربية في حينها ثقافة دينية مسيحية مُغلقة ، وكان رجال الدين والبابا يحظون بسلطات واسعة. حدث الوباء ومات الملايين ولم يستطع رجال الدين فعل شيء ذو مغزى! لم ينفع الكتاب المقدس ، وذهبت التضرعات المسيح والعذراء أدراج الرياح! المعرفة العلمية كانت بدائية أنداك، الأنظمة الملكية والأسر الحاكمة خافت على نفسها ولم تتعرف على أي وسيلة لعلاج الشعب ووقف انتشار الوباء، لم يكن يعرف الناس آنذاك بأن القوارض والفئران هي ناقلات لمرض الطاعون وكان يكفيهم قتلها لتخفيف انتشار الموت! بدلا من ذلك عزى رجال الدين وباء الطاعون الأسود الى انتشار المعاصي وغضب الله عليهم ، بالإضافة إلى كثرة وجود المُهرطقين واليهود! وخوفا من انتشار الطاعون مرة أخرى تم ارتكاب مجازر جماعية بحق اليهود كما حدث في مجزرة ستراسبورغ 1349 حيث تم قتل حوالي 2000 يهودي وفقا لتقديرات المؤرخين.
بعدها بقرن تقريبا بدأت عصر النهضة الأوربي، بالتأكيد يوجد عوامل متعددة ومتراكمة ساهمت في انبثاث عصر النهضة الأوربية ،ولكن وباء الطاعون السابق كان أحد المؤثرات الكبرى ،حيث تساءل الناس عن جدوى الايمان الديني في مواجهة الأوبئة ،وكيف أن النظام السياسي –الديني لم يقدم لهم أي حلول في مواجهة الموت الجماعي!
ما قصدته أن الأوبئة الكبرى في التاريخ غالبا ما يتبعها تغيرات ثقافية- سياسية . ما هو مُستقبل البشرية بعد وباء كوفيد 19؟ بالتأكيد الوباء مازال مستمرا ومن الباكر ومن الصعوبة بمكان الجزم بنوع وحجم التغيرات الممكنة الحدوث ،واستنادا الى اجتهاد شخصي يمكن مناقشة عدد من الملامح المستقبلية المُمكنة.
أولا- الملمح العولمي- الانساني: من جهة المصير المشترك للبشرية وأن المجتمعات والدول لا تعيش في جزر معزولة عن بعضها ، وبالتالي نتوقع حضور أكبر لمنظومات التعاون الدولية ومنظمة الصحة العالمية سواء على مستوى الأبحاث العلمية أو السياسات الصحية والأمن الغذائي.
ثانيا- حضور أقوى لسلطة الدولة المركزية وتفويضها فرض اجراءات عاجلة واستخدام العنف لضبط حركة المجتمع بغية مواجهة الوباء والكوارث الكبرى، وهذا يعني من جهة نقص مساحة الحرية الفردية ، وكذلك ضبط حركة السوق والاقتصاد للصالح العام بما يمنع اساءة استخدام الحرية الشخصية ( حرية التجمع ، طرائق التحايا ) أو منع احتكار بعض التجار واستغلال الشركات للأزمة. على سبيل المثال ألزم الرئيس الأمريكي شركتي "فورد" و"جنرال موتورز" بالبدء في تصنيع أجهزة تنفس اصطناعي بالكميات الكافية.
ثالثا - تراجع البعد الديني و الترفيهي في المجتمعات ، واعطاء الأولوية للبعد العلمي والاداري التنظيمي. كذلك يمكن توقّع تراجع الانفاق العسكري وزيادة الانفاق على القطاعات الصحية والتعليمية، والعمل على الاستثمار في القطاعات الصحية من جهة البنية التحتية ومن جهة تأهيل المزيد من الأطباء ومقدمي الرعاية الصحية. حيث تبيّن أهمية تقدير الباحثين والعلماء والعاملين في مجال الرعاية الطبية والاجتماعية ماديا ومعنويا ،مقارنة بنجوم الرياضيين والمشهورين رجال الدين والفنانين الذين يكسبون ملايين الدولارات وغالبا بشكل غير متكافئ!