كورونا والعالم

أيمن إبراهيم تعيلب
2020 / 3 / 26

أيمن تعيلب
كورونــــــــــــــــــا والعـــــــــــــــــــالم
خطاب المـــــــرض وخطاب الأيديولوجيات

سواء كان فيرسا متناهيا فى الصغر يدق ويضعف جدا حتى لاتراه العين المجردة،أم كان غازا تكتمت عليه دول القتل النووى الأعنف لتصدر إرهابها السياسي ضد الدول الأضعف،أو.... فليس هذا مايهمنا هنا، بل كل مايهمنا وسنتوقف على حقيقته كثيرا أن هناك حقيقة ناصعة جدا واضحة للعيان لايختلف عليها اثنان ولاتتناطح فيها عنزتان: وهى قوة المرض ووضوحه الصارم وتأثره الجازم وخطره الداهم فى مواجهة لف ودوران وكذب وافتراء السياسات. والساسيين سواء على المستوى المحلى أو المستوى العالمى الدولى.
كان علينا أن نتأمل قليلا الفوارق الهائلة الحاسمة بين خطاب المرض وخطاب الأيديولوجيات المحلية والعالمية بمناسبة فيروس كورونا العالمى حتى نستصفى الدروس الفكرية والعلمية والسياسية من فيروس كورونا.نستصفى ما يمكث فى الأرض من وهم الجفاء والزبد.
كيف اجتمع العام كله فى أيام معدودات وكان مختلفا متصارعا متقاتلا من قبل قتالا عنيفا لمئة عام أو تزيد؟
كيف وحد فيروس كورونا العالم كله على قلب رجل واحد كأنه وحى من الوحى أو دين من الأديان رغم اختلاف الديانات وتباين الثقافات وافتراق الاتجاهات واقتتال السياسات؟
هل أفاق سماسرة السلاح النووى من الأمريكان والروس وشعوبهم أن مايوحد البشرية أكبر بكثير مما يفرقهم؟ خصوصا بعد انتقال الصراع الدولي الثنائي القطبية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية لتتركز القوة الباطشة في يد نظام دولي أحادي القطبية تقوده الولايات المتحدة وحدها بما نقل المجتمع الدولي " كما يقول عالم الاجتماع الألماني " (إيرليش بيك ") من مجتمع الأمن النسبي إلى ما يسمى " مجتمع المخاطر Risk society " أي مجتمع التلوث وجنون البقر،والبذور المسرطنة،والإرهاب والإبادات الجماعية والتصفيات العرقية الدولية،وتعاظم نفوذ الإمبريالية الصهيونية،والاستنساخ والتلاعب بالمصير الإنساني لأول مرة في تاريخ البشرية؟!
هل جاء هذا الكائن المتناهى فى الصغر الذى لايرى بالعين المجردة ليعيد البشرية من جديد إلى طبيعتها الإنسانية الحقيقية؟ هل جاء ليفتح أمامنا جميع كثيرا من الأسئلة الغائبة فى الواقع العربى والعالمى المعاصر،هل من السهل قيام حوار حقيقى جاد بين الشعوب المختلفة ثقافة وإدراكا ولغة وذائقة وخيالا ودينا وعقائد ؟ وإذا صحت الإجابة بنعم،وهى نعم بالضرورة كما علمنا فيروس كورونا فماهى حدود آليات هذا الحوار،وحدود إمكانه وممكناته الفعلية العملية؟ وما هى وسائله وغاياته المنشودة على المستويين المحلى والعالمى؟ ولماذا كل هذا الاعتراك الدموى المؤسف بين الشعوب على أرض الواقع على الرغم من ضعفهم الإنسانى المشترك،وكثرة المناداة إلى الحوار الإنسانى والتعايش السلمى بين الشعوب؟ ألم يوحدنا المرض لأنه حقيقة إنسانية بعيدا عن الاحتراب السياسى الدموى؟ أليس جميعنا سواء أما المرض لأنه حق لاكذب فيه؟ فأين الآن إرهاب المسلم وتعصب المسيحى أمام حقيقة فيروس كورونا العالمى؟
يا أهل الغرب ومفكرى الغرب هل كان العالم العربى مشتركا فى صنع الإرهاب السياسى والنووى العالمى فعلا كما اتهمتوه سرا وعلانية ؟ أم كان الإرهاب صنعة عالمية بامتياز؟
لماذا سكت الإعلام العالمى والمحلى معا وهم إخوان على سرر متقابلين من فيروس كورونا وعلاقة داعش العالمية به؟ كم صدعونا ليل نهار أن المسلمين وحدهم هم المسؤولون عن خراب العالم.
