بين الثورة والاصلاح

اسماعيل شاكر الرفاعي
2020 / 2 / 21

الاصلاح نشاط سياسي هدفه : ليس الاطاحة بالنظام السياسي وتغيير استراتيجيته واهدافه العليا بل تغيير عمل آليات اشتغال النظام ، وتحسين كفاءتها والارتفاع بانتاجيتها ، فهي محاولة من داخل النظام للأبقاء على النظام وابعاد شبح الغضب الشعبي ، وقطع الطريق على تحول الشعار المطلبي ، الذي تبدأ به عادة كل ثورة ، الى شعار سياسي …

الثورة محاولة ( اذ لا ضمانة في نجاح الثورات ) في التمرد على قوانين وتشريعات السلطة السياسية القائمة : الداعية الى الانضباط وطاعة التعليمات الصادرة التي بطاعتها يتم التعبير الامثل عن الانسجام مع الكون والحياة ، واذ تكسر الثورة هذه القوانين فانما لتدعو الى ايجاد تشريعات تحل محلها ، تصدح بها حنجرة الثوار منذ ساعات الثورة الاولى ، وفي هذا يكمن الفارق الضخم بين الثورة والاصلاح . لا تنطلق تشريعات الاصلاح من فلسفة تغيير الحقوق ، وانما من فلسفة تغيير الاشخاص لكي تكون منسجمة مع نفسها في تصوراتها التي ترى بان حل الازمات والتحديات يكمن في تغيير المسؤول الحكومي وليس في تغيير الظروف المحيطة ، في الوقت الذي تركز فيه الثورات على تغيير الظروف اولاً والاتيان بالمسؤول الحكومي الذي يؤمن بمثل هذا الحل كما حدث مثلاً مع الاصلاح الزراعي الذي نقل حق ملكية الارض من الاقطاعي الى الفلاح … ذ ان كل القوانين والتشريعات محكومة بالمنظومة الفكرية للسلطة او للثورة وتصدر عنها . ففي العراق مثلاً تتحكم الرؤية الاسلامية بالقانون الاساسي الذي هو الدستور فلا يستطيع البرلمان مثلاً اصدار اي تشريع او قانون يتعارض مع الشريعة الاسلامية …

تصنع الثورة اعرافها وتقاليدها الخاصة : من مثل استبدال الثوار لسلطة الاب والعشيرة بسلطة الثورة ، والتطوع في نشاط لوجستي لتوفير احتياجات الثوار المعتصمين من اجل ديمومة وهج الثورة ، وهذا ما لم يحصل مع الاصلاح الذي يبقى في احسن احواله فعلاً بيروقراطياً فوقياً للطبقة السياسية نفسها . كما وتعمل الثورة على امتلاك صوتها الخاص المعبر عن وجود مستقل ، تفسر به الثورة افعالها ومبادراتها وما هي عازمة على تحقيقه : لتهيئة النفوس والعقول لما ستقدم عليه من قرارات ، في حين لا يمتلك الاصلاح صوته الخاص ولا قانونه الخاص الذي يستقل به عن رأي الحكومة في كيفية تحقيق الاصلاح واعتقد ان ليس للثورة حلفاء في وسط الاسلام السياسي الشيعي والسني على السواء . فبعد اان كشف الصدر عن اوراقه والتحق بقوى الثورة المضادة التي تقودها ايران ، فان رئيس الوزراء الجديد لا يقل عن ايران ومقتدى الصدر استعداداً في الهجوم على الثورة وافتراسها . انه لا يقل عنهما سباحة في الاوهام ، وربما لهذا السبب بالذات : سبب الغرق في اوهام المقاومة منحاه تأييدهما ، وهذا ما يشير الى ان موقف الثوار في رفض ترشيح علاوي الى رئاسة الوزراء صحيح، ولكن هذا الموقف سيتسبب بتوتير العلاقة بالمرجعية المؤيدة لهذا الترشيح مما سيسهل من تغول رئيس الوزراء الجديد وتوحشه وعلو صوته بالنباح …