الخطاب الفلسفي عن الفعل بين فنومينولوجيا الكلام والتصور التحليلي

زهير الخويلدي
2020 / 3 / 26

استهلال:
" من الضروري ألا تكون هذه الأزمة في الكلام الفلسفي غير صحية، ولو ربطناها بالتباس الوجود نفسه فإنها بالإمكان أن تصبح صحية جدا "1
حصل سوء تفاهم تاريخي بين الفلسفة القارية والفلسفة التحليلية ناتج عن التباعد الجغرافي والمنهجية المعتمدة والرهانات المستهدفة من الطرفين وصل الى حد تبادل الاتهامات والتنازع حول المشروعية المعرفية والبحث المتعسف عن الاستقلالية وابراز الخصوصية المذهبية. لكن وجد بعض الفلاسفة الذين حاولوا ازالة الخلاف المفتعل وردم الهوة وربط جسور الاتصال بين التقليدين الفلسفيين المتخاصمين. لعل وضع الشخصية المفهومية الذي يتقمصها بول ريكور في مواجهة العالم الجديد الذي تنتمي إليه الفلسفة التحليلية هو رحلة استكشافية غريبة الأطوار تكاد تكون مغامرة على أنماط متعددة ومختلفة، ربما قد تكون مماثلة لرحلة كريستوف كولومبس الأولى وتشبه إلى حد كبير وضع شخصيات مفهومية أخرى في مواجهة عوالم غريبة وعجيبة أخرى مثل حنبعل وروما والأسكندر الكبير والشرق وأفلاطون والبحر المتوسط وابن رشد والعالم اللاتيني وتنقل ابن خلدون بين شمال إفريقيا ومصر والمشرق العربي وكذلك قدوم هوبز إلى باريس وحملة نابليون على مصر والشام وتونس وتفكيره في غزو الصين ووقوفه أمام سورها العظيم عاجزا وأيضا مجهودات هيجل أو نيتشه وهيدجر استعادة الثقافة الإغريقية وسفر الأسكندر كوجيف بالرغبة من أجل الاعتراف أو وتصدير دي توكفيل قيم الثورة الفرنسية إلى أمريكا ،ولقد وقع إعادة تصوير خروج حنة أرندت من ألمانيا وفرار ولتر ينيامين من الضغط الشمولي على هذه الشاكلة ، وهي كلها رحلات معرفية مشوقة تندرج في الظاهر في أدب الرحلات العلمية وتقليد السفر المعرفي ولكنها في الباطن محاولة إجراء مقارنة مع ما لا يمكن مقارنته وذلك للتباعد بينهما ولوجود سوء تفاهم تاريخي والسعي إلى فتح ماهو مغلق وطرق الأبواب الموصدة ومخاطبة العقول في شكلها اللغوي المغاير. " هل كان هناك حقا لقاء بين بول ريكور والفلسفة التحليلية؟ هل هي زيارة ومرور أم انعطاف وحوار؟ هل يؤدي غياب الحوار المؤسساتي بين الطرفين إلى تغييب الحوار الفلسفي والتواصل الفكري؟2 " ربما تكون العلاقة الإشكالية التي تبدو بين ريكور والفضاء الانجلوساكسوني راجعة إلى التوتر التاريخي الموروث بين فرنسا وانجلترا وبين الكاثوليك والبروتستانت وبين الاتجاه العقلاني والاتجاه التجريبي إلا إن الفيلسوف الباريسي لم يذهب إلى أمريكا غازيا ولا مبشرا وإنما حاملا معه فانوسه وسط الضياء ممسكا في سفره الفلسفي حقيبة تتضمن مكتبة من العلوم والآداب والفنون القارية ومسلحا بمناهج ومقاربات قوية ومطلعا إلى الإفادة والاستفادة والى التدريس والتعليم والى التعلم والتحاور وباحثا عن فهم الأخر والتفاهم معه بالإصغاء والإنصات والترجمة والتكلم بلغته والانفتاح على الكلام المتداول في الساحات العلمية والفضاءات العامة وتفقد الذات الحضارية الغربية في توسعها في المحيط مابعد الأطلنطيكي. فهل كان نية بول ريكور منصبة على دراسة الفلسفة في نسختها التحليلية من أجل فتح مغاليقها وفهم أسرارها واستكمال ما ينقص مشروعه الفلسفي في حقولها اللغوية وسجلاتها الثقافية ومداراتها القيمية والحقوقية؟
" منذ الدروس الأولى سيواجه القارئ محاولة لإدخال أجزاء مهمة من الفلسفة التحليلية الأنجليزية اللغة، إلى تأويلية الذات الوريثة، كما رأينا، للنقاشات الداخلية للفلسفة الأوروبية – التي سميت بشكل مستغرب فلسفة قارية، من قبل ورثة فلسفة هي في الأصل جزيرية -، إن هذه الاقتباسات التي ستكمل مسيرتها ليست اعتباطية ، فهي لم تحصل نتيجة إرادة قبلية لتثاقف متبادل بين تقليدين غريبين جدا أحدهما عن الآخر. كما أن هذه الدروس لن تكشف عن طموح جنوني بإقامة زواج قسري بين عائلتين روحيتين قلما كان بينهما تزاور. ان اللجوء الى التحليل هو الثمن الذي يجب دفعه من أجل تأويلية تتميز بوضع غير مباشر للتأكيد على الذات. بهذه السمة الأولى تبدو التأويلية كفلسفة خاصة بالدورة (المنعطف) : إن الدورة للمرور على الفلسفة التحليلية بدت لي وكأنها بكل بساطة الأغنى في التوقعات والوعود والنتائج"3 .
ماذا كان ينقص العمارة الفلسفية التي شيدها ريكور ضمن أروقة الفلسفة القارية ودفعته لكي يستنجد بالمنهج التحليلي والثقافة الأنجلوساكسونية لكي يستكملها؟ هل كان مضطرا إلى الخروج والتفتيش عن مناخ ملائم للتفلسف والبحث عن مساحة حرة للحوار الراقي بين العقول؟ كيف ربط شقاء الضمير الأوربي بأزمة الكلام الفلسفي؟ وهل توجد في التحليل المنطقي للكلام طريقة مناسبة لتخليص العبارة الفلسفية من الشوائب؟ أليس من البديهي أن يبحث في التضاريس اللغوية الوعرة من الجغرافيا السياسية الغربية في حدودها القصوي ويرصد أشكال حضور الفلسفة القارية في تخومها الشمالية الغربية في الضفة المقابلة ؟ ماذا تحقق من هذا العبور الذي قام به على الصعيد الفلسفي الشخصي والثقافي القاري العام؟ هل كان يريد توسيع دائرة الثقافة الأوربية لا غير أم استئناف رحلة اللّوغوس الاغريقية الكونية بلغة تحليلية؟ ماذا أنجز ريكور لمَّا استبدل اللسان الفرنسي باللسان الأنغليزي وطعَّم الفلسفة القارية بالفلسفة التحليلية؟
فرضية المبحث الفلسفي تكمن في أن منطلق التحقيق المعرفي الذي ألزم بول ريكور به نفسه هي فلسفة الإرادة من جهة مقارعتها للجوانب اللاإرادية وفلسفة التأويل من جهة حسن التعاطي المنهجي مع النص، غير أن المنتهى عند التماس مع الفلسفة التحليلية هي بناء معقولية سردية وفلسفة فعل ونظرية في العدالة والحقوق على غير المنوال المعتاد الذي وفيا للتقاليد الأنطولوجية والتصورات المثالية للذاتية المتعالية. لقد انتبه الشارح جون لوك بيتي الى أهمية هذا الالتقاء بقوله:" في خطاب عن الفعل وضع ريكور في مكان واحد القطبين من أجل إمكانية استعادة للفلسفة التحليلية للفعل في المنظور القصدي للفنومينولوجيا"4 . لكن كيف تساعد نظارات الفلسفة تحليلية على رؤية العالم بالاعتماد شمس المعرفة الفنومينولوجية5 ؟
من وجهة نظر الفلسفة العامة:
في الظاهر يبدو بول ريكور الفيلسوف الذي ينتمي إلى الفلسفة القارية وتيارها التأملي الرسمي بفرعيه الفرنسي والألماني الذي يهتم بدارسة الفكر والذات والعالم بعيدا كل البعد عن الفلسفة التحليلية ذات المنبت الأنغلوساكسوني والانتشار الأمريكي والتي ركزت بحوثها حول اللغة والذهن والتجربة والواقع والفعل.غير أن الرجوع للسيرة الذاتية لعميد كلية نانتير أحد ضواحي العاصمة باريس ندرك أهمية المنعرج الذي حدث لفكره الفلسفي لما قرر مغادرة فرنسا والانتقال إلى العالم الحر من أجل تدريس الفلسفة في جامعة شيكاغو والتفاعل التوليدي مع الفلسفة التحليلية في مختلف مدارسها ونظرياتها حول الخطاب والمعنى.اللافت للنظر أن اللقاء بين ريكور والفلسفة التحليلية كان قبل ذلك ومنذ الفترة الأولى من بداية تشكل وعيه الفلسفي كانت تحدوه عزيمة كبيرة للاستفادة من ابتكارات فلاسفة التحليل والبراغماتية والوضعية الجديدة. فهل كان اللقاء بين الأستاذ بول ريكور والفلسفة التحليلية اضطراريا واستكشافيا أم تحول على وجه الحقيقة التربوية والفضاء الجامعي الى تجربة تفاعلية ومغامرة معرفية مثمرة غيرت بطريقة لافتة المسارات المعرفية والورشات الفكرية التي دشنها منذ بداية المرحلة القارية؟
من وجهة نظر تاريخ الفلسفة:
إذا كان بول ريكور يعد استمرارا للفلسفة الفنومينولوجية التي بدأها على نحو جديد هوسرل في كتابه الذي ترجمه مع صديقه دوفرين في سجون النازية أفكار وعمل أيضا على تطوير الفلسفة التأويلية التي تقاسمها مع هانز جورج غادامير صاحب كتاب الحقيقة والمنهج واستخلص منها نظرية في الحق والسلطة والفعل فإن الفلسفة التحليلية قد شهدت ميلاد تيارات قريبة من روافد الفلسفة العلمية والنظرية البراغماتية والمنهج التجريبي واتخذت صبغة منطقية وتفرعت إلى اختصاصات تهتم بفلسفة الذهن ونظرية المعرفة وتمارس التحليل المنطقي للخطاب العلمي وتطبق النقد والتفكيك وفق المناهج مابعد البنيوية والفكر مابعد الحديث.