ألم يثبت فيروس كورونا العالمى أن البشر كانوا دوما فى حاجة مستمرة إلى بعضهم البعض أكثر من احتياجهم للعداوة والبغضاء والإحن،فهل سمعنا فى حالة المرض تصور الآخر عدوا افتراضيا بناه بوهمه وخوفه وهلعه ثم نقل عدوه الافتراضى من عالم الإدراك والتصور إلى أرض الواقع ليكون عدوا تاريخيا حقيقيا رغما عنه ليدفع عنه مآسى سوء الظن،وارتباك الإدراك،وأغاليط الصورة،واشتباهات وشبهات الوعى بالآخر؟!
لقد عدل وصحح مرض كورونا من علاقة البشرية كل البشرية مسلمها وكافرها ومسيحيها وبوذيها بالغيب جاعلاً من عودته إلى السماء عودة إلى مركز الكون ومركز الروح ومن ثم بالتأكيد عودة إلى مركز العناية الإلهي المسير لأمور البلاد والعباد،لقد أطفئت الحضارة الغربية الروح الإنسانى العميق للإنسان وعلاقته بالسماء،واستبدلت الروح الإنسانية الموصولة بالغيب بالروح الجماعية المتعلقة بالأرض فقط،مما جعل الإنسان مسحوقا بشكل كارثى لم يحدث له من قبل.ولعل ما أحدثه فيروس كورونا من فوضى وأوجاع عارمة بين البشر يعد نداء إنسانيا عميقا لاسترجاع البعد الروحى الغيبى وعلاقته بالسماء لا على طريقة ماينشره الآن سذج العقائد ومحترفو المواعظ الإنشائية الذين يعللون كل مشكلة فى العالم بغياب الدين ويجدون لكل مشكلة حلا جاهزا فى الدين،طبعا كل هذا وهم من الأوهام لأننا مأمورون دينا وشرعا أن نبنى الدنيا بالدين لا أن نعرض عن بناء الدنيا لأن ديننا كفانا كل شىء.ما أريد قوله أن هذا الفيروس الذى يمثل حدثا كونيا عالميا قد مكن الإنسان عبر العالم من أن يستعيد روحه وسط عالم الفوضى العارمة التي تعيشها أزماننا.وهو نوع من التأليف بين روح الإنسان وروح ربه بعد أن انفصلت هذه الروح فى العالم الغربى والعربى معا تحت مسميات دنيوية أو ثقافية أو سياسية.
أما حالنا نحن العرب فأبشع من حال الغرب إذا تأملنا حالنا مع فيروس كورونا.فهل العلم والوعى والإنسانية والرحمة هم الغرب وحده؟!
لماذا سكت الإعلام العربى الرسمى كله عن احترازات الوعى العربى المسلم من خلال تعاليم القرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أقره من تدابير علاجية واحترازية فى مواجهة العدوى أو أثناء وقوع العدوى؟ وتكلموا فقط عن احترازات الوعى الغربى الأوربى؟ بعيدا عن التعصبات الأيديولوجية،والحزازات القبلية، والنعرات القومية الشوفونية؟ هل سقط القناع؟
أين غسل الأيدى قبل الأكل وبعده،والوضوء خمس مرات حتى لايبق من درنك شىء،والاستنثار وغسل الأنف بالماء؟ أين لاضرر ولاضرار،وعدم العطس والتثاؤب فى وجوه الحاضرين؟ أين عدم الشرب من فم السقاء؟ أين قص الأظافر وتهذيب الشعر والنظافى الداخلية اللحظية قبل اليومية والتماس العلاج من الذين لايعلمون لدى الأطباء الذين يعلمون؟ أين تغطية الأوانى وعدم الإفراط فى الطعام؟ أين ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه؟أين تحريم الخمر وكل مايهلك الصحة أو مايؤدى لهلاكها من تدخين وإسراف وغيره؟ أين فليسعك بيتك؟ أين قول الرازى الفيلسوف المسلم:من أبلغ الأشياء فيما يحتاج إليه الطبيب بعد معرفته الكاملة بصناعة الطب حسن مساءلة المريض،ولزوم الطبيب حالة العليل،وملاحظة أحواله وتعهدها.وربما كان فى مرض المريض من الغموض مالايمكن للمريض التعبير عنه.
