الناسخ والمنسوخ في التوراة

سامي الذيب
2020 / 2 / 21

ظاهرة النسخ معروفة في اليهودية
نقرأ في العهد القديم أن الزواج مع الأقارب كان مسموحًا به ثم مُنع. فمثلًا
- كان الزواج بين الإخوة والأخوات مسموحًا قبل موسى كما يبينه زواج إبراهيم من سارة أخته من أبيه (تكوين 20: 10-12)
ولكنه مُنع لاحقًا (لاويين 18: 9)
وأصبح معاقبًا عليه بالإعدام (لاويين 20: 17).
- تزوج يعقوب شقيقتين هما ليا وراحيل (تكوين 29: 21-30)
ثم مُنع مثل هذا الزواج (لاويين 18: 18)
- عمران والد موسى تزوج من عمته (خروج 6: 20)
ثم مُنع مثل هذا الزواج (لاويين 18: 12 و 14).
- أخبر الله نوحًا وأولاده: "وكُلُّ حَيٍّ يَدِبُّ يَكونُ لكم مَأكَلًا" (تكوين 9: 3).
ثم قيد الله الأكل ببعض الحيوانات دون غيرها (مثلًا لاويين الفصل 11).
- أمر الله إبراهيم بتقديم ابنه محرقة (تكوين 22: 2) ثم تراجع عن أمره (تكوين 22: 12).
- أمر الله نوحًا "ومن كل حي من كل ذي جسد آثنين من كل تدخل السفينة لتحفظ حية معك، ذكرا وأنثى تكون: من الطيور بأصنافها ومن البهائم بأصنافها ومن جميع الحيوانات التي تدب على الأرض بأصنافها يدخل إليك اثنان من كل لتحفظ حية" (تكوين 6: 19-20)، ولكن في الفصل التالي نقرأ: "وتأخذ من جميع البهائم الطاهرة سبعة سبعة، ذكورا وإناثا، ومن البهائم غير الطاهرة اثنين، ذكرا وأنثى. وتأخذ أيضا من طيور السماء سبعة سبعة، ذكورا وإناثا، لحفظ نسلها حيا على وجه الأرض كلها" (تكوين 7: 2-3).
- في سفر العدد نقرأ: " من ابن ثلاثين سنة فصاعدا إلى ابن خمسين سنة، كل من يدخل الجيش ليعمل في خيمة الموعد" (4: 3). ولكن في الفصل الثامن نقرأ: " من ابن ثلاثين سنة فصاعدا إلى ابن خمسين سنة، كل من يدخل الجيش ليعمل في خيمة الموعد" (8: 24).
- يسن سفر اللاويين في الفصل 4 على ذبيحة الكفارة عجلا، بينما سفر العدد في الفصل 15 يسن على على ذبيحة الكفارة كبشًا أو عجلًا.
.
والتيار اليهودي الرافض لفكرة النسخ يتمسك بحرفيته. فهذا التيار يرى أن الكتب المقدّسة هي التي تقرّر ما هو شر وما هو خير وهي التي يجب أن يتّبعها الإنسان. فالله هو المشرّع الذي يسن ما يجب على المرء عمله أو تفادية. وأحكام التوراة كلّها بارة ومن يخالفها يتعرّض لعواقب خطيرة. فسفر تثنية الاشتراع يقول:
"والآن يا إسرائيل، اسمع الفرائض والأحكام التي أعلمكم إيّاها لتعملوا بها، لكي تحيوا وترثوا الأرض التي يعطيكم الرب إله آبائكم إيّاها. لا تزيدوا كلمة على ما آمركم به ولا تنقصوا منه، حافظين وصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها. إن عيونكم قد رأت ما صنع الرب ببعل فغور، فإن كل من سار وراء بعل فغور أباده الرب من وسطكم. وأمّا أنتم المتعلّقون بالرب إلهكم، فكلكم أحياء اليوم. أنظر: إني قد علمتكم فرائض وأحكاماً كما أمرني الرب إلهي، لتعملوا بها في وسط الأرض التي أنتم داخلون إليها لترثوها. فأحفظوها وأعملوا بها، فإنها حِكمتكم وفهمكم أمام عيون الشعوب التي، إذا سمعت بهذه الفرائض، تقول: لا شك أن هذه الأمّة العظيمة هي شعب حكيم فهيم. لأنه أيّة أمّة عظيمة لها آلهة قريبة منها كالرب إلهنا في كل ما ندعوه؟ وأيّة أمّة عظيمة لها فرائض وأحكام بارة ككل هذه الشريعة التي أضعها اليوم أمامك؟" (تثنية 1: 4-8).
