الإرهاب من جديد ؟

عبد اللطيف بن سالم
2020 / 3 / 9

الإرهاب من جديد ؟ :
ليس المهم في أية عملية إرهابية في أنها ناجحة أو فاشلة ،جبانة أو شجاعة لاتقاء شرها وقطع دابرها لكي لا تحدث مرة أخرى إنما المهم في وجوب البحث عما تسبب فيها وقادها إلى غايتها والأهم الأهم معرفة مَن يقف وراءها وفكر فيها وخطط لها .
لقد تحدث الإعلام التونسي كثيرا هذه الأيام عن العملية الإرهابية الأخيرة التي جَدّت قرب السفارة الأمريكية بتونس العاصمة وما سَمعتُ أحدا يُشير إلى بيت الداء ، إلى من هم وراء الإرهاب دائما ،الذين يفكرون والذين يخططون له في بلادنا منذ انطلاق ما سُمي بثورة " الربيع العربي " والذين لا يريدون خيرا بهذا الوطن أبدا ولا يرغبون إلا في تحطيم دولته ليحولوها إلى إمارة أو ولاية إسلامية في نظام خلافة جديدة رشيدية أو عثمانية .
الإرهابيون ليسوا معزولين عن الحراك السياسي في تونس وليسوا معزولين عن التجاذبات السياسية فيها بل هم من صُلبها ومن المشاركين الرئيسيين فيها وما الاختلافات التي تظهر أحيانا بين النواب في مجلس النواب التونسي إلا مظهرا واضحا للحقد الدفين والكراهية والعدوانية التي يملكها هؤلاء الإرهابيون الموجودون في مجلس نوابنا والذين لا يريدون له استقرارا أبدا .
هل نسينا هؤلاء الذين رفعوا أيديهم بما يَرمز إلى " الرابعة " المصرية إشارة إلى أنهم هنا " رغم الداء والأعداء " وسيهددوننا بإرهابهم كلما وجدوا الفرصة لذلك سانحة .
ما دام الدين في صلب الدولة لا يمكن أن ننتظر نجاحا لها أبدا .
لماذا لا نعتبر من التاريخ؟ لم تبدأ أوروبا في التقدم والنجاح في جميع مجالات الحياة بعد ثورتها الشهيرة إلا بعد أن فصلت الدين عن الدولة .
هل لا نزال نجهل أن الإرهاب هو من صنع " الخوانجية " أولاء الذين قال فيهم أحد شيوخ الإسلام الصادقين المعتدلين في الخليج العربي منذ مدة طويلة أنهم" الوباء الذي إن لم نقض عليه قضى علينا جميعا آجلا أو عاجلا " وهل لا نزال نجهل أن الكثير من هؤلاء مشاركون في الحكم الآن في دولتنا ؟ وأنهم لا يريدون الاكتفاء بالمشاركة فقط وإنما يريدون المسك بزمامها بأيديهم كاملا أي يريدون فيها السلطة المطلقة التي لا يشاركهم فيها أحد في انتظار تحويلها إلى إمارة أو ولاية في الخلافة الإسلامية القادمة أو منتظرة الرشيدية منها أو العثمانية .


الحاضنة الشعبية للإرهاب
هذه الكلمة موجهة بالخصوص إلى وزارة التربية
مع كل احترامي وتقديري لها
كيف تتكون الحاضنة الشعبية للإرهاب ؟
كثيرا ما يدور الحديث اليوم عن الحاضنة الشعبية للإرهاب كما لو كانت أمرا واقعا لامحيص عنه في حياتنا في حين أنه قد ورد في كتابه " الكريم " قوله:" إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " فلماذا إذن لا نعمل من الآن على تغيير برامجنا التربوية والتعليمية في جميع المراحل الدراسية حتى نصحّح ما كان خاطئا فيها ونغيّر ما بأنفسنا عسى الله يغير ما بنا ؟
الحاضنة الشعبية هي من صنعنا وتكويننا قصدناها أو لم نقصدها. نبدأ في تكوينها في محاضن الأطفال وروضاتهم بنوع التربية الدينية والثقافية القائمة دائما على تلقين الأطفال العقيدة قبل نضجهم واستعدادهم الكافي لاستيعابهم لها وقبل بلوغهم سن الرشد الضروري والكافي لتكوين معتقداتهم إن كانت لازمة ، هذه هي المسألة التي لا يريد الكثير منا تفهّمها جيدا ويرتكبون بذلك جرائم ضد الطفولة على مرأى ومسمع من خبرائنا وعلمائنا ووزرائنا وحتى من جهاز القضاء والمحامين عندنا ، ثم يستمر المربون والمدرّسون على نفس ذلك النهج في تربيتهم وتكوينهم للنشء في الابتدائي والثانوي وحتى العالي في بعض فروعه . ألسنا نحن إذن الذين نصنع الإرهاب لأنفسنا ما دمنا لا نزال نربي أبناءنا بهذه الطرق الخاطئة ؟ وهل نحن اليوم نحارب "داعش " في الحقيقة أم نحارب أنفسنا ؟ أليس هؤلاء الذين نقاتلهم اليوم في " داعش" وهؤلاء الذين كنا نقاتلهم بالأمس في "القاعدة " هم من أبنائنا وبناتنا الذين ربّيناهم وعلمناهم في بيوتنا ومدارسنا ؟ أم نحن دائما (نغطي عين الشمس بالغربال ) كما يقول المثل الشعبي عندنا ؟ نحن اليوم في الحقيقة نتحارب في ما بيننا بأمر من أمريكا وبتوجيه من " العولمة" عن وعي أو عن غير وعي منا وهذا هو ما انتهت إلى تحقيقه الامبريالية العالمية أخيرا بكل ذكاء باكتشافها لكلمة " الإرهاب " في ثقافتنا والمسجلة عندنا في كتابنا كقنبلة نووية يمكن استعماها ضدنا أو هي أقوى منها " صالحة لتخريب المنطقة العربية والإسلامية بكاملها دونما أية تكلفة منها مثلما اكتشفت في السابق كلمة ال" بروسترويكا " في تطلعات الشعوب السوفياتية آنذاك صالحة أيضا لتفجيرها والقضاء عليها بدون تكلفة من لدنها وقد نجحت في مهمتها تلك خير نجاح كما هي ستنجح في مهمتها الحالية أيضا إن عاجلا أوآجلا ما دُمنا مستسلمين لها ولا نعمل أبدا على تدارك أخطائنا بمراجعة برامجنا التربوية والتعليمية وتحيينها بما يتناسب مع روح العصر ومقتضيات هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا. . وإلا فمن أين تأتي الجماعات المتطرفة والتي قد تُصبح إرهابية لاحقا ؟ أليست هي التي كانت بالأمس نائمة في بيوتنا ، في أحضان أمهاتنا وآبائنا ؟ فكيف إذن تكون المعالجة الحقيقية لهذه الأزمة ؟ ( اقطع الرأس تنشف العروق .) أي لا بد من اجتثاث الإرهاب من جذوره وزرع بذور جديدة في أماكنها أحببنا ذلك أم كرهنا ولو لزم الأمر أن نتخلى على بعض موروثنا . لسنا مجبورين على التمسك بما ضينا إذا لم يعد صالعا . ألسنا نتخلى عن بعض ملابسنا إذا بليت أو أو لم تعد على قياسنا ؟ " إن الحكيم هو من يُغير رأيه كلما اقتضى الأمر ذلك أما الأحمق فهو الذي لا يريد ذلك أبدا "(1)
(1) من أقوال فو لتير الأديب الفرنسي .خ