قد تكون فلسفة اللغة هي المحور المشترك الذي تتقاطع فيه الفلسفة الريكورية مع الفلسفة التحليلية ولكن إظهار القيمة المضافة للسرد والاستعارة الحية والمخيال والحقيقة الشعرية وفلسفة الدين كفيل بأن يؤكد هذا التأثير والتأثر الذي حصل بين الفيلسوف الباريسي وفلاسفة التحليل عند المرور من النص إلى الفعل.
من وجهة نظر السيرة الذاتية :
لقد امتدت الهجرة التي قام بها ريكور إلى أمريكا من 1970الى1985 وجاءت بعد عقد الستينات الذهبي الذي واجه فيه أقطاب الظنة وتحاور بالخصوص مع فرويد ونيتشه وماركس وحاول عبور التحليل النفسي والأثنولوجيا وتخاصم مع بنيوية لاكان والتوسر وغريماس وحاول تطعيم الفنومينولوجيا بالهرمينوطيقا وزرع الفنومينولوجيا في الهرمينوطيقا وانتهي إلى خلع هالة الأسطرة عن الكاثولوكية والبروتستانتية وتدشين الهرمينوطيقا التوراتية ضمن الأفق الشعري. لقد دفع خيار نانتير وملحة الطلاب سنة 1968 ريكور إلى السير على الحافة ورسم الحدود وعبور القارة الى العالم الجديد بدعوة من بول تليش صديق مارسيا ألياد لكي يخلفه في التدريس وليدشن ريكور مرحلة مغايرة من التدريس الممتع في أمريكا حيث وقّع مفهوم الهوية السردية وطمح إلى الإفلات من قبضة هيجل وتمكن من عبور الشر المطلق وكتب ثلاثية الزمن والسرد وحقق الاعتراف بوصفه الفيلسوف الأبرز في فرنسا سنة 1988 وجعل من فكره جسر عبور بين ثقافات متعددة وأحدث المنعطف البراغماتي والتأويلي للعلوم الإنسانية وسلك الطريق الطويل للأنطولوجيا والمسلك القصير بين الذات ونفسها بالمرور عبر الغير والغريب ضمن قيمتي العدالة والصداقة وأكد على أهمية حضور الفيلسوف في المدينة وطور قارة التاريخ وفق مقاربة تستدعي ثنائية الذاكرة والنسيان من خلال عمل الحداد وشريعة المصالحة والغفران عن طريق معالجة الجراحات التي أصيبت بها الهويات الجمعية وتبني أخلاقيات تطبيقية تنتشل معنى الحياة وتمنح الكرامة البشرية التقدير.
من وجهة نظر مجموع الأعمال والمؤلفات:
لم يخصص بول ريكور مؤلفا مستقلا تناول فيه بالدرس الفلسفة التحليلية بشكل مستقل وعميق ولا يوجد حضور لافت للفلسفة الريكورية على المستوى العنونة والفصول في مؤلفات الفلسفة التحليلية الرئيسية6 . لكن في سنوات 1974 قام ريكور ببحث حول سيمونيطيقا الفعل يمثل نقطة التقاء بارزة، بعد كتب سجال التأويلات وفي التأويل : مقالة حول فرويد والذي ترجم بعنوان فرويد والفلسفة، والاستعارة الحية الذي ترجم إلى الانغليزية بصورة مغايرة نظام الاستعارة the rôle of métaphore ، مع مواضيع الفلسفة التحليلية وبعد ذلك تزايد حجم الحضور لهذا الفكر الفلسفي الرائد في المتن الريكوري وخاصة في كتاب الزمن والسرد وفي من النص الى الفعل وفي عين الذات غيرا وفي الايديولوجيا واليوتوبيا. وفي المقابل نجد في العديد من الكتب التي تخصصت للفلسفة التحليلية قد تطرقت في فصول عديدة للفنومينولوجيا والقصدية. لعل الإضافة التي وسم بها النظرية التحليلية هي البعد التاريخي الذي طل غائبا عند الدراسات اللغوية7 وكذلك مسألة تدبير الذات والبعد الأنطولوجي الذي تم تعليق الحكم عليه مع تزايد انتقادات الميتايفيزيقا. أما الاستفادة التي حصلت لريكور من الفلسفة التحليلية فتكمن في مسألة الوساطات والتقاطعات التي مكنته من تخطي العديد من المراوحات وتجسير الهوية بين النقائض وكذلك عمليات إعادة البناء وإعادة التشكيل والتأويل البيذاتي والتفاهم البيشخصي والنماذج المنظومية والتفريد والعزو والالزام والانصاف والاجراء. بهذا المعنى لم تغب اللغة عن دائرة الاهتمام الفلسفي الريكوري منذ ظهور نصه الأول بما أنها قد شكلت عنده الأداة التي يستعملها الكائن البشري في فهمه لذاته والعالم وإطارا للتواصل مع غيره والتفاهم معه ولكن طرق التناول قد تضاعفت مؤخرا وصارت فلسفة الأزمنة المعاصرة تنعت بكونها فلسفة لغوية أو فلسغة كلام philosophie du languageوفلسفة فعل.
لقد حظي المبحث اللغوي عند بول ريكور بالمكانة اللازمة منذ الكتابات الأولى وتجلى ذلك في حوراه النقدي وجهد التفسيري الإبستيمولوجي للألسنية والبنيوية والسيميائية والشكلانية والرمزية والسردية، ولقد تجذر ذلك بعد انخراطه في المنعرج التأويلي والتعويل على الوصف الفنومينولوجي والفهم الهرمينوطيقي والتفكيك الرمزي واستنجاده بالذكاء القصصي والمحمول التداولي والمقاربة الإجرائية والمناهج التحليلية. لم يقتصر ريكور على التوغل في بنية اللغات واستكشاف آليات اشتغالها والتفريق بين الكلام والقول واللسان والخطاب وبين الاستعمال الفردي والمؤسسة الاجتماعية وبين الأصول الاشتقاقية والحقول الدلالية وإنما تعدى ذلك نحو الاهتمام بمفهوم اللغة ومعنى الأقوال ومقاصد العبارة ومفاعيلها في الواقع. لقد تمثلت أطروحة بول ريكور في ضرورة الانتقال من الألسنية العامة إلى فلسفة اللغة ومن البنيوية إلى الاستعارة الحية ومن القول إلى الفعل ومن العلاماتية إلى الدلالية ومن النمذجة المنظومية إلى التداولية8 . ربما الخطة التي اتبعها ريكور تدور حول الانتقال من لغة تحيل إلى ذاتها بوصفها نسق مغلق من العلامات والرموز تحكمه قوانين ذاتية وتمثل مرجعا داخليا إلى لغة تحيل إلى العالم الخارجي والآخر الإنساني. خلاصة القول أن بول ريكور عمد الى وضع فلسفة اللغة بين فنومينولوجيا الكلام والتصور التحليلي، فالمقصود بالتقليد التحليلي؟
مفهوم الفلسفة التحليلية:
التحليل analyse مشتق من اللفظ الإغريقي analuein ، ويشير إلى تمشي أساسي للفكر يقسم الكل المعرف إلى عدد من العناصر التابعة له. ضديد التحليل هو التركيب وبالتالي تم التفريق في العلوم بين التحليل المادي ( تقسيم الجسم إلى مجموعة من الذرات في الكيمياء) والتحليل الفكري أو الذهني (تحليل مفهوم)، في الرياضيات يمكن التحدث عن معنيين : يشير عند الإغريق إلى طريقة في البرهنة تنطلق من النتيجة للتثبت من صدقيتها بالسير التراجعي في مسار من التحقيق، في الحقبة المعاصرة يشمل مجموع الاختصاصات التي تدرس علاقات التبعية بين مختلف الأحجام والمقادير ( حساب التكامل والتفاضل ونظرية المجموعات) في تعارض مع الجبر الذي كان يسمي تحليلا في القرن السابع عشر خاصة مع ديكارت الذي جعله دعامة في بحثه عن الرياضيات الكلية وسعيه نحو الهندسة التحليلية واعتبره القاعدة الثانية من المنهج بعد البداهة وقبل التركيب والإحصاء وضمنه تقسيم كل المشاكل الكبرى إلى عدة أقسام ودراسة كل مشكلة صغيرة على حدة لكي يسهل إيجاد حل دقيق. في التحليل النفسي نجد علاج تحليلي9 . أما الفلسفة التحليلية فهي البحوث الفلسفية التي حدثت في بداية القرن العشرين في الدول الأنغلوساكسونية وتمحورت خاصة حول تحليل الكلام وفق مناهج متعددة واهتمامات مختلفة ومقاصد وأغراض متنوعة. لقد تطور هذا التيار مع برتراند رسل في نظرية الأوصاف ونظرية ألعاب الكلام مع فتغنشتاين وتكوين أو بناء الجملة المنطقية عند كارناب وما ترتب عن ذلك من تشكل السيمونيطيقا الصورية للّغات الطبيعية بعد سنة 1970 وانخراط حلقة فيانا في جبهة مضادة للميتافيزيقا وقيام نقاش واسع بين العقول حول علاقات النفس بالجسم والعوالم الممكنة وحول الضرورة والحدوث والمواضيع التخيلية والماهيات الفردية10 . كل هذه الاتجاهات والمباحث تشرع تسمية الفلسفة التحليلية و" في كل الأحوال، يتعلق الأمر بمعالجة المشاكل الفلسفية من وجهة نظر الكلام وتقديم حلا ما إلى هذه المشاكل عبر القيام بتحليل للكلام"11 من المعلوم أن الفلسفة منذ سقراط قد بحثت في عصرها الإغريقي عن طرق منطقية بغية التحكم في الكلام الذي تستعمله وتوجهه سواء في خدمة المعرفة من أجل إنتاج الحقيقة أو في خدمة السلطة بإنتاج المصلحة. كما قام الفلاسفة بربط التفكير بتحديد معاني الكلمات والمفاهيم المستعملة وجعلوا من تجربة التفلسف الحر بأسرها عملية إنتاج للمفاهيم ، في حين أن الفلسفة التحليلية تدافع ليس فقط على حسن اشتغال للأداة اللغوية في المرحلة التحضيرية للتفكير ولا أثناء مسار بلورة التفكير بل اتخاذ الوسيط اللغوي كآلة لإدراك الواقع. في الواقع تتحرك الفلسفة التحليلية على أرضية كانطية جديدة حيث يؤدي الكلام دور أشكال الحس ومقولات الذهن. لكن الكلام في هذا النمط الجديد من التفلسف يبدو ظاهرة معقدة تقبل الإدراك من عدة طرق وأبعاد مختلفة.