يقول ابن ميمون، أكبر لاهوتي وفيلسوف يهودي، أن أوامر الكتب المقدّسة اليهوديّة أوامر أبديّة ولا يحق لأحد أن يغيّرها وكل من تخوّل له نفسه أن يغيّرها أو يلغيها أو يفسّرها بخلاف ما فسّرت به سابقاً يجب قتله خنقاً لأنه كذّب الله الذي يقول في آياته: "بكل ما أنا آمركم به تحرسون أن تعملوه، لا تزد عليه ولا تنقص منه" (تثنية 1: 13)؛ "الخفايا للرب إلهنا، والمعلنات لنا ولبنينا للأبد، لكي نعمل بجميع كلمات هذه الشريعة" (تثنية 28: 29)؛ "فريضة أبديّة مدى أجيالكم في جميع مساكنكم" (الأحبار 24: 23) .
.
نتيجة لهذا التفكير، لا يرى هذا التيار التمسك بتعاليم توراتية لم تعد تتماشى مع حقوق الإنسان. فالفكر النازي الألماني الذي استند على الفكر النازي اليهودي وجد له ممثلا أمينا في الحاخام مائير كهانا الذي قد قد مشروع قانون للكنيست في أيلول من عام 1984. وقد وزّع عضو الكنيست المحافظ ميخائيل إيتان ورقة تقارن بين نصوص ذاك المشروع وبين القوانين النازية المذكورة أعلاه. وهذا هو نص اقتراح الحاخام مائير كهانا:
- لا يحق لغير اليهود أن يسكنوا قي مدينة القدس.
- ليس لغير اليهود حقوق قوميَّة، ولا مشاركة لهم في الحياة السّياسيَّة وسط دولة إسرائيل. ولا يحق تعيين أي شخص غير يهودي في أيِّ منصب له سلطة أو مشاركته في انتخابات الكنيست أو في أيِّ جهاز حكومي أو عام.
- يُحظَّر على اليهود المواطنين أو المقيمين في إسرائيل، رجالاً ونساءً، أنْ يتزوَّجوا من غير يهود داخل أو خارج إسرائيل، ومثل تلك الزّيجات المختلطة لا يعترف بها القانون.
- هناك فصل تامٌّ مطلق بين المُؤسَّسات التّعليميَّة اليهوديَّة وغير اليهوديَّة.
- يُحظَّر العلاقات الجنسيَّة كاملة أم جزئيَّة بين مواطنين يهود، رجالاً ونساءً، وبين غير يهود. وهذا يتضمَّن العلاقات الجنسية التي هي خارج نطاق الزّواج. وسوف تُعاقَب الخروقات بسنتَيْ سجن.
- إذا أقام شخص غير يهودي علاقات جنسيَّة مع عاهرة يهوديَّة، أو مع ذَكَر يهودي، فيعاقب بالسجن لمدة خمس سنوات. وإذا أقامت عاهرة يهوديَّة أو عاهر يهودي ذَكَر علاقات مع رجل غير يهودي، فيعاقب كل منهما بالسجن لمدة خمس سنوات.
- تُلغى كُلُّ مُخيَّمات العطل وكُلُّ النّشاطات الأخرى المختلطة بين يهود وعرب. وتُلغى كُلُّ برامج الزّيارات بين طُلاَّب يهود وطُلاَّب عرب في قراهم أو بيوتهم. وتُمنع الرّحلات إلى الخارج التي يكون فيها طفل يهودي ضيفاً على عائلة غير يهوديَّة، كما تُمنع زيارات غير اليهود المماثلة إلى إسرائيل
- يجب إقامة شواطئ لغير اليهود منفصلة عن شواطئ اليهود .
.
وآراء الحاخام كهانا لم تنبع من فراغ ولم يقم هو باختراعها، بل استقاها من تعاليم التوراة والتلمود ولها صدى في التعليم الديني في إسرائيل. وقد أجرى هاركابي، أستاذ العلاقات الدّوليَّة في الجامعة العبريَّة في القدس، تحليلاً مُفصَّلاً لإيديولوجيَّة القوميَّة الدِّينيَّة اليهوديَّة التي ينتمي إليها كهانا . بالنّسبة لهذا التَّيَّار فإنَّ مُجرَّد وجود العرب على أرض إسرائيل يجعل منهم مجرمين. يجب إذاً طردهم، أو حتَّى إبادتهم. ويذكر هاركابي أن عدَّة حاخامات إسرائيليِّيْن يؤمنون بأن التّوراة تأمر بسلب حقوق كُلِّ سُكَّان أرض إسرائيل واستبدالهم بيهود. بحسب هؤلاء الحاخامات لا يحق لأي غير يهودي أنْ يقيم في القدس أو حتى على أرض إسرائيل، وإنَّ الإبقاء على غير اليهود داخل أرض إسرائيل هو تدنيس لاسم الله. وهم يشبهون العرب بالعماليق الذين يجب على اليهود محي ذكرهم من تحت السماء، حسب أمر يهوه في سفر تثنية الإشتراع الذي يقول:
إذا أراحك الرب إلهك من جميع أعدائك الذين حواليك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك إياها ميراثاً لترثها، فامح ذكر عماليق من تحت السماء. لا تنس (الفصل 25، الآية 19).
