العراق وأمريكا.. مِن مستر كراين إلى بول بريمر

رشيد الخيون
2020 / 3 / 26

لا يهم الميلشيات، التي تسمي نفسها مقاومة، ما يجري بالعراق مِن محن، وآخرها تفشي الوباء الذي يُهدد الشُّعوب، بدول متطورة طبياً، فما بالك العراق. خلال ذلك وجهت صواريخها إلى الأميركان، وردَّ عليها الأميركان، وهكذا تجري معارك كرٍّ وفرٍّ، الغانمة ثمرتها جهة لم تترك مجالاً بالعراق لم تفرض هيمنتها عليه. قبلها دعا مقتدى الصَّدر إلى تظاهرات «مليونيَّة» لجلاء الأميركان، وربَّما السّفارة أيضاً. لم يكن مصطلح «المليونيَّة» قبل (1979) معروفاً، حتى ظهر عنواناً للصلاة المليونيَّة، والمقصود مِن «المليونية»، التي لا تعني المليون الواحد بل الملايين، لتضخيم العدد تعبيراً عن هيبة المناسبة، وإعطاء فكرة عن تأثيرها.
عموماً، الكثرة تعني القُدرة والهيمنة، لذا ترى الإخباريين عندما يتحدثون عن معركة، قد لا يُزيد عدد المتحاربين فيها، مِن الطرفين، على العشرات، يخبرون عنها بمئات الألوف، ولو كان رقم المليون معروفاً لذكروا الرقم بالملايين، ولو كان المليار لذكروها بالمليارية، إنه الإعلام في الأمس واليوم، كلما زدت وهولت بالعدد كرست أهمية الحدث، والأمر ليس عند ذِكر الأرقام بل عند ذِكر الكرامات والتَّقديس، بينما كم مدنسِ في واقع الحال تحول إلى مقدس، وعلى وجه الخصوص في المجال الدِّيني والأيديولوجي.
قُبيل (2003) كان اللوم يقع على أميركا، مِن قبل المعارضة السابقة وسُلطة اليوم، لأنها تركت النِّظام العراقي قائماً(1991)، أما الذين في الداخل فكانوا يشتمون أميركا، مِن على المنابر، وفي صلاة الجمعة المستحدثة بين بعض فقهاء الشِّيعة، بشعار «كلا كلا أميركا»، ومَن هتف ضد الغرب بالكامل، حتى الجاحظ(ت255ه) شُتم ولُصقت به تهمة العمالة لفلاسفة الغرب(كتاب منبر الصَّدر)، بمعنى أن أصحاب المنابر لم يعرفوا ما يقولون، والجمهور يردد «كلا كلا...»، وما زال يهتف، ولولا ظهور شباب الاحتجاجات الواعي لقلنا قُضي أمر العِراق، لكنهم كانوا الصَّدمة التي ستقصر عمرُ الأزمة. يقول الجواهري(ت1997)، في مستهل «الرَّجعيون»(1929): «ستبقى طويلاً هذه الأزماتُ/إذا لم تُقصر عمرها الصَّدماتُ».
جاءت أميركا وأسقطت النِّظام، وحلت عُقد الألسن، فالذي كتب رسالة إلى رئيس النَّظام السابق، ويسميه بالوالد، وعلى صفحات الجرائد، أضافها لهتافه فصار «كلا كلا أميركا كلا كلا صدام»! ليست صلة الحديث بأميركا والعراق، تتوقف على إسقاط النظام، إنما تمتد مِن مستر كراين 1929 إلى بول بريمر(2003-2004).
أعلن الرئيس الأميركي وودرو ولسون(ت1924) حق تقرير المصير، قبل الاستقواء الأميركي، وتقادم الزَّمن على الثَّورة الأميركية(1765-1783)، ونسيان لوعة الاحتلال البريطاني، عندها تقدمت الزَّعامات الشيعية طالبة العون ضد البريطانيين. ففي(13/2/1919) كتب المرجعان محمد تقي الشِّيرازي(ت1920)، وفتح الله الأصفهاني(ت1920) رسالة إلى ولسون: «ابتهجت الشُّعوب جميعها بالغاية المقصودة مِن الاشتراك في هذه الحروب الأوروبية، مِن منح الأمم المظلومة حقوقها، وإفساح المجال لاستمتاعها بالاستقلال حسب الشُّروط المذاعة عندكم، وبما إنكم كنتم صاحب المبدأ في هذا المشروع، مشروع السعادة والسَّلام العام، فلا بد أن تكونوا الملجأ في رفع الموانع عنه»(الوردي، لمحات اجتماعية).
حينها بعث ولسون لجنة للتقصي برئاسة جارلس كراين، لكن البريطانيين رفضوا الطلب. وبعد نحو عشرة أعوام زار كراين بغداد فأقيمت له حفلة استقبال، ألقى فيها الرّصافي(ت1945)«يا محب الشَّرق»: «يا مُحب الشَّرق أهلاً/ بك يا مستر كراين/ مرحباً بالزَّائر المش/ هور في كلِّ المدائن»(الدَّيوان، طبعة 1959). إلا أن القصيدة المدوية التي قالها محمد باقر الشِّبيبي(ت1960) مناشداً المستر كراين: «حقاً تقوم لك البلاد وتقعدُ/وتنشدُ باسمك يا وفيّ وننشدُ»(الهلالي، الشَّاعر الثَّائر)، ومنها: «المستشارُ هو الذي شربَ الطِّلاء/ فعلام يا هذا الوزير تُعربدُ»!
بعد أكثر مِن قرن تغيرت الوجوه والعمائم أيضاً، تغير لا يخلو مِن عِبرة، وتلك واحدة مِن فوائد قراءة التَّاريخ، يوم كان الأميركان يُساعدون في التحرير، وكانت العمائم والأحزاب تطلب صدقاً استقلال البلاد واعمارها، لا تعمل على تبديل احتلال باحتلال أرذل، ولا تطلب كنز المال، ولا غايتها حماية السُّلطة، عمائم اعتمرتها عقول تحركت بأُصول وطنية، والأميركان أيضاً تبدلوا، فذاك كراين وهذا بريمر!