الطب الوقائى النبوى والطب العلاجى العلمى،كلاهما كان الفكر الطبى العربى الإسلامى،وأرجو الا يفهم المتنطعون أننى أتكلم عن مسلم ومسيحى فديننا ككل الأديان السماوية الطاهرة يجعل من قضية الاعتقاد مسألة خاصة جدا بصاحبها (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر)،فقط أتحدث عن الذائبين الضائعين فى هويات الآخرين،المستخذين من هويتهم،المتنكرين لذواتهم.
فلماذا التمس إعلامنا الموقر علاج كورونا من الصيدليات الغربية فقط، دون أن يراعى ثقافتنا العربية الإسلامية؟ يا أبانا الذى فى الصيدليات باق لك الجبروت،وباق لمن تعالج الرهبوت؟!
لماذا استخف إعلامنا المتسرع بطبيعة النموذج المعرفى والثقافى الإسلامى والمسيحى معا فى مواجهة أخطار الحياة وأزماتها؟ فاتهم المواطنين عندنا بالتخلف والجهل وعدم الشعور بالمسؤولية وعدم الوعى الطبى مقارنة بالفرد الأوربى؟ ثم حقرهم أكثر وأكثر فقال باستحالة أن يتغير الشعب الذى من طبيعته الجهل والتسيب وعدم الوعى بظروف المرض.
وفى الحقيقة أن الإعلام كان هو الظالم وغير الواعى لأن شعبنا العظيم يعرف جيدا ظروف المرض ولكنه فى مرض أشد من كورونا فتكا وهو أنه لايملك قوت يومه فى أحيان كثيرة،وأنه قد امتلأت روحه بعقيدة القضاء والقدر،وورثت جبلته مواريث الموت فى الحياة والحياة فى الموت،فضلا عن أن حكومته الغراء لم تجهز لهم إعلاما مثقفا واعيا،ولم توزع علي الإعلاميين كمامات كافية لتحجيم فيروسات كلامهم،ولم تعقم للمواطنين الشوارع جيدا،ولم تحفظ لهم حتى الأطباء الساهرين عليهم وظهرهم عار من كل وقاية،أليس هذا قمة النبل أن يواجه المصريون الموت فى حدود قدراتهم وإمكاناتهم؟
لماذا غفل أوتغافل هذا الإعلام الموقر عن طبيعة النماذج الثقافية والبلاغية والحوارية بيننا وبين الآخرين ليتعلم حدود الحوار بين الثقافات والشعوب؟ لماذا غفل أو تغافل عن النموذج المعرفى والثقافى العربى الذى يؤمن بالقضاء والقدر،ويؤمن بتدخل السماء فى اللحظة المناسبة لحماية ورحمة أهل الأرض.وأن كل شىء فى حياتنا بقضاء وقدر،وأن الموت يأتينا حتى لو كنا فى بروج مشيدة،فلو بنينا لأنفسنا قرى محصنة خوفا من الموت فسوف يخرج إلى الموت من كتب عليهم الموت،فهل هذا النموذج المعرفى والثقافى العربى فى مواجهة أخطار الحياة مثل النموذج المعرفى والثقافى الغربى فى مواجهة الحياة ؟
ألم يعلم هذا الإعلام ماذا قال بعض حكام الغرب لشعوبهم: الموت قادم،الموت قادم.فجلس الجميع فى البيت فلا يخرجون أبدا.ورغم احترامنا لكل القواعد الطبية الصحية التى يجب أن نتحلى بها جميعا لأن العلم واحد والإنسان واحد فى كل مكان لكن طبيعة هذا الشعب الروحية والثقافية والأخلاقية تختلف اختلافا كبيرا عن طبيعة الروح الغربى،وكان من الأولى أن يتعلم الإعلام طبيعتنا الروحية والثقافية العميقة حتى يتعامل معها لا أن يحقرها ويسفهها جهلا وعدوانا؟!
أليس هناك فروق روحية وثقافية ودينية وتاريخية وواقعية كبيرة جدا يجهلها إعلامنا تماما ولذلك اتهم الشعب بالجهل والتحلف ولم يحسن توجيهه حسب نموذجه المعرفى العربى الخاص به؟
كم استخف هذا الإعلام الموقر بالفضائل،وجمل الرذائل،كم لمع الممسوخين والمشوهين والشائهين والمنحرفين وأطفأ نجم المحترمين الطيبين؟! أين رويبضة الزيف العام ليفتونا الآن فى الشأن العام؟ لماذا تكلموا فى الباطل وسكتوا فى الحق؟
لقد كان المرض أكثر إنسانية منكم،وأقوم عدلا،وأحسن قيلا.
كان المرض حقيقة صارمة لالبس فيها ولاخداع،بينما كانت أيديولوجياتكم خداعا ووهما وكذبا ولفا ودورانا وخيانات. كان المرض واقعا ومواجهة وصراحة بينما كانت الأيديولوجيات كذبا وتدجيلا وتدليسا وتلبيسا لواقع بالوهم وللوهم بالواقع. كان المرض شعورا إنسانيا عالميا واضحا لانفاق فيه ولا تردد ولامواربة،وكانت الأيديولوجيات نفاقا وغموضا وضحكا على الذقون.
فأين المختلفون المتصارعون المتقاتلون المتشاحنون الآن؟
أين ولوا وهربوا واختفوا وتلاشوا وتبخروا؟ أم فى بيئات الجهل والفقر والخداع السياسى المقيت ينمو ويتكاثر كالفطر العفن المرابون والكذابون والأفاقون والمراوغون والوهميون والطبالون والمتنطعون واللامبالون والصامتون والمتآمرون وبائعو صكوك الجنة،كما تنمو وتتكاثر الخرافات والمواعظ المغشوشة والشعارات المضروبة والمثاليات الوهمية تتماثر كسراطين البحر السامة تفشو فشوا عظيما فى صحارى القلوب والدماء والصدور؟!
أين اختلافاتكم القديمة الصاخبة حول المرض أيها العلمانيون واليساريون واليمينيون والعبثيون والطبالون والزمارون والمشعوذون والحواة وأصحاب العقول المأفونة والجهلة وأنصاف المتعلمين المتنطعين،وأصحاب الهوى الخونة،والشهوات والدجالين،وصانعى العاهات الإعلامية من أصحاب السلطان المنافقين،أين أصحاب المغانم والمكارم الدنيوية الذين اشتروا ويشترون بكرامات الشعوب ومصائر الأوطان ثمنا قليلا؟
مالكم لاتصرخون الآن فى وجه من لبس الكمامة لمحاربة الفيرس كما صرختم من قبل فى وجه من اختاروا حريتهم الإنسانية فى لبس النقاب أو الحجاب لمحاربة فيروسات أشد فتكا بالروح والجسد؟! أليس هذا حرية شخصية كما تزعمون؟! أم تتبعون الغرب فقط فيما قال إن حقا وإن باطلا حتى إذا دخل جحر ضب لدخلتموه.دون واعى ولا إرداة.
ياغلاة المتعصبين والكهنوتيين أين كلامكم الصاخب وفتاويكم المغشوشة الآن أمام حقيقة المرض الصارمة الصادقة التى لا تفرق أبدا بين مسلم ومسيحى وشرقى وغربى؟
أين أنتم الآن من لتكم وعجنكم الكلام فى الفضائيات ليل نهار؟. هل لم يعد الجو ملوثا بما فيه الكفاية لوجودكم؟ أم لم يعد الهواء فاسدا لتنفسكم؟ أم هى حقيقة المرض الشفافة الصادقة التى لا تحتمل أبدا مزيدا من المرض والمرضى والكذابين؟! أم لم يعد فى بضاعتكم المعشوشة شىء يشترى ويباع عند لحظة الحقيقة الواضحة؟
هل عرفتم الآن ووعيتم أن الواقع غير الكلام؟
ها عرفتم الآن ووعيتكم أنكم نادرا مافهمتم الحقيقة،ونادرا ماأقرتكم الحقيقة على زوركم،لكن عندما وقع الجميع فى الطين تم التفاهم فورا.!!
هل عرفتم الآن أن المصريين يجمعهم الحق ولايفرقهم إلا باطل السياسات وألاعيب السلاطين؟
هل وعيتم الآن الفرق الهائل بين كذب وزيف السياسات وصدق المرض والواقع بلا تزييف ولاتسييس ولاتهييس ولاسياسيين ولايحزنون؟
هل عرفتم الآن الفرق الهائل بين من يبنون الواقع بالفعل ومن يدلسون عليه بالكلام؟
وبمناسبة صخب أصحاب اليمين وأصحاب اليسار أقول لكم فى نفس المناسبة أيضا أين رامز جلال وميسى ونانسى عجرم وكريستيا ومحمد رمضان والشواكيش والقلاضيش والقهاوى والكافيهات المفتوحة حتى مطلع الفجر؟
أين عبقريات المهرجانات والمسرحيات والمسلسلات وسطوة الملاعب الكروية المحلية والعالمية التى شيدت خصيصا لنقل روحانيات السماء إلى طين التراب،أين كل هذا الوهم من علاج كورونا الآن؟
أين مشاركتهم جميعا فى المواجهة والتوجيه ولو حتى بكلمة واحدة؟! أين اليفط الكذابة والأوهام الغلابة؟
أرجو ألا يفهمنى المتنطعون والطبالون والهياسون وهم بحجم الكرة الأرضية كلها بأننى أدعو للتخلف،أو التقليل من قيمة بعض الناس، أو أدعو لوعظ دينى إنشائى،أرجوكم يا أهل المغنى دماغنا!! فقط أستصفى الزيد والجفاء وأستبقى مايمكث فى الأرض.
كان علينا أن نتأمل قليلا الفوارق الهائلة بين خطاب المرض وخطاب الأيديولوجيات المحلية والعالمية بمناسبة فيروس كورونا العالمى حتى نستصفى الدروس الفكرية والعلمية والسياسية من فيروس كورونا.
أصبح المرض الآن فى ظل ثقافة العولمة عابرا للقارات،ماحيا للحواجز المصطنعة بين البشر،فالأب آدم والأم حواء والبشرية كلها من تراب،استطاع المرض وحده أن يجمع العالم كله لأنه حقيقة وليس وهما،بينما كانت صراعات العالم كلها أيديولوجيات لاحقائق،والفرق هائل بين نبض الواقع وفن تزييف الواقع.
نبهنا فيروس كورونا العابر للقارات أن ندرك أننا كنا نعيش فى زمن ساد فيه الجهول وانزوى فيه العالم،وتسيد المجرم،واختفى التقى،واشتد فجور الأحمق،وعم جبروت الغبى،وكثرت الألقاب فى غير موضعها فصار الهر يحكى نخوة الأسد،والغراب يحجن برجليه السوداوان القشدة البيضاء الناصعة،كما يقول المثل المصرى الرائع:(قالوا الغراب بيعجن القشطة برجليه قالوا كان يبان عليه).
أسماء على غير مسمياتها،يقولون عبد العزيز وماهو بعزيز،ويقولون المعتضد بالله ولاهو معتضد ولامنتضد،إنما هى ألفاظ نلفظها وليس من ورائها جدوى ولا طائل،أين رجال كنا نظنهم من أهل العلم والشريعة قد اتخذوا من العلم بغيا بينهم يشترون بآيات الله ثمنا قليلا فكان دينهم تجارة يتكسبون فيها بأعراض الناس وكرامات الشعوب؟ ووضع الباطل فى موضع الحق،ووضع الحق فى موضع الباطل؟
كيف استطاع فيرس كورونا الضعيف جدا الذى لانراه بالعين المجردة أن يخرج كل هذه الثعابين من جحورها؟ ويدخل كل هؤلاء الجبابرة الكذابين فى أوكارها؟
كم من إمعات نكرات كانوا يملؤون علينا الديار والإذاعات والفيديوهات والميكروفونات ضجيجا وصخبا وكذبا وافتراءا؟ أين هم الآن وإلى أى مصير صاروا ولماذا اختفوا ؟ هل انخرسوا أم شلت حناجرهم أمام حقيقة المرض الواضحة التى لا لبس فيها ولا علاقة لها بوهم السياسات وألاعيب الحواة؟ أين راحوا؟ وهل لم يكونوا وقت احترابهم وتلاسنهم فى مرض أشد فتكا وضرواة وخطورة لو كانوا يعلمون؟ أين أناس كانت رؤسهم تشتكى وخم الذل تميل مع الهوى والمصالح حيث تميل؟ إذا مالت ريح المقادير والأحوال مالوا معها واهطعوا إليها وانهطلوا،فلم يوطنوا قلوبهم ولاعقولهم ولا كلماتهم على قالة الحق والخير والجمال، أين هم الآن من واقع المرض بدلا من الاعتداء على أوطانهم وكرامات شعوبهم؟
كم عميت القلوب،وعششت عناكب النفاق فى نفوس الناس،غاض ماء الحياء،وفاض ماء الغدر،واستحكمت الأهواء،وانطمست المعالم وسادت المظالم،وطارت الذمم فى الهواء،فلا وعظ نفع،ولا دين شفع!!
أين من طلقوا الدين الربانى الحنيف الذى شرعه ربنا الكريم،بالثلاث لحساب الدينى الوهمى المصنوع على مقاسات مصالح السادة والكبراء والأوصياء؟ فكل هم الظلمة والجبابرة حول العالم فى كل زمان ومكان أن يجعلوا الحقيقة الواضحة الصريحة تتأرجح دوما بين الحضور والغياب،بين ماتعلنه وماتخفيه،مما يجعل من الحق وهما،ومن الوهم حقا.