والحق أن الفيلسوف التحليلي يعثر على الكثير من الصعوبات والالتباسات في طرق التفكير وأشكال الجاهز المفاهيمي الذي يستقيه من الحياة البديهية ويصطدم بالعديد من العوائق والحواجز التي تعرقله ويجد نفسه لكي يقدم حلا أمام خيارين: الأول هو الكف عن اعتماد طريقة التفكير العادية التي تقتصر على الكلام الجاري وتعويض المفردات المتداولة في الحياة اليومية بنسق من المفاهيم الإجرائية التي تسمح باستعمال مجموعة من المفردات التي يتكون منها الكلام لبلوغ وصف متطابق ومرضي لحقيقة الواقع.
أما الخيار الثاني فهو الانطلاق من مفاهيم الحس المشترك والكف عن التقليل من القيمة المعرفية للفهم الذي توفره عن الواقع والاعتماد عليها للاتصال بالعالم ومحاولة التعمق في الفهم الذي توفره والتحكم فيه. إن التحليل الدقيق والمعمق لمفاهيم وطرق تفكير الحس المشترك تتيح بلوغ الواقع وإدراكه وفهمه بعمق. والحق"أن مهمة التحليل لا تتمثل عندئذ في رفض هذه القضايا بل في إعادة صياغتها بطريقة يتم فيها صياغة المحتوى الحقيقي بشكل كامل وواضح. أن تحلل هو أن تعيد الصياغة أو الترجمة بعبارات جيدة أيضا"12 . لقد كشفت الفلسفة التحليلية عن الأبعاد الثلاث للكلام وهي التركيبيsyntaxique والدلاليsémantique والتداوليpragmatique ، وبينت أن الأبعاد التركيبية للكلام هي فقط التي تكشف عن النسق المنطقي بينما الأبعاد الدلالية والتداولية للكلام تدير ظهرها عن المنطق وتولي عنايتها الكثيفة بالعلاقة مع العالم. اللافت للنظر أن البراغماتية هي مغايرة للتداولية 13 ، فالأولى هي أول المدارس الفلسفية التي ظهرت في الثقافة الأمريكية مع بيرس وديوي وجعلت النجاح معيار الحقيقة والمصلحة طريق السلطة وقد ترجمت في لسان الضاد بالذرائعية والنفعية ، أما الثانية فهي قسم هام من النظرية الألسنية تعالج صلة المخاطب بلغته عند استعماله لها أثناء تواصله مع غيره في الحياة اليومية وتعبيره عن انفعالاته وعواطفه وآماله وانتظاراته. غني عن البيان أن فلاسفة التحليل لم تكن لهم اتصالات كبيرة بعلماء اللسان على الرغم من الاشتغال على فلسفة اللغة و ذلك أنهم فضلوا الاهتمام بالبعد المنطقي أكثر من عناصر العلامة والإشارة والرمز والدلالة. فكيف سجلت الفلسفة التحليلية الحضور والانتشار بعد ظهور مقال كواين الشهير أسطورة الدلالة14 ؟
لقد خضعت الفلسفة التحليلية إلى العديد من التحسينات وعرفت ميلاد ممارسات جديدة تخطت التحليل المنطقي للكلام نحو اقتراح هدف تطهيري علاجي للغة وذلك بإعادة صياغة العبارات الدارجة في لغة صورية وتخليصها من كل التباس وغموض وتوجيها نحو وصف الوضعيات والسياقات والظروف. لقد انفتحت فلسفة التحليل على الكلام العادي واللغة الطبيعية وغادرت المنطق العام بغية إعادة بناء العالم وفق نسق منطقي وبذلت مجهودات قصد إيجاد تطابق بين النماذج النظرية والعالم المتخيل بتنقيته من الالتباس.
فلسفة الكلام العادي مطبقة على مشكل الفعل:
"لعب ريكور، في فرنسا، دورا رائدا في استقبال الفلسفة الأنجلوساكسونية للتقاليد التحليلية"15
لقد سعى بول ريكور عند هجرته إلى التقريب بين فنومينولوجيا الإرادي والمقاربة بواسطة الكلام العادي. لذلك اعتمد على أعمال الألماني ألكسندر بفاندر (1870-1941) حول "فنومينولوجيا الارادي" (1900) و"الحافز والتحفيز" (1911) أين وجد عدة نقاط مضيئة ساعدته على بلورة وتوضيح هذا اللقاء والتفاعل مع المعنى الراهن الذي أنتجه الانفتاح على أفق فلسفي مغاير للفنومينولوجيا القارية واستوقفته الطرق الجديدة التي سلكتها هذه المقاربة من أجل الاعتلاء إلى قمة المبحث الفنومينولوجي في ذاتية الإرادي. لهذا يتمثل الأفق الفلسفي الجديد في تطبيق فلسفة الكلام العادي على مشكل الفعل وذلك من خلال العودة إلى الكتاب الثاني لليدفيغ فنتغنشتاين المباحث الفلسفية16 من الفقرة611 إلى الفقرة 660 الذي دفع إلى ولادة فلسفة تتحرك حول مقولة الفعل وبروز أدب مختص في توزيع أشكال من الخطاب بين الإنسان الذي يقول فعله سواء من أجل وصفه أو من أجل إعلام غيره أو من أجل التعبير عن أمنيته أو أمره ، أو من أجل توضيح أو تبرير الحوافز والأسباب ، وفي النهاية بغية الإعلان عن المقصد القريب أو الأهداف البعيدة. إن الثيمة المشتركة لفلسفة الخطاب هو الفعل ولكن ريكور يقترح إضافة الفنومينولوجيا التي كانت في الماضي متعارضة مع كل تحليل ألسني وخصما منافسا لفلسفة الخطاب من أجل تأسيس الكلام الجاري.في الظاهر لا ينتمي كل من التحليل الألسني والفنومينولوجيا إلى نفس الحقل ولا يتحركان على نفس المستوى ، فالأول يهتم بالملفوظات والعبارات والثانية تشتغل على المعيش ومعنى التجربة الحية17 ، لكن من حيث العمق يمكن للتحليل اللساني أن يمنح للفنومينولوجيا حقلا تعبيريا وتمفصلا بينما الفنومينولوجيا توفر للتحليل اللساني حقل تكون وقاعدة ارتكاز ومجال تأسيس وهذا التلاقي الراهن هو من ابداع بفاندر.
-أشكال التناقض بين مدرسة الكلام العادي وفنومينولوجيا الكلام:
من الناحية الظاهرية تبدو مدرسة الكلام العادي في تناقض صارخ مع المدرسة الفنومينولوجية التي تنحدر من فلسفة هوسرل ، فالفنومينولوجيا في عيون فلاسفة أكسفورد وكامبريدج ترتكز على الحدوسات التي تأخذها الذات من المعيش الخاص، بينما هذا الحدس لا يمكن أن يُقال وأن يُعبر عنه ،لأنه مطالب بالرجوع إلى أوصاف خاصة مزعومةde--script--ions ostensives privées ، والتي هي في الواقع ليست سوى مشتقات طفيلية من الملفوظات العمومية des énoncées publiques مسقطة على المواضيع العمومية، وبشكل مماثل يتم تسمية المحسوسات الخاصة sensations privées بالانطلاق من المواضيع العمومية ويتم تسمية المقاصد والاتجاهات الخاصة على قاعدة الأفعال ذاتها والتي هي في الأساس أفعالا عمومية.إن دراسة الملفوظات بالانطلاق مباشرة من أشكال الخطاب التي تنتظم وفقها التجربة تمتلك الأولوية على ما تزعمه العلوم الوصفية للتجارب الحية من قدرة على التعبير عن معنى البعد المعيش عن طريق لغته. بدل إعادة تعيين حدس ماهيات التجربة الحية يتم الاعتماد على تدوين التجربة في قولها الخاص بها ويتم الاشتغال على بناء الخاصية الأكثر روعة التي يمتلكها الكلام العادي، وذلك ليس في قدرته على إحداث التمفصل في التجربة فقط وإنما أيضا محافظته بالاعتماد على نوع من الانتخاب الطبيعي على التعبيرات الأكثر ملائمة والتمييزيات الدقيقة جدا والمرادفات الأكثر استحواذ على الظروف المتغيرة للفعل البشري. هكذا يوفر الكلام العادي من حيث هو خزان التعبيرات الحسنة وذخيرة القول الأكثر مطابقة وذاكرة لغوية هائلة وموسوعة من المفردات الغنية المدخل الأكثر يقينية في مشكل معنى الفعل من حيث هو فعل إنساني. في هذا السياق يقسم ريكور إسهامات فلسفة الكلام العادي في دراسة الفعل إلى ثلاث مجموعات بالرغم من إدراجه لها جميعا ضمن دائرة التحليل الألسني للملفوظات:
-التحليل المفهومي: حاضر بقوة عند كل من إليزبات أنسكومب في كتابها "القصد" وستوارت هامشير في كتابه : "الفكر والفعل" وعند أبراهام مولدون في كتابه "الفعل الحر" الصادر بلندن سنة 1964.
