هل الموت نهاية ام بوابة عبور؟

طوني سماحة
2020 / 2 / 21

لدى امتحان تلامذتي في المرحلة الابتدائية في مادة الكتابة، طلبت منهم إظهار قدراتهم في تدوين مذكراتهم اليومية. كتب معظمهم عن نهاية الاسبوع او عطلة أمضوها مع عائلاتهم في بلد آخر او حتى الاحتفال بعيد ميلادهم. لفتتني كتابات جابر "اسم مستعار"، الصبي البالغ التاسعة من عمره، والذي تخيل نفسه في نهاية حياته يسطر الاحرف الأخيرة من رحلته في الحياة. في الفصل الخامس من كتيبه كتب جابر :
"لقد مات جسدي
لكن روحي تحيا في الارض والسماء،
لست الآن مرئيا،
لكنني سوف احيا وأكون دائما معكم".
توقفت لدقائق اسبر اغوار فكر هذا الطفل الذي كتب بكلمات بسيطة شعرا وفلسفة في العمق. تساءلت عن الاسباب التي دفعت صبيا في عمره الى التطرق لمواضيع اختلف عليها عظماء المفكرين والعلماء والفلاسفة، فيما رفاقه لا يرون في الوجود سوى لعبة او عائلة او مدرسة او اي شيء آخر؟

ليست الابدية حصرا على الاديان التوحيدية. زعم ارسطو ان الكون لا بداية له. وبالتالي يصبح الأزل "المحرك الثابت " (The unmoved mover) بالمصطلح الفلسفي هوالله بالمصطلح الديني. من الملفت للنظر ان مفهوم الابدية ليس حصرا على الديانات لكنه يتخطاه ليشمل الحركات الفكرية الحديثة مثل "الانسانية" ( Humanism) او "الطبيعية" (Naturalism) وهو ما عبر عنه جابر ابن التسع سنوات.

لماذا الاهتمام بالابدية؟ إيمان الانسان بطبيعة الحياة والموت يصوغ فكره ويؤثر على كل تفاصيل حياته بدأ بالفكر والايمان ووصولا الى القيم الاخلاقية والروحية والزمنية. نقلت جريدة التايمز عن ستيف هاكنغ (Steve Hawking) العالم الفيزيائي المتوفى حديثا عن سبع واربعين عاما قوله " لقد عشت حياتي والموت المبكر يلوح لي في الافق منذ سبعة واربعين عاما. لست خائفا من الموت، لكنني لست مسرعا ايضا اليه. لدي الكثير كي انجزه اولا". على الرغم من الحاده القوي، لم يستطع هاكينغ العالم والفيلسوف التخلص كليا من عبء التناقض والتخبط بين عدم الايمان بإله وبين الدليل الدامغ لنظام كوني يستوجب وجود منظم له. كتب هاكينغ في "التاريخ المقتبض للزمن" (The Brief History of Time): لو استطاع الفيزيائي إيجاد نظرية متماسكة تشرح كيفية عمل كل شيء في الكون، لاستطاع النفاذ ليلمح فكر الله. بطبيعة الحال، الله الذي يشير اليه هاكينغ في هذا المقتبس ليس بخالق بل هو غير شخصي او افرادي ( Impersonal)، بعكس ما تشير اليه الديانات التوحيدية.

شأنه شأن كل الملحدين وقف هاكينغ حائرا يحاول في آن معا إثبات عدم وجود الله واستخلاص معنى للحياة، أمران متناقضان وقد يصعب التوفيق بينهما. إن كان الله غير موجود تفقد الحياة معناها. حتى محاولة العثور على معنى للحياة في عدم وجود الله يصبح بلا معنى. عندما يغيب الله من المشهد لا يعود من قيمة لاي شيء، حتى الحياة نفسها تصبح عبثية، وهذا ما عبر عنه ببلاغة رائعة الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو ((Albert Camus في روايته الشهيرة "الغريب" (L’étranger). مرسو (Mersault ) بطل رواية الغريب يحضر جنازة أمه دون ان تبدو عليه علامات الحزن او التأثر. هو انسان فاقد للمشاعر والاحاسيس، يعيش حالة من القرف الفكري والوجودي. ينفصل مرسو عن الواقع حتى انه يذهب للاستجمام والسباحة إثر جنازة والدته وهناك يلتقي امرأة يمارس معها الجنس. يساعد مرسو صديقه ريمون في محاولة استدراج صديقته العربية كيما يمارس ريمون الجنس معها عنوة ويبصق في وجهها. لا يجد مرسو حرجا في اعماله لقاء مساعدة صديقه. يكذب ويشهد الزور في المحكمة في مشهد لا يوحي بأي شعور بالذنب او الاذى. يلتقي مرسو ذات يوم شقيق الفتاة العربية، يحصل تلاسن بينهما ينتهي بقتل مرسو للشاب العربي. في المحكمة يصف المدعي العام مرسو بالوحش والمسخ المجرد من المشاعر والاحاسيس. يطلب انزال اشد العقوبات به. بانتظار عقوبة الاعدام، يمكث مرسو في السجن غير آبه لأي شيء. يحاول كاهن اقتياده لله، فيصرخ مرسو في وجهه محموما ان فكرة الله مضيعة للوقت وان الحرية والقيم والحياة عبثية في طبيعتها.

بين حيرة هاكينغ وعبثية كامو يبرز فكرا وجوديا آخر، وهذا هو ما عبر عنه جابر ابن التسع السنوات، أن الانسان يموت لكنه لا ينتهي اذ انه يستمر حيا في الدود الذي ينهشه ويعيده الى الارض مادة غذائية يستفيد منها النبات والشجر الذي يموت بدوره ليكمل مسيرة ودورة الحياة موتا وولادة (ولادة غير مباشرة وذلك للتمييز بينها وبين نظرية التقمص).

