كلنا مشروع مجرم

حنان بديع
2020 / 3 / 26

من أكثر المواد إثارة في تخصص علم الاجتماع هو علم الانثربولوجيا وعلم الإجرام، الأول خرجت منه بنتيجة مفادها أن لا ثوابت في عادات الإنسان وتقاليده بل وأدواره الاجتماعيه فالأدوار تنقلب بقدرة قادر ليلعب الرجل دور المرأة والمرأة دور الرجل بل وتتغلب التقاليد القاسية على الغرائز الأساسية كغريزة الأمومة والأبوة كما في بعض القبائل التي لا تزال تأد الأطفال بلا تردد أو معاناة.

أما علم الإجرام الذي يدرس طبائع المجرمين وصفاتهم فإن معظم النظريات ونتائجها لا يمكن التسليم بها ولا تصدق على كل المجرمين لكن من شبه المسلم به أن للإجرام جينات وراثية وهي تمثل ارض خصبة قد لا تتوفر لدى الجميع ، لكن وبعيدا عن هذه الجينات وبعيدا عن تعريف الاجرام المتعارف عليه فإن الجريمة لا تتم الا في غياب الضمير او الانا العليا واذا كان هذا الضعف يصيب ضمائرنا جميعا بشكل او بآخر فهل يكون معظمنا وبنسبة 99% مجرمون ،أي كلنا مشروع مجرم ، وهل من فرق بين الانسان البدائي وإنسان الحضارة في ميوله الإجرامية وإن اختلفت الظروف ، بمعنى آخر: هل ترفع إنسان العصر الحاضر صاحب براءة اختراع حقوق الانسان عن توحشه ونزعته الاجرامية ؟
في الأفلام التاريخية نشاهد حروبا ضروصا باستخدام السيوف ويبدو قطع الروؤس مشهدا معبرا بدافع المنافسة والسيطرة والاستيلاء على الغنائم لا أكثر ومن الحجر أو العصاة والسكين ادوات الانسان البدائي الى ادوات اليوم فأبدلنا السيف بالبندقيات والرصاص ثم بالطائرات والقنابل وفي احسن الاحوال بالسكوت عن عذابات الآخرين وعدم الاكتراث بهم، فما دمنا بخير فإن العالم كله بخير !

إنسان اليوم المغيب الذي لا يحارب أو يتخذ قرار الحرب او القتل او التعذيب هو على اقل تقدير من غالبية تمارس حربا اجتماعية باردة فتحقد وتحسد وتكذب وتقيم الموائد المتخمة بكل أصناف الطعام ،لا يؤثر في شهيتنا مشهد جوع أوموت، بل ونسبح في بحر من الكماليات التي تأكل أموالنا في حين يولد اطفالا ويدفنون في بقاع أخرى من الارض بلا شهادة ميلاد أو وفاة حيث توثيق حضورهم الى الحياة هو أيضا ترف لا نصيب لهم فيه.

هذا ما أفكر به وأنا أطالع المشاهد المرعبة التي نشاهدها على مواقع التواصل الاجتماعي لتعذيب الاطفال وأكثرهم الحيوانات الأليفة بطريقة وحشية تجعلنا نعجز عن اكمال مشاهدتها وندير وجوهنا مكتفين بالدعاء والانزعاج او ترديد فرضيات من قبيل غضب الله وانتقامه حيث فيروس كورونا لينتقم منا ومنهم!

أنا وأنت ونحن ؟ نفعل .. نسكت ولا شىء أكثر من السكوت ..
لكن اليس الساكت عن الحق شيطان اخرس ؟ اذا لم تعلو مواقفنا على اصواتنا وشرف محاولاتنا على دعواتنا فنحن حتما شركاء في الجريمة؟

ترى هل يكون كل شاهد على هذا العصر مجرم ؟ وكل من يعتقد أن أقصى ما يمكنه فعله هو التصدق بما فاض عليه هو مشروع مجرم ايضا ؟ لماذا لا نكون كلنا مجرمون أليس للإجرام أيضا درجاته كما للجنة درجاتها ؟
اعتبروها لحظة انفعال إنسانيه وإذا شئتم تجاهلوا الاتهام.