- تحليل القضايا: يحمل على أفعال الخطاب من حيث بنية القضية التي يدرج ضمنها القصد والفعل ويعود الفضل في نحت هذا التحليل لأوستين حول الملفوظ ألانجازي: كيف ننجز الأفعال باستعمال الكلمات؟18
-تحليل منطقي استطرادي: يتعلق بالحجاج الذي يتمفصل إليه خطاب الفعل وبالتحديد الخاصية القصدية وقد تم توظيف مفهوم القياس العملي للتعبير عن الطابع الاستراتيجي للفعل من كتاب الخطابة لبارلمان19 .
لكن على أي مستوى منهجي من المقاربة يتحقق الالتقاء والافتراق بين التحليل الألسني والفنومينولوجيا؟
- أسباب المواجهة بين التحليل الألسني والفنومينولوجيا:
من بين الأسباب التي دفعت البعض إلى تفضيل المقاربة الألسنية على المقاربة الفنومينولوجية هي:
-التحليل الألسني يساعد على تفادي الصعوبات التي يعاني منها الاستبطان وخاصة العودة التي يقوم بها الحدس إلى الإحساس الحي والإدراك الباطني بمعارضة الملفوظات العمومية التي تعبر عن التجربة.
-تصطدم الفنومينولوجيا بالارتباك والحيرة والإحراج بطموحها إدراك الماهية بالرجوع إلى الحدس ومحاولتها رؤية الماهية بالانطلاق من مثال جزئي ، في حين يعارض التحليل الألسني بين تحليل المعنى والإحالة إلى الملفوظات ويقوم بإفراغ الموارد والمصادر التي تعتمد عليها الفنومينولوجيا في عملها.
في هذا السياق يقترح بول ريكور إقامة فنومينولوجيا جديدة قادرة على بيان المشاكل والصعوبات التي يعاني منها التحليل الألسني وتجاوزها ويسعى للكشف عن عجز هذا المنهج عن التفكير في ذاته وفي معرفة الرهان من استعمالات اللغة في الحياة اليومية عندما تقوم بتشكيل ووصف الحدث والعرضي.
تعمل هذه الفنومينولوجيا على نقد التحليل الألسني وإظهار استحالة تصنيف الأفعال ووضع وفق نظام نسقي على قاعدة تشابه العائلة وتماثل الفريق بالنظر إلى نفي دوغما اللعب اللغوي الذي يتحدث عنه فيتغنشتاين والذي حاول أن يتفادى به عملية المرور إلى المتعالي في علاقة منطقية بين النوع والجنس.
يستنجد ريكور هنا بستراوزن ومفهوم العناصر الأساسية من حيث هو تنظيم مفهومي يشتغل على التمييز بين الأجسام والأشخاص ويتساءل حول قدرة مقولات الكلام على توجيه خطاب الفعل قصدا أو تحفيزا، من أجل تحمل المسؤولية أو العزو بالإسناد للذات ، أمرا أو تحذيرا ، تعبيرا عن أمنية أو تقديم ملاحظة20 . فهل تكمن صعوبة المرور إلى المتعالي في صعوبة إنتاج خطاب عن الفعل بالاعتماد على مقولات اللغة؟ كيف يؤمّن التحليل الألسني تحليلا مفهوميا ؟ والى أي مدى يعد شكل الخطاب هو أمر لا مفر منه بحق؟
لا يتحقق أي شيء للتحليل الألسني عندما يرجع إلى الفنومينولوجيا من خلال المعضلات الخاصة بها ولهذا السبب يعود إليها من بوابة المقاربات التي قادتها إلى نجاحات والمكاسب التي أثبتت بها نجاعتها.
من المعلوم أن المفهوم الفنومينولوجي للغة يختلف جذريا عن المفهوم البنيوي للغة ، وأن استجلاء الكلام العادي لا يتم باستثمار النسق المغلق حيث لا تحيل الكلمات سوى إلى كلمات أخرى، ولا شيء أكثر غرابة في التحليل اللغوي سوى هذا الانغلاق الوهمي لعالم الرموز، وتبعا لذلك لا يمكن استجلاء الكلام بشكل تام إلا عن طريق القيام بتحليل معمق للتجربة وبالانتقال المنهجي من تحليل الملفوظات إلى تحليل التجربة.
لقد قام أوستين بمخاطرة ذات مرة حينما أطلق على منهجه تسمية "الفنومينولوجيا الألسنية" بالنظر إلى الاختلاف الظاهر بين الاختصاصين: الفنومينولوجيا من جهة وتحليل الكلام العادي من جهة أخرى. لكن ماذا لو كانت التجربة الحية في الفنومينولوجيا تمثل مرجعا ضمنيا وغير موسوم لتحليل الكلام العادي؟
والحق أن التحليل الألسني الذي قامت به فلسفة الكلام العادي يمثل رد فعل على الذرية المنطقية لبرتراند رسل ونظرية الجدول عند فتغنشتاين الأول بحيث لم تعد المسألة تتوقف على إعادة صياغة الكلام العادي وفق المطالب المنظومية للكلام المكتمل بل يتعلق الأمر بالإقامة داخل هذا الكلام للظفر بدلالته الواقعية.
"إن بحوث فتغنشتاين 2 في التحقيقات الفلسفية وبحوث أوستين وهامشير وأنسكومب تمثل ثورة مقارنة بالثورة التي قادت هوسرل إلى معارضة العلم الوصفي للمعيش بالمثال الرياضي للوضوح والإشباع "21 . على هذا النحو يحاول ريكور إيجاد مطابقة في لعبتي التعارض بين الكلام المكتمل والكلام العادي في الفلسفة التحليلية من جهة أول ، وبين الماهيات الدقيقة والماهيات غير الدقيقة في الفلسفة الفنومينولوجية في مستوى ثاني. بعد ذلك يتفطن إلى أن الفلسفة التحليلية جاهزة إجرائيا من الناحية المنهجية والمفهومية لكي يتم مقارنتها مع الفنومينولوجيا وذلك في مستوى ما تقوم به وما تنجزه من أعمال وليس في مستوى ما ترفضه من آراء.
نقطة الالتقاء الأولى هي الاستجلاء والتوضيح والإبانة بالنسبة إلى الملفوظات في فلسفة تحليل الكلام العادي وتوضيح ماهيات التجربة الحية بالنسبة للفنومينولوجيا ، وبالتالي يجدر التنصيص هنا على قرابة التجربة الاستجلائية في حد ذاتها: أن نوضح في التحليل الألسني هو أن نميز وأن نقول وأن ننجز جداول ونبين فوارق، أما الفنومينولوجيا فهي برمتها وبالأساس فن في التمييز وعلم في الفرق diaforologie ، وهذا التحديد يجعلها تتميز على كل بناء جدلي لا يمثل سوى فن عبور وعلم للجمع وتتحول إلى استجلاء.
نقطة الالتقاء الثانية بين الفنومينولوجيا والفلسفة التحليلية الأنجليزية هي تعارضهما جذريا مع المنهج الجدلي في صورته الهيجلية وبالتالي انتمائهما إلى نفس حقل الخطاب والى فن التمييز وتقنية التوضيح.
اللافت للنظر أن ريكور لا يرى وجود مسافة تفصل بين نظريتين في الدلالة تقترب الأولى من التعريف بواسطة الاستعمال وتستنجد الثانية بالتعريف بواسطة الإدراك الحدسي للمعنى، لأن الالتجاء إلى الاستعمال من جهة والى الحدس من جهة أخرى هما بمثابة أخذ الاحتياط والاحتراس من نفس المزاعم ونفس الأوهام التي تدعيها اللغة المكتملة منطقيا من الناحية الأولى والرياضيات الكلية من ناحية ثانية.
لكن هل توجد نقاط ارتباط إضافية تتشكل على الصعيد المنهجي بين الفنومينولوجا والفلسفة التحليلية؟
قد تكون مهمة التقريب بين المدرستين معرضة للفشل وذلك لوجود اختلاف من حيث المبدأ بينهما وتعثر بلوغ مقصد الفنومينولوجيا عبر الطريق الذي يسلك التحليل الألسني وفي الظاهر عدم حاجة التحقيق الذي يتم في التجارب الحية إلى المرور بمسائل الكلام واكتفائه بحدس الماهيات بدل الاستعمال المتعين للكلام.