أمَّا الحاخام إسرائيل هيس، وهو مُرشد الحَرَم الجامعي في جامعة بارإيلان في تل أبيب فقد نشر مقالة في مجلَّة الطُّلاَّب وعَنْوَنَهَا: "وصيَّة الإبادة الجماعيَّة في التّوراة"، ويقول فيها إنَّه سوف يأتي زمن يصبح فيه اليهود مدعوِّين لإتمام هذه الوصيَّة الإلهيَّة بتدمير عماليق. تستثني هذه الوصيَّة أيَّ رحمة، وتأمر بقتل وتدمير حتَّى الأطفال والرُّضَّع. ويستشهد هذا الحاخام بأقوال موسى ابن ميمون ليُؤكِّد أنَّ عمليَّة قتل غير اليهودي لا تخالف الوصيَّة القائلة: "لا تقتل" .
.
وقد نشرت الصحف الإسرائيلية أن حاخامات في كلية "بني دافيد" الدينية يشيدون بفكر هتلر وينادون إلى استرقاق العرب. ففي سلسلة تسجيلات نشرتها القناة 13 يوم الإثنين، يمكن سماع الحاخام العيزر كاشتئيل Eliezer Kashtiel، مدير كلية بني دافيد في مستوطنة ايلي، ينادي الى استعباد غير اليهود "الأغبياء والعنيفين" بسبب دونيتهم الوراثية ويشكوا من الغاء الرق.
"الأغيار يريدون أن يكونوا عبيدنا. أن تكون عبدا ليهودي هو الأفضل. يجب أن يكونوا عبيدًا وانهم سعيدون بكونهم عبيد، انهم يريدون أن يكونوا عبيدا"، قال خلال درس في أحد الفيديوهات. "بدلا من مجرد أن يمشوا في الشوارع وأن يكونوا اغبياء وعنيفين وان يؤذوا بعضهم البعض، عندما يكونوا عبيد، يمكن تبدأ حياتهم اتخاذ شكلا آخرا".
وفي المحاضرة، يتابع كاشتئيل باحتضان العنصرية ضد غير اليهود.
"نعم، نحن عنصريون. نحن نؤمن بالعنصرية… هناك عروق في العالم والشعوب لديةا ميزات وراثية، وهذا يتطلب منا مساعدتهم"، وقال. "اليهود هم عرق انجح".
ويشيد الحاخام غيورا ردلر Giora Radler، الذي يعلم في كلية قبل عسكرية في مستوطنة ايلي بالضفة الغربية بفكر هتلر خلال درس حول المحرقة.
"دعونا نبدأ بإن كان هتلر على حق أم لا"، قال لطلابه. "كان هتلر أكثر شخصًا على حق في التاريخ، وكان محقا بكل كلمة قالها، لكنه كان في الطرف الخاطئ".
ويتابع ردلر بالقول بأن التعددية هي الإبادة "الحقيقية" التي تنفذ بحق الشعب اليهودي، وليس الحل النهائي التابع لألمانيا النازية.
"المحرقة الحقيقية لم تكن عندما قتلوا اليهود… كل هذه الحجج – إن كانت فكرية أو منهجية – هي هراء"، وأضاف: "الفكر الانساني، وثقافة نحن نؤمن بالانسان العلمانية، هذه هي المحرقة".
وقد علق ناقد يهودي
ما سمعناه هنا ليس زلة لسان: "لقد تكررت هذه العبارات لسنوات في بني ديفيد. ليست زلة لسان، ولكن أجندة محددة ". وبني ديفيد ليست جزيرة معزولة. قصة مماثلة لمعلم الإبادة الجماعية لقوات الأمن هو الحاخام Dov Lior من مستوطنة كريات أربع والذي يدعو إلى قتل أطفال غير يهود "إذ من الواضح أنهم سوف ينمو ليؤذينا ". قام ليئور بتدريس قوات الشرطة في برنامج خاص للمتطوعين الدينيين يسمى "المؤمنون في الشرطة". وقد وصف المحرقة كعقاب إلهي للخطاة الحاخام السابق عوفاديا يوسف Ovadia Yosef، الذي اعتقد أيضًا أن الغرض من غير اليهود هو خدمة اليهود، وشبه غير اليