تقزيم ونسف الهوية الوطنية السورية

نضال نعيسة
2020 / 3 / 26

في الأدبيات والمناهج البعثية الإخوانية العروبية التربوية التدريسية بسوريا، والتي تقوم ما تسمى "الحكومة السورية" بالتبرع بتدريسها، ومن خلالها، تمجيد تاريخ دول استعمارية إقليمية كالسعودية وتركيا، وذلك عبر وزارات حكومية رسمية ممولة من الثروة الوطنية للشعب السوري ودافعي الضرائب ها هنا، وتحت مسميات رومانسية تلميعية بطولية وردية زاهية بـ"الفتوحات العربية الإسلامية" و"الخلافة العثمانية"(يقتضي المفهوم أن الحكام والولاة هنا هم ممثلون لكائن افتراضي يعيش بالسماء السابعة يطلق عليه المتدينون اسم "الله" هكذا) وما شابه من مصطلحات و"أفانين" تنميق وتزويق وتزوير لجرائم تاريخية ارتكبت بحق الشعوب السورية، نقول، يقومون وبتلقين وتعليم النشء بأن سوريا هي مجرد "قطر" وجزء" من الأمة "الوهمية" العربية فهذا نسف لهويتها واستقلالها وسيادتها وتدمير لكيانها السياسي المستقل القائم والمعترف به بالأمم المتحدة ورفض لكوتها دولة مستقلة بذاتها لها حدودها المحترمة والمصانة وهويتها الوطنية ونسيجها الديمغرافي المتنوع المستقل والمميز عن بقية شعوب الكيان الوهمي الافتراضي ما يعني، حكماً وسلفاً، نسفاً لكيان سياسي قائم فعلاً مقابل ضمّها وإلحاقها واستتباعها بكيان وهمي غير موجود، أصلاً، يطلقون عليه تارة اسم "الوطن العربي"، وتارة اسم "الأمة العربية" الواحدة، ومرة "الخلافة الإسلامية"، وهو تصور لكيان سياسي افتراضي مُشتهى غير قابل للتحقيق وليس قائماً، بالمطلق، ككيان سياسي، ولم يكن موجوداً يوماً إلا في أذهان عتاة وغلاة التصلعم والاستعراب ورموز العنصرية الشوفينية القوموية العروبية الفاشية....
هي بالمطلق، والمآل، عملية تقزيم، ومسخ، ونسف ممنهج لكيان "وطني" قائم، وحصر لتاريخ سوريا العريق والطويل بفترة تاريخية تمتد لـ1400 عام، فقط، وحبسها وأسرها فيه. ويرفض البعثيون والإخوان وجميع فصائل وقطعان التأخون والتأسلم والصلعمة والاستعراب وجوده ولا يعترفون به عملياً ويصرون على إلحاقه بكيانات افتراضية كانت، يوماً ما، عبارة عن إمبراطورية عسكرية تحللت وتفككت وانتهت آخر تداعياتها ومخرجاتها مع انهيار الخلافة العثمانية في العام 1924 على يد مصطفى كمال أتاتورك التنويري العلماني التركي الذي سئم وضجر من هذا التهريج التاريخي وأراد إعطاء وجهاً وهوية حداثية متجددة وعصرية لتركيا لكن سرعان ما انقض على منجزاته أيضاً ونسفها الإخواني الدولي والخليفة "المنتظر"، أردوغان.
بهذا المعنى والاعتبار، لا يعترف القوميون والبعثيون والإخوان وجماعات التصلعم والتأسلم بأية هويات وطنية، وينظرون بارتياب وتخوين وتكفير لاستقلال وسيادة الدول باعتباره "ردة" وخروجاً عن "إجماع الأمة" يستوجب "الجهاد" وإعلان الحروب الاستباقية كما عقيدة بوش الابن، وما شابه من مصفوفة مصطلحات تخدم الاستعمار والإمبريالية القرشية والعثمانية أكثر مما تخدم أي مسعى واستراتيجية وطنية لاستيلاد وإقامة كيانات سياسية وطنية مستقة وذات سيادة بسمات وهويات وطنية خاصة ومستقلة عن سواها تكوينياً وجغرافياً وإيديولوجياً وثقافياً وهذا ما يحصل عملياً، اليوم، في الإقليم، في حقب الثورات الإخوانية الوهابية والأردوغانية، من عملية تدمير ممنهج لتلك الكيانات الوليدة المحدثة التي ظهرت إثر تفاهم الثنائي الشهير سايكس-بيكو، والتي تتنازعها وتتناهشها اليوم، براثن نفس المراكز والأقطاب الاستعمارية القديمة في السعودية وتركيا وتحاول إعادة استرجاعها لبيت طاعتها وحضنها وسيادتها باعتبارها <زءاً" و"قطراً" (تماماً كما الخطاب البعثي)، وأملاكاً للملك عبد العزيز آل سعود كما قال إعلامي سعودي في لقاء مع تلفزيون روسيا اليوم، أو باعتبارها، على الضفة الأخرى، "جزءاً" منفصلاً ومتمرداً من دولة الخلافة العثمانية كما يقوم أردوغان وتركيا الطورانية الإخوانية، وتقوم سوريا بمساعدتهم أيضاً، بتدريس وتكريس ذلك بالمناهج الإخوانية التركية، وتعليمه للأجيال المعثمنة اليوم.
سوريا، كانت وقبل الغزو العربي الإسلامي وما تبعه من نسخ وسلالات احتلالية كالأموية والعباسة والأيوبية والفاطمية والحمدانية والعثمانية، كياناً مستقلاً ديمغرافياً وثقافياً، وستعود كما كانت يوما ما، وليست، أبداً، كياناً تابعاً لأي كان وتحت أي من الذرائع والمبررات، وليست، أيضاً، تحت أي حال، جزءاً أو قطراً من أي كيان وهمي افتراضي أو إمبراطورية عسكرية قامت بفعل الفتح والذبح والقتل والإرهاب.