بيد أن الفهم العميق يسمح بإجراء مقارنة مفيدة بين الإستراتيجيتين والقول بأن التحليل الألسني لا يصل إلى اكتماله بتسييج الكلام وإنما بترك أبوابه مشرعة على التجربة ومن جهة معاكسة يمكن الذهاب من الفنومينولوجيا إلى التحليل الألسني بما أن الوصف الأولاني للتجربة الحية يحوز بصورة ضمنية على مسلمات لغوية وذلك لأنه يعتمد الأولانية وليس تفكيرا انعكاسيا لا يقوم فيه المرء سوى بإحياء ما كان عاشه من تجارب سابقة دون أن يعمل على التفكير فيها أو التعبير عنها بالكلام الرمزي أو الكلام الجاري.
لقد سعى بول ريكور إلى إذابة الجليد وفسخ الاختلاف الذي بقي قائما بين الفنومينولوجيا والتحليل الألسني وردم الهوة التي كانت تفرق بينها ببناء جسور التواصل والاستفادة المتبادلة وتحقيق التكامل بينهما. في الواقع لو قامت التجربة الحية بأخذ المكان الذي يحتله الكلام فإن المعيش لا يعني فعل الحياة في حد ذاته بل إن تنمية التجربة ورفعها إلى مرتبة الحقل الفنومينولوجي يظل متعلقا بالحركة الفلسفية الأولية التي يقوم بها الرد للموقف الطبيعي، ولهذا لا يمكن اختزال التجربة الحية في مجرد الحياة الطبيعية بالمعنى البيولوجي. فماذا تفيد إمبراطورية معني، حيث لا يحيل المعنى سوى إلى معنى أخر والى الوعي من أجل المعنى؟
هذه الإزاحة بالنظرة عن أطروحة العالم إلى أطروحة المعنى هو وثيق الصلة بالحركة التي أجرتها الفلسفة التحليلية التي تجاوزت الإعلان عن الوقائع إلى معرفة هذه الوقائع، من جهة مقابلة لقد تناولت الفنومينولوجيا الموضوع الذي اشتغلت عليه الفلسفة التحليلية دون دراية ودون معرفة سبب هذا التناول.
يمكن تأويل هذا التراضي بإقامة علاقات ودية وتقارب بين المدرستين بالنظر إلى الرد الفنومينولوجي على أنه اتخاذ مسافة وحركة توليد الفوارق وليس فقدان شيء معين ولا إنقاص من كثافته الأنطولوجية وذلك بالنظر إلى أنه لا توجد فقط مجموعة من الأشياء وإنما هو نسق من العلامات التي تشير إليها. وفي الجملة يمكن تأويل الرد الفنومينولوجي على أنه الولادة الفعلية للوظيفة الرمزية وأيضا يمكن التعامل معه بوصفه الأساس الذي تبني فوقه الفلسفة التحليلية عمارتها المنطقية لما انعطفت من الوقائع إلى الملفوظات.
لكن يبرز اعتراض جديد يتمثل في أن الأمر ليس هو نفسه هنا وهناك إذ أن الفلسفة التحليلية تعير اهتماما كبيرا بالملفوظات والأقوال في حين أن الفنومينولوجيا تنطلق من التجارب الحية vécus نحو المعاني. هذا يقيني ولكن ريكور يتساءل: ماذا تجني التجربة الحية من الاختزال الفنومينولوجي غير المعنى المتكلم به؟
لم تساعد العودة إلى التجربة الحية هوسرل على الإعلاء من غير المنطوق به واللامنقال l ineffable بل إن بواقي الرد الفنومينولوجي تقدم نفسها على أنها حقل مهيكل يمكن أن يسمى تحديدا التحليل الأولاني22 . البديهية الأولى في الفلسفة الفنومينولوجية عند أودمند هوسرل تجتاز عتبة الرد وتعلن ما يلي في الأفكار:" كل حدث فردي يحوز على ماهيته التي تكون متاحة للإدراك في أولانيتها المحضة والتي يجب أن تكون ، وفق هذا الشكل المحض، جزء من حقل التطبيق للعلم الأولاني الممكن."23 هكذا يكون الغرض الأول للمنهج الفنومينولوجي هو قول الفحوى الأولانية للتجربة الحية ويساعدنا في ذلك اتخاذ مسافة من العالم عندما يفتح لنا إمكانية التمييز بين الماهيات وترابطها، ويقودنا التركيز على الحقيقة الأولانية إلى تثمين الاعتبارات اللسانية التي تؤسسها في حركة اختزالية بدئية وفي حركة ماهوية للإدراك في مرحلة ثانية.غاية المراد أن النطق الأساسي للتجربة الحية هو الذي يسمح بقيام نظرية في الملفوظات. ان إضافة ريكور تكمن في هذه الإشارة حيث يقوم بوضع أطروحة النطق الأساسي للفحوى الأولانية للتجربة الحية مكان نظرية الجدول المضللة وبدل تعريف الدلالة من خلال الاستعمال لافتقارها صوابية المعيار. في هذا المقام تتحرك الفنومينولوجيا في مستوى استراتيجي مختلف عن التحليل الألسني: فإذا كان التحليل الألسني يسعى إلى استجلاء الملفوظات وتوضيح العبارات فإن الفنومينولوجيا تريد جلاء إدراك الماهيات. لا يمكن القول بأن هوسرل يجهل التباسات الكلام وإنما هو أقل تظنن من ارتباط الغموض بحالة المعطى، لأن مشكل الحقيقة قد يختفي تماما ولم يعد مطروحا عندما تعطى الأشياء على درجة عالية من القرب وإذا لم تؤثر المسافة في أسلوب وجود المعطى، وعندئذ لا يثير هوسرل مشكلا حول اللغة وإنما حول النظرة. على خلاف الثقل الذي نزل به فلاسفة التحليل نحو الكلام ، سدده هوسرل على أفعال الإدراك الأولاني24 وكل التكتيك الذي مارسه بضرب الأمثلة والتنويعات الخيالية ينبع من هذا الصراع من أجل الإقتراب25 . ما يسعى هوسرل إلى تقريبه من التحليليين هو الاعتقاد بأن الاستجلاء لا يمكنه أن يصل إلى الماهيات الرياضية والى معنى الوضوح والإشباع وأن الوصف الأولاني للتجربة الحية ليس رياضيات أولانية. ان الوصف الأولاني يحاول بلوغ درجة الدقة والصرامة الرياضية ولكنه يكتفي بحدس الماهيات غير المطابقة ولهذا السبب يقوم هوسرل بالتقريب بين تحليل الكلام العادي واختصاص الوصف الأولاني. كما يقوم هوسرل بالتجميع بين التمشيين وذلك بتأكيده أن التجربة حية مهيكلة وتحوز على معنى ويمكن قولها، فهي تجربة قصدية وأمر توضيح المعنى الخاص بالمعيش بواسطة الموضوعات التي يستهدفها هو ممكن. من هذا المنطلق " يحدث ترابط شبيه بين الفنومينولوجيا والفلسفة التحليلية على حد التداولية ولا يكون محور النقاش هنا عن صلة الحافز بوصفه مبدأ ل...بالسبب من حيث هو حدث يتم في العالم بل عن صلة الفعل بالفاعل"26 . على هذا الأساس يعيد ريكور قراءة هوسرل ويعتبر فكرة القصدية: كل وعي هو وعي بشيء ما فكرة تافهة ويركز على علم الوصف الأولاني للتجربة الحية بعد الفصل الإجرائي بين القصدية والمنهج الفنومينولوجي وانطلاقه من الخطاب الذي يمكن انتاجه وقوله حول التجربة الحية من جهة بنيتها العلائقية الفارقية بين العالي والتعالي ويؤكد بأن في العالم لا يوجد فقط ما يمكن أن يعيشه المرء بل ثمة أيضا ما يمكن أن يفكر فيه. إن القول بأن الفنوميبنولوجيا هي علم الوصف الأولاني يعني القول بأنها تتناول بالدرس مفهوم القصدية وأنها قادرة على قول ما يعيشه الوعي والنطق بمقصوده وغرضه في أفعاله أي يمكن قول الكوجيتو بواسطة الكوجيتاسيو أي النواز (فعل الوعي) وقول الكوجيتاسيو بواسطة الكوجيتاتوم أي النوام (حقل الوعي). هذا التصور يساعد على اجراء مواجهة مع الفلسفة التحليلية للكلام التي تضع الملفوظات التي تشتغل عليها في مواجهة التجربة الحية للفنومينولوجيا وذلك لأن الموضوعانية هي الفحوى النوماتيكية. إن التعارض بين نظرية التجارب الحية ونظرية الملفوظات لم يعد له أي جدوى الآن وإن المكافحة بينهما تصبح مفيدة حينما يتعامل علم الوصف الأولاني مع النوام بوصفه مركز الثقل ويصير علم التجربة الحية هو علم النوامات ويتحول النوام إلى عامل مساعد على التعبير عن التجربة الحية وشرط نقطها ويلتقي في هذا الصدد بنقطة الانطلاق التي تعود إلى الفلسفة التحليلية وهي حقل التلفظ وفضاء النطق ومجال التعبير. هكذا ينتهي هوسرل حيث كان أوسطين وغيره من فلاسفة التحليل قد انطلق وعلى هذا النحو تصبح الملفوظات مجرد تعبيراتexpressions أي طبقات ثانوية بالمقارنة مع المعنىsens الذي يرتبط بالنوامnoème .
