تداعيات ليلة يوم المسرح العالمي

طه رشيد
2020 / 3 / 29

دأبت منذ اربعة عقود ( منذ حططت الرحال في فرنسا - الجزائر- فرنسا ) ان انجز في هذه الليلة مقالة او كلمة او دراسة او اعداد ملف عن يوم المسرح العالمي، وكان اول مقال نشر لي عن هذا اليوم في 27 اذار / مارس 1979 في صحيفة الجمهورية التي تصدر في عاصمة الغرب الجزائري، مدينة وهران الساحلية. وقد تحدثت في هذا المقال ( نكون او لا نكون !) عن خسارة المسرح العراقي لاسماء عديدة بسبب الهجمة البربرية التي قادها حزب البعث الحاكم ،انذاك، والمتحكم برقاب البلاد والعباد، ضد الحركة الديمقراطية.. فكان في المنفى الجديد الرائدتان الراحلتان زينب وناهدة الرماح ولطيف صالح والفنانة روناك شوقي وروميو يوسف وجواد الاسدي والراحل اسماعيل خليل والممثل المسرحي المتميز الراحل منذر حلمي وعشرات اخرى من الاسماء المبدعة( اعتذر عن ذكر الاسماء خشية ان انسى احدهم!) ممن كان لهم في بدايات نشاطاتهم الفنية بصمة على خشبة المسرح العراقي!
وكان السؤال الاساسي عن امكانية تواصل هؤلاء المسرحيين، الذين اختاروا المنفى، وخلق مناخ مسرحي يليق بامكاناتهم! واستطاعوا في السنوات الاولى واللاحقة تاسيس فرق مسرحية في عواصم مختلفة: دمشق، بيروت، عدن، استوكهولم، برلين، امستردام، جبال وقصبات كردستان، وغيرها من المدن والعواصم.. وما زال البعض مستمرا بنشاطاته المسرحية في المنفى .
لقد خسر العراق بسبب تلك السياسة الرعناء نخبة طيبة، ليس في مجال المسرح فقط، بل في كل مفاصل التوجهات الثقافية، حتى اضحت الدراسات المحلية ناقصة في هذا الشان، ما لم تلملم اطراف تلك النشاطات شعرا وادبا وصحافة وفكرا، والموزعة على مختلف المنافي.
ليس من العدل ان تنحدث، على سبيل المثال وليس الحصر، عن تطور الشعر العراقي خلال العقود الاربعة السابقة دون ان تنظر بعين حيادية لشعراء كبار مثل الجواهري ومظفر النواب وسعدي يوسف وفاضل العزاوي وعبد الكريم گاصد وفوزي كريم وبلند الحيدري وغيرهم من اجيال لاحقة كانت اسماؤهم وقصائدهم وكتبهم ممنوعة في بغداد حتى سقوط ذلك النظام في 2003!
وجاء الفرج لنترك مدن المنفى وعدنا ادراجنا لعاصمتنا الاحب، بغداد، لنلتقي بمن تبقى من زملائنا القدامى والجدد، وساهمنا بقدر متواضع باعداد ملف عن يوم المسرح العالمي، في كل عام، لصحيفة " طريق الشعب" البغدادية. وقمنا قدر المستطاع بمشاركة جهودهم من اجل ردم الهوة بين المسرح والشارع! لقد اختفت فرق مسرح اهلية كانت اهم بكثير من المسرح الحكومي، فرقة المسرح الفني الحديث، فرقة مسرح اليوم، فرقة المسرح الشعبي، واختفى معها الجمهور الذي كان يتدافع من اجل حجز ولو مقعد واحد. اختفى الفرح بعرس يوم المسرح العراقي والعروض المبهرة ليحل محلها عروض المسرح الدعائي السلطوي او التجاري الهابط، باستثناء بعض التجارب هنا وهناك، التي كادت ان تودي برقاب اصحابها!... لقد كان للحروب العبثية التي قادها النظام السابق اثر كبير على جميع مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية.
وفسح لنا المجال في بغداد متابعة حركة المسرح العربي عن كثب، بعد ان اختفت مهرجانات مسرحية عربية معروفة، لتظهر حركة مسرحية عربية، لا تضاهى، عام 2007, وممثلة ب" الهيأة العربية للمسرح "، التي قام بتاسيسها رجل محب للمسرح قولا وقالبا، وهو حاكم الشارقة د. سلطان بن محمد القاسمي، رافعا شعارا يتعلق بشكل عميق بكينونة المسرح والانسان، مجسدا ذلك الهم بقوله الخالد " المسرح باق والرجال زائلون"! ..ومعتمدا على مجموعة مخلصة من الاداريين والاعلاميين لهذا المشروع الكبير.
ومنذ هذا التاسيس بدات تظهر ملامح حقيقية لمسرح عربي يساهم به سنويا عدد كبير من المسرحيين العرب، بالاضافة لعديد من المنجزات على مستوى دعم المسارح العربية المحلية وطبع كتب ونصوص ودراسات تتعلق بالفن المسرحي واقامة ورشات بمختلف التخصصات المسرحية. واستطاعت مهرجانات الهيأة العربية للمسرح ان تفتح نوافذ واسعة للشارع العربي في العواصم المختلفة ليطل الجمهور على اخر انتاجات المسرحيين العرب..
كم نتمنى ان تحذو الحكومات العربية ووزارات ثقافاتها حذو الشيخ القاسمي في دعم مسارحها وترميم ما تهرأ من بنية ثقافية لكي نعيد للمسرح مجده وللانسان العربي فرحه بمنجز مواطنيه من الفنانين.. وإن حُرمنا في هذه الايام من الاحتفال بعيد يوم المسرح العالمي بسبب وباء "كورونا"، ولم نستطع ان نحضّر او نشتري اكسسوارات وحلوى العيد! فانها ازمة واتعدي!
نحن لها في السنوات اللاحقة فالمستقبل لنا نحن محبي الحياة والمسرح!