يبدو ان فكرة الموت تخيف الانسان وان الابدية مزروعة في قلبه، وهذا هو ما عبر عنه الكتاب المقدس في سفر الجامعة 3: 11 "صَنَعَ الْكُلَّ حَسَنًا فِي وَقْتِهِ، وَأَيْضًا جَعَلَ الأَبَدِيَّةَ فِي قَلْبِهِمِ، الَّتِي بِلاَهَا لاَ يُدْرِكُ الإِنْسَانُ الْعَمَلَ الَّذِي يَعْمَلُهُ اللهُ مِنَ الْبِدَايَةِ إِلَى النِّهَايَةِ". الموت هو عدو الانسان الاول، وان كان الانسان يحاول التملص منه من خلال الايمان بان الكون ازلي وان الكائنات كافة تحيا وان ماتت فهي تنتقل الى نمط حياة مختلف . لن أدعي كمؤمن اني استطيع اثبات وجود الله مخبريا، لان الله بحسب مفهوم الكتاب المقدس ليس ذرات وخلايا ومواد عضوية تخضع لقوانين الطبيعة. على الصعيد نفسه، اعرف ان الملحد ايضا لا يستطيع اثبات عدم وجود لله مخبريا. لكن الفرق بيني وبين الملحد انني كمؤمن امتلك اختبارا روحيا وفكريا وفسلفيا وادبيا يعطي معنى لحياتي وانتصارا على الموت. ايماني بالحياة الابدية ينبع مع الفكر المنطقي الذي يحتم وجود خالق ازلي يضع نظاما في كون يستحيل انتظامه ما لم يكن وراءه منظم. لكن هناك ما هو اكثر من ذلك. انا اؤمن ان القيم الاخلاقية التي نتفق جميعا عليها (عدم اباحة القتل والسرقة والاساءة الخ) مصدرها الله وليست متقلبة حسب الثقافات والعصور والتاريخ كما انها ليست خاضعة لنظام التطور الذي لا نسطيع ان نثق به في تبرير الحس الاخلاقي لدي الانسان خاصة انه مادة ويقوم على مبدا ان البقاء للاقوى.

ان كنا كبشر في القرن الواحد والعشرين نؤمن بالعطاء والتضحية والخدمة والتواضع واللطف وقبول الآخر، دعونا نتذكر ان هذه القيم ليست وليدة الثقافة المعاصرة بل هي متجزرة في الفكر المسيحي حتى العمق. يبقى المسيح اقوى تجسد لهذه الصفات، ففيه التضحية المطلقة (الموت للتكفير عن الخطايا) والعطاء اللامتناهي (بذل الذات من اجل الآخر) ومبدأ خدمة الآخر(غسل أرجل التلاميذ) وقبول الآخر (المرأة السامرية والسامري الصالح) والتواضع (الله الظاهر في الجسد).

الانسانية الحديثة والطبيعية الحديثة (Humanism/Naturalism ) تعلمان ذات تعليم المسيحية مع فرق وحيد انهما تختزلان الله بالطبيعة وهذا ما اشار اليه ارسطو. حسب الانسانية والطبيعية يموت الانسان، يتحلل، تأكله الجراثيم والديدان وتعيده حيا في نبتة صغير. أما المسيحية فتعلم ان الانسان يموت لكنه لا يفنى. الموت هو حالة انتقال من جسد مادي الى آخر روحي. نقرأ في رسالة بولس الى اهل كورنثوس 15 "
٥١ هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، ٥٢ فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ. ٥٣ لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ. ٥٤ وَمَتَى لَبِسَ هذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ، وَلَبِسَ هذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ:«ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ"

. في عالم التطور الغلبة للأقوى أما في عالم الروح فالبقاء للبار كما ورد في رسالة غلاطية 6: 8 "لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَادًا، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً." ويقول يوحنا "وَهذَا هُوَ الْوَعْدُ الَّذِي وَعَدَنَا هُوَ بِهِ: الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ." وعن نوعية هذه الحياة الابدية يكمل يوحنا في سفر الرؤيا " مِنْ أَجْلِ ذلِكَ هُمْ (المبررون بدم المسيح) أَمَامَ عَرْشِ اللهِ، وَيَخْدِمُونَهُ نَهَارًا وَلَيْلاً فِي هَيْكَلِهِ، وَالْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ يَحِلُّ فَوْقَهُمْ. ١٦ لَنْ يَجُوعُوا بَعْدُ، وَلَنْ يَعْطَشُوا بَعْدُ، وَلاَ تَقَعُ عَلَيْهِمِ الشَّمْسُ وَلاَ شَيْءٌ مِنَ الْحَرِّ، ١٧ لأَنَّ الْخَرُوفَ الَّذِي فِي وَسَطِ الْعَرْشِ يَرْعَاهُمْ، وَيَقْتَادُهُمْ إِلَى يَنَابِيعِ مَاءٍ حَيَّةٍ، وَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ".

الموت حقيقة والحياة حقيقة. بين اختزال الحياة بفترة زمنية لا تتجاوز المائة عاما في احسن حالاتها وبين افتراض ان الموت والفناء هما الحقيقة الابدية الوحيدة والثابتة أنا أختار الحياة. وهذا ما أكد عليه جابر ابن التسع سنوات، حين أكد وجزم بحسه وبغريزته أنه يرفض الموت كحالة ثابتة ويتمسك بالحياة، فكتب:
"لقد مات جسدي
لكن روحي تحيا في الارض والسماء،
لست الآن مرئيا،
لكنني سوف احيا وأكون دائما معكم".