لكن كيف استنبط بفاندرPfander فنومينولويجا الإرادة من الفنومينولوجيا الألسنية بعد دمجه بين تحليل الملفوظات في التحليل الألسني والتحليل الأولاني للمضامين النواتيةontenus noématiques للوعي ؟
- اعتراف الفنومينولوجيا الألسنية بحق فنومينولوجيا الإرادة:
لقد كتب بفاندر فنومينولوجيا الإرادي قبل أن يبلور هوسرل أسس التحليل الوصفي في بحوثه المنطقية والأفكار وقد تكون هذه الفكرة هي التي تنقصه ليجعل من فنومينولوجيا الإرادي إدراكا مباشرا لظاهرته.
من المعلوم أن هوسرل نفسه قد تناول مفاهيم عاطفية وأكسيولوجية وإرادية ولكنها تعامل معها بوصفها طبقات تم تشييدها على قاعدة حركات موضوعانية وأفعال ذاتانية ولذلك بقيت الفنومينولوجيا عنده مهمتة بالإدراك والرؤية بالمعنى الذي تنحصر فيه المعرفة الحسية وبالمعنى الواسع للنظر العقلي. على خلاف ذلك ذهب بفاندر مباشرة إلى الوعي بالإرادي عامة والذي لا يعني أمرا آخر سوى الوعي بالميل نحو عدة أشياء على غرار الحلم والتمني والأمل والرغبة والخشية والكراهية والمحبة والتعاطف والانجذاب. لقد اتجه تحليل بفاندر نحو الرابط : "هذا الذي نميل إليه" جميعا والذي استشرف به الترابط الهوسرلي بين النوام من حيث هو حقل تكوين الوعي والنواز بوصفه فعل الوعي وقد قاده تحليل المضامين الموضوعانية للوعي إلى الكشف عن علاقة التلازم بين الأنا الواعية من جهة بمحتويات الوعي ذاته من جهة ثانية. إن علاقة الأنا بماهو حاضر لا تتحقق إلا في حضن علاقة الأنا بشيء ما يعمل على عزله بقصده ولذلك كان المتمثل عند هوسرل حركة موضوعانية أولانية وقد صار مكونا أساسيا من المقصد الذي يميل إليه.
لقد أقام بفاندر المتمثل على أساس المقصد الذي يميل إليه وجعل من اللاّحاضر يبلغ مباشرة المعنى في كل ثقله ويناظر الميل ليس فقط في الحركات الموضوعانية كالإدراك والاستحضار بل والأبعاد الزمنية مثل الماضي والمستقبل ، وعندما يتم تطوير التمثل في اتجاه الميل فإنه يتم وصفه من حيث هو تمثل الهدف وعلى أساس المعنى الذي يعبره مقصد المعنى. إن العلاقة التي تربط بين اللذة والألم هي التي يتم تشييدها من خلال اللحظات الأساسية التي يتكون منها تمثل الهدف عن طريق التمثل اللذيذ أو اللذة التي وقع تمثلها. بعد ذلك ينتقل بفاندر بواسطة عملية تضاؤل المعنى بعد تقلصه وانكماشه من حركة الميل إلى إرادة المعنى والفرق الدال بينهما يكمن في الاعتقاد بإمكانية تحقيق ما يميل إليه المرء بواسطة فعله الخاص. كما يقوم ببلورة ترابط بين إمكانية امتلاك الوعي واستحالة الاعتقاد في حيازة قرار الفعل وافتراقهما في الآن ذاته.
إن كل اعتقاد في إمكانية انجاز الفعل الخاص بالذات للمرغوب فيه يعود إلى التمييز بين المريد والأمنية عبر تشيد الجسر الذي يربط بين الغاية والوسيلة الذي يسمح بتسجيل التحفيز في الوصف في بحث 1911. لكن يعود إلى التمييز بين الحافز والسبب وبين الباعث والمثير والدافع بقوله" يجب فصل مبدأ الإرادي عن سببه مثلما يتم التمييز بطريقة صارمة بين مبدأ المعرفي وسببه" بما أن تأسيس الإرادي يختلف تماما عن التسبب في الإرادي" و ينبغي أن يكون هذان العنصران من الناحية النظرية مختلفان بشكل تام.
لم يكن بفاندر واعيا في تلك اللحظة التاريخية بأن ما يشيده ليس بسيكولوجيا وإنما مذهب في "الأفعال الإرادية" يمتلك منزلة ابستيمولوجية تشبه نظرية المنطق ويمكن ربطه بالتحليل الألسني والفنومينولوجيا.
لو طلبنا من هذا العلم أن يكون بالنسبة إلى الإرادي ما كان المنطق بالنسبة إلى المعرفة من معيارية فهذا يقتضي أن يتم المرور بالتحليل الألسني الذي يحمل على التعبيرات الإرادية ويحولها إلى قضايا منطقية.
يوافق بفاندر على هذه العملية ويسمح للفعل الإرادي بأن يعبر عن نفسه لسانيا من خلال قضايا منطقية على صورة أريد ب ولا أريد ب وهذه القضايا تبدو في صورة مشاريع يتم التعبير فيها عن القضية العملية الخاصة بكل واحد منا. تبعا لذلك يمكن لتحليلات الفعل الإرادي أن تمر بالشبكة اللسانية ويمكن منحها معنى لغويا ضمنيا وقراءة تعريفه للفعل الإرادي بوصفه الفعل السابق على الطرح العملي الذي يتم استكماله بمقصد إرادي محدد ويصدر من منبع الأنا ويضم الذات ويقصد بها نحو تصرف مقبل محدد.
والحق أن تحليل الأفعال التقريرية يعزز تعريف بفاندر للأفعال الإرادية وفق المقاربة المنطقية للقضايا.
كما لم يتم الاعتراف بالعلاقة بين الفعل الإرادي ودوافعه ومحفزاته إلا مع التحليل الألسني عند أنسكومب وهامبشير ومولدون الذين قاموا بتقسيم العلاقة بين الفعل الإرادي وما يسبقه إلى عنصرين: التحديد بواسطة الدوافع motifs من جهة والتحديد بواسطة الميولات tendances من جهة أخرى. الأول يتعلق بفكرة المبدأ والثاني يفترض فكرة السبب، وهذه الفوارق هي بالأساس فوارق لغوية واختلافات ألسنية.
تبعا لذلك يمد قاموس بفاندر التحليل اللساني بعدد من المفاهيم: أن يكون المرء من الناحية الروحية في حالة إصغاء للأوامر ، الاعتراف، الموافقة approbation، الوقوف على الأرض، التأسيس، المساعدة، التربية، الانسحاب إلى ، الاستناد على شيء ما، إنتاج أثر، تمرين، دفع، رفع الصوت. بهذا المعنى يحافظ الكلام على الفرق بين التحفيز والعلاقات الأخرى وبين موضع الأوامر العملية وانبثاق بعض التطلعات.
غاية المراد أن كل فنومينولوجيا هي ألسنية بالنظر إلى كون التمييزات التي يوفرها الكلام العادي هي تقودها ، وكل تحليل لساني لا يملك أي أساس في حد ذاته سوى تحليل المضامين النوماتيكية للوعي.
والحق أن بفاندر لم يتمكن من توفير الشروط المتعالية لهذا التحليل وذلك لكونه اهتدى بشكل متأخر إلى الأبوخيا باعتبارها تعليق الاعتقاد والتي كانت مرحلة أساسية في المقاربة الفنومينولوجية للتحليل اللغوي.
لكنه في المقابل اعترف بأهمية فنومينولوجيا هوسرل في الذهاب مباشرة نحو الماهيات دون القيام بدورة حول الأفعال الموضوعاتية ، ولهذا السبب جعل من مفهوم الفعل موضوعا فنومينولوجيا وربطه بالإرادي والحقل الدلالي للكلام وتفطن إلى هيمنة الجانب الإدراكي ونظرية القصدية على فنومينولوجيا هوسرل.
يقترح ريكور على الفنومينولوجيا مابعد هوسرلية أن تنجز قراءة أركيولوجية للمنابت الفنومينولوجية لكي تمارس التحليق الإبداعي والابتكار الدلالي والخلق المفهومي خارج الإطار الضيق للنموذج الإدراكي ونادى بتوسيع المنهج الفنومينولوجي ونقله من دائرة الإدراك الحسي إلى دائرة الإرادي وتصحيح مساره الفلسفي بتخليصه من المثالية التي وقعت فيها الكانطية الجديدة من خلال بارديغم الرؤية واستعارة الأنوار.
فإذا كان العالم المشرق خال من المقاومة فإن العالم الصعب هو بالضرورة أكثر واقعية ، وهذه الحقيقة تجعل من فعل الوجود هو فعل مقاومة بالضرورة. عندما يكون العالم ثابتا وصلبا فحري بالفنومينولوجيا أن تذهب مباشرة إلى الطابع الإرادي للوعي دون الحاجة دائما إلى المرور بالطابع المدرك لحقله الواعي. فاذا كان الكوجيتو الذي يتفرج يعيش العالم المعتم والمليء بالغموض الذي يعق الفرجة فإن الكوجيتو الذي يفعل يعيش في العالم الذي يكون دربا أكثر من أن يمثل مجرد عائق. لذا تكمن عظمة بفاندر في بلوغه مباشرة إلى فنومينولوجيا الإرادي والتحفيز وجعلها نواة الفعل الذي يجعل الذات العارفة ذاتا مسؤولة27 . فماهي التبعات التي ترتبت عن التقارب بين التقليد القاري والتقليد التحليلي؟ ومن استفاد من الآخر؟ هل تمكنت الفلسفة التحليلية من فك عزلتها أم استطاع ريكور الرد على التهم التي وجهت لهمن طرف خصومه التقليديين من الفلسفة القارية؟
مكاسب من اللقاء بين التحليلي والقاري:
" نحن لا نرغب في توضيح الكلام إلا من أجل تحليل التجربة بشكل أحسن"28
جملة القول أن ريكور يلجأ إلى التحليل كما مارسته الفلسفة التحليلية الأنجليزية في مستوى التحليل المنطقي للغة وفي ذلك اعتراف منه بأهمية المدرسة التحليلية لاشتمالها على وفرة في المعنى والمبنى. ولقد ساعده منهج التحليل على حسن النظر إلى الذات المفردة بصيغة الجمع وفي مختلف أبعادها الوجودية وعلى التعامل مع الإنسان بصوفه المريد والقادر ، أي الإنسان الفاعل من جهة والمتألم من جهة أخرى. بعد ذلك أجرى حوارا مثمرا مع ستراوزن وشرع في تطبيق المقاربة الدلالية على اللغة وأبدى تحفظه من التحليل اللساني الذي يخلط بين الأشخاص والأشياء وينكر وجود ذات فاعلة وينطلق من وجود الأجساد ومن اعتبار الفاعل مجرد شيء نتكلم عنه وفي المقابل يتم إلغاء الأحداث الذهنية والتصورات والأفكار. لذلك يعترض ريكور على ستراوزن عند اللجوء إلى الهوية عينه والى ماهو متجمد خارج الزمان وبالتالي إهماله الهوية الذاتية التي تتصف بالقدرة على استعمال اللغة والتغير في الزمن، وفي مستوى مغاير يناقش كل من أوستين وسيرل حول أفعال الكلام ويعيب على التحليل إخفاء الذات المتكلمة في جسم موضوعي في حين أن الذات توجد داخل جسد خاص له جملة من اقتدارات وينتمي إلى دائرة ما يخصني أنا بالذات. لقد كانت نظرة الفلسفة التحليلية قاصرة عند الانتقال من عالم الإنسان المتكلم إلى عالم الإنسان الفاعل والمتألم وأنكرت مقاربتها الدلالية وجود الفاعل ونسبته إلى الفعل وعاملته باعتباره عنصر من الحدث. كما يعترض ريكور على تشديد كل من أنسكومب ودافيدسون على الحدث واعتبارهما كل ما يقع في العالم يستحق أن يسمى فعلا واقرارهما بأن كل حدث يمكن عزله ووصفه بصورة مستقلة مثل الشيء المادي والتعامل معه بوصفه واقعة مستقلة يمكن وصفها منطقيا في حد ذاتها دون اللجوء الى مفهوم الفاعل. لقد أهملت الفلسفة التحليلية الهوية الذاتية وتوقفت عند الهوية المتجمدة كجوهر في الهوية عينه وتناست أن نسبة محمول إلى فاعل منطقي هي غير عملية الإسناد التي يقوم بها الفاعل الحقيقي من حيث هو قادر على أن يسمي نفسه عندما يسمي آخر وقادر على التسمية الذاتية و على تحمل تبعة فعله كمسؤول عنه. فإذا كانت الهوية العينية تنتمي إلى عالم الأشياء التي هي بتصرفنا ويمكن أن نستعملها كما نشاء وأقرب الى مفهوم الجوهر الذي لا يتغير وتظل محافظة على ماهو عليها على الرغم من مرور الزمان وتقلب التاريخ فإن الهوية الذاتية تنتمي إلى الوجود الذي لا يستطيع إلا أن يطرح الأسئلة حول وجوده تلتقي بالغير وتبقى محافظة على ذاتها رغم مرور الزمان بطريقة الوفاء للوعد المقطوع وبالقدرة على استعمال اللغة والسرد. صرح حول هذا الموضوع:"وبهذا الصدد فإني أريد أن أقول كل الفضل الذي أدين به للفلسفة التحليلية التي يحد مخططو العام الأنطولوجي باستمرار كل دعم ومساندة منها.إن مسيرتنا الأولى صحبة ستراوزن كان قد شجعها المطلب الارجاعي كما حدده علم دلالة فريجه.هذا النزوع الواقعي للفلسفة التحليلية يجعلها منذ البداية وبجدية تامة تقيم توازنا مع الميلين الذين هما الميل المثالي (ديكارت) والميل الظاهريphénomeniste (هيوم)."29 لقد استفاد ريكور من فلاسفة التحليل في مدرستي اوكسفورد وكامبردج وخاصة ستراوزن ودافيدسون وانسكومب وهامبشير وومولدون ودانتو وأوستين وسيرل وفتغنشتاين وريل وتايلر وماكنتاير ورولز. لكنه نقدها بالعودة الى ارسطو وكانط وهيجل وهوسرل وهيدجر وغادامير بين حاجتها الى التاريخ والزمنية. ثم يضيف بعد ذلك:" اني مهمتم جدا من جانبي خصوصا ان المفهوم الارسطي للبراكسيس هو الذي ساعدني لتوسيع الحقل العملي الى ماهو ابعد من المفهوم الضيق للفعل داحل الفلسفة التحليلية وفي المقابل فان الانهمام الهيدجري يعطي البراكسيس الارسطي ثقلا انطولوجيا لا يبدو انه كان القول الأكبر لأرسطو في كتبه الاخلاقية"30 . لكن كيف زودت الفلسفة التحليلية فنومينولوجيا بول ريكور بسير ذاتية وقصص خيالية وتجارب معيشة وأمثلة عن الحالات المستعصية31 التي تمر بها الشخصيات البشرية في التجارب الطبية ومكنته من وضع الهوية السردية كجسر رابط بين الإنسان المتكلم والفاعل المتألم والإنسان الأخلاقي الذي يتحمل تبعة فعله؟
خاتمة:
" فلسفة الفعل هي الايتيقا"32
لكي يفهم المرء التحولات التي تجري في الفلسفة المعاصرة أثناء متابعتها للمشهد الراهن الحري به أن يدرس نقاط الافتراق بين الفلسفة القارية والفلسفة التحليلية ومواطن الالتقاء والاستفادة المتبادلة بينهما. تُعَدُّ الفلسفة التحليلية صورة متقدمة عن الفلسفة القارية وشكل من أشكال الانتشار الجغرافي والتناسل الطبيعي لها وتعتبر الفلسفة القارية بمثابة المصدر الذي انحدرت منه الفلسفة القارية وتفتحت في الخارج. بيد أن المؤرخين أقاموا بينهما العديد من التمييزات المنهجية والمضمونية وأكدوا على الفروق في الاهتمام والتخصص والأساليب المتبعة خدمة لأغراض بيداغوجية توضيحية أو تأكيد لخصوصية فكرية حضارية. إذا كانت الفلسفة القارية تنطلق من أولوية الرؤى والتصورات وتشتغل على مشكلات تاريخية ومنحرفة وتذهب في اتجاه النظر الواسع والمتعمق والشامل وتستخدم الرمز والاستعارة وتبذل جهودا أسلوبية دقيقة وتمارس التأويل فإن الفلسفة التحليلية تمنح الأولوية إلى الحجاج وتعود إلى الإشكاليات في طابعها المباشر وتبحث عن التوضيح والدقة والصرامة والإحكام وتؤثر الصياغة الأدبية وتفتش عن المقاصد الإيتيقية للكلام وتعلن عن أطروحات فلسفية بكاملها في جمل قصيرة وعن نظريات منطقية عبر عبارات مقتضبة.
من جهة أخرى تعرض الفلسفة القارية أطروحة معقدة وفق صورة مكثفة دون استعمال الأمثلة ولا تتمكن من التلفظ بها بصورة وافية إلا نادرا وتطلب من المتلقي أن يقطع المسار التفكيري الذي ذهب فيه المؤلف لكي يقتدر على فهم الأطروحة والإلمام بعناصرها وفحواها واقتحام التأويلات المختلفة التي أعطيت لها والذهاب في اتجاه المشاركة في تطوير صورة الواقع وشكل الحقيقة التاريخية وتستهدف تقديم رؤية شاملة تحدث انقلابا تحرريا في الفكر والواقع ولا تكتفي باقتراح أطروحة واضحة ومحدودة قابلة للبرهنة عليها. أما الفلسفة التحليلية فتنطلق من فكرة بسيطة ساعية إلى إثباتها أو دحضها وتجعل كل عنصر من النظرية بسيطا من خلال الحجاج والبرهنة وتقوم بتوضيحه بشكل محدد والاستدلال عليه بصورة منطقية صارمة. كما تسمح هذه الاستدلالات بنقد الأطروحات المعارضة والرد على الاعتراضات التي تضاد الأطروحة المركزية والغاية من هذا الشغل المنطقي في التوضيح هو جعل الفكرة مقبولة منطقيا ومفهومة بشكل تام. هكذا يتم استدعاء المستمع أو القارئ لكي يقوم بالتثبت والتحري والتدقيق في كل مرحلة من المراحل المنطقية من قيمة الحجج المقدمة حول الأطروحة ويتم التعويل على صلابتها المنطقية ومتانتها الحجاجية وليس على طابعها المفاجئ والأصيل لتبريرها وتسويغها ومنحها القيمة المعرفية والمعقولية اللازمة. والحق أن الفلسفة القارية تتبع النموذج الأدبي للفيلسوف في مرحلة أولى والنموذج التاريخي في مرحلة ثانية وتتعامل معه من حيث هو مؤلف لجمة من الأعمال والآثار من ناحية وتؤكد على حضوره في الواقع وإصداره لمواقف واضطلاعه بمهام في الحياة الاجتماعية ويرافع على أفكار في مواجهة المجتمع وتعتبر الفيلسوف الحقيقي هو الذي يحصل على اعتراف من الجمهور الواسع ومن الوسائط الإعلامية المتعددة. في حين يشترط أن يكون الفيلسوف في المجال القاري مختصا في مجموعة من المشاكل الفلسفية بعينها وأن يتبع نموذجا جامعيا وأن يتخذ لنفسه منهجا صارما ويبحث عن الاعتراف الأكاديمي عبر مناقشة أعماله من طرف نخبة من المختصين دون أن يعمل على تبليغ مؤلفاته إلى جمهور عريض من المتلقين. في الواقع تميزت الفلسفة القارية باهتماماتها المتنوعة حول الميتافيزيقا والمعرفة والأخلاق والفن والعلم والسياسة والقانون والمجتمع ولقد أدى بها هذا التعميم إلى التطابق مع الفلسفة الرسمية للمؤسسة التربوية والفضاءات التعليمية ومخابر البحث في الجامعات والمعاهد والصالونات الثقافية والمنابر الإعلامية. في المقابل تنظر الفلسفة التحليلية إلى الفلسفة القارية على أنها اختصاص فلسفي ضمن بقية الاختصاصات وتعتمد على منهج التحليل المفهومي بشكل أساسي وأولي للقضايا المنطقية ولغة المعرفة العلمية والعادية. لقد اعتبرت فلسفة اللغة المنهج الأساسي للفلسفة التحليلية وتنحدر من الوضعية المنطقية والفلسفة التجريبية وتضم مباحث الفعل والذهن والإيتيقا والحق والواقع والتقنية والديني والدلالة والقصدية والسرد والرمزية33 . بيد أن الفلسفة الخالصة لا يمكنها أن تتقدم برأسين متعارضين القاري والتحليلي ولذلك تجد نفسه في حاجة إلى العمل على توحيد المجهود الفلسفي ضمن مطلب الكوني من خلال بناء جسور رمزية بين المعسكرين. إن التمييز بين الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية يعود له الفضل على الأقل في منج بعض من الترتيب للتفكير في الفلسفة المعاصرة من جهة طرق اشتغالها وأدوات تحليلها ومقاصد مقاربتها وحقول تجريبها. في الواقع يؤدي التفكير المضاد للفلسفة إلى تكريس الاستسلام الفكري ومضاعفة ثقافة الهزيمة ونشر النزعات الهادمة للقيم والذات والنافية لكل إمكانية الحضور والتأثير والتغير للمناهج الفلسفية للواقع الاجتماعي والمكتفية بالتنظير للفكر الضعيف والتبشير بالهشاشة المعرفية والسيولة الحداثية. فكيف تتجه مابعد الفلسفة التي يراهن عليها بعض السفسطة التقنيين إلى الخروج من كل فلسفة؟

الإحالات والهوامش:
[1] Ricœur (Paul), l’anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, édition seuil, Paris, 2014.p144. « Cette crise dans le langage philosophique n’est pas nécessairement malsaine - elle peut même devenir très saine si nous la rattachons à l’ambigüité de l’être même »
[2] Pascal Angel, lien : https://www.youtube.com/watch?v=WiyemQG9ogU&t=139s
[3] ريكور (بول)، الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، طبعة أولى، 2005،صص93-94.
[4] Petit Jean-luc, l’action dans la philosophie analytique, éditions PUF, Paris, 1991,p.07.
[5] Revue Rue Descartes,1-2, 1991, Barnes Jonathan, le soleil de Platon vu avec des lunettes analytiques.
[6] Petit Jean-luc, l’action dans la philosophie analytique, éditions PUF, Paris, 1991, in bibliographie : p356.Ricœur Paul, philosophie de la volonté, le volontaire et l’involontaire, le discours de l’action : le sémantique de l’action, temps et récit, du texte à l’action, à l’école de la phénoménologie, hermeneutics and the human Sciences, essays on language. Action et interpretation.
[7] Engel Pascal, la philosophie peut-elle échapper à l’histoire ?, dans Passés recomposés. La philosophie analytique doit-elle prendre un tournant historique ?, dans Vienne, 1997,
[8] Paul Ricœur, la philosophie du langage aujourd’hui, le symbole et la force des mots, trois conférences au centre des etudes de cartage de Tunis, février 1967.
[9] Dictionnaire de philosophie, Durozoi Gérard et André Roussel, éditions Nathan, Paris, 1987, Terme analyse, p18.
[10] Rossi Jean-Gérard, la philosophie analytique, éditions PUF, Paris, 1989,p03.
[11] Rossi Jean-Gérard, la philosophie analytique, op.cit.p04.
[12] la philosophie analytique, cahiers de royaumont, les éditions de minuit, Paris, 1962.p12
[13] Pragmatisme et pragmatique
[14] la philosophie analytique, op.cit. p139.
[15] Paul Ricœur et la philosophie contemporaine de langue anglaise, lien : https://www.fabula.org/actualites/paul-ricoeur-et-la-philosophie-contemporaine-de-langue-anglaise_55985.php
[16] Wittgenstein (ludwig), les investigations philosophiques, paragraphes 611-660.
[17] Vécu
[18] Austin (J.L), Quand --dir--e, c’est faire, traduction française par G. lane, éditions du Seuil, 1970.
[19] Perelman (Chaïm), logique juridique, nouvelle argumentation, éditions Dalos, Paris, 1976.194pp.
[20] Strawson (Peter Frederick), individuals : an essay in de--script--ive metaphysics,
[21] Ricœur (Paul), l’anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, op.cit.p161.
[22] Analyse eidétique
[23] Husserl (Edmund), Idées --dir--ectrices pour une phénoménologie, I, chap.1. Fait et essence.
[24] Les actes de saisie eidétique
[25] proximité
[26] Ricœur (Paul), l’anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, op.cit.p316
[27] Ricœur (Paul), l’anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, op.cit.p171
[28] Ricœur (Paul), l’anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, op.cit.p160.
[29] ريكور (بول)، الذات عينها كآخر،، مصدر مذكور، ص558
[30] ريكور (بول)، الذات عينها كآخر،، مصدر مذكور، ص578
[31] ريكور (بول)، الذات عينها كآخر، مصدر مذكور، الفصل الخامس: الهوية الشخصية والهوية السردية والفصل السادس الذات والهوية السردية
[32] Ricœur (Paul), le discours de l’action, in la sémantique de l’action, recueil sous la --dir--ection de Dorian Tiffeneau, CNRS editions, 1977, p01. Lien : http://www.fondsricoeur.fr/uploads/medias/doc/cours/le-discours-de-l-action-in-semantique-de-l-action-premier-et-deuxieme-chapitre.pdf
[33] Voir Paul Ricœur, le dernier Wittgenstein et le dernier Husserl sur le langage, Texte inédit d’une conférence prononcée par P. Ricœur aux États-Unis en 1965 ou 1966. La retran--script--ion
et le travail d’annotation ont été réalisés par Marc Antoine Vallée à partir de documents conservés dans les archives du Fonds Ricœur.

المصادر والمراجع:
ريكور (بول)، الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، طبعة أولى، 2005

Ricœur (Paul), l’anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, édition seuil, Paris, 2014.
Pascal Angel, lien : https://www.youtube.com/watch?v=WiyemQG9ogU&t=139s
Petit Jean-luc, l’action dans la philosophie analytique, éditions PUF, Paris, 1991,p.07.
Revue Rue Descartes,1-2, 1991, Barnes Jonathan, le soleil de Platon vu avec des lunettes analytiques.
Petit Jean-luc, l’action dans la philosophie analytique, éditions PUF, Paris, 1991.
Engel Pascal, la philosophie peut-elle échapper à l’histoire ?, dans Passés recomposés. La philosophie analytique doit-elle prendre un tournant historique ?, dans Vienne, 1997,
Dictionnaire de philosophie, Durozoi Gérard et André Roussel, éditions Nathan, Paris, 1987, Terme analyse, p18.
Rossi Jean-Gérard, la philosophie analytique, éditions PUF, Paris, 1989,p03.
la philosophie analytique, cahiers de royaumont, les éditions de minuit, Paris, 1962.p12
Paul Ricœur et la philosophie contemporaine de langue anglaise, lien : https://www.fabula.org/actualites/paul-ricoeur-et-la-philosophie-contemporaine-de-langue-anglaise_55985.php
Ricœur (Paul), le discours de l’action, in la sémantique de l’action, recueil sous la --dir--ection de Dorian Tiffeneau, CNRS editions, 1977, p01. Lien : http://www.fondsricoeur.fr/uploads/medias/doc/cours/le-discours-de-l-action-in-semantique-de-l-action-premier-et-deuxieme-chapitre.pdf
Wittgenstein (ludwig), les investigations philosophiques, paragraphes 611-660.
Austin (J.L), Quand --dir--e, c’est faire, traduction française par G. lane, éditions du Seuil, 1970.
Perelman (Chaïm), logique juridique, nouvelle argumentation, éditions Dalos, Paris, 1976.194pp.
Strawson (Peter Frederick), individuals : an essay in de--script--ive metaphysics,
Husserl (Edmund), Idées --dir--ectrices pour une phénoménologie, I, chap.1. Fait et essence.
Paul Ricœur, le dernier Wittgenstein et le dernier Husserl sur le langage, Texte inédit d’une conférence prononcée par P. Ricœur aux États-Unis en 1965 ou 1966. La retran--script--ion et le travail d’annotation ont été réalisés par Marc Antoine Vallée à partir de documents conservés dans les archives du Fonds Ricœur.

محاضرة قدمت بقاعة الأطروحات في كلية الآداب والعلوم الانسانية بالقيروان، ضمن أنشطة فريق الدراسات والبحوث في المنطق والابستيمولوجيا والفلسفة التحليلية، يوم 7 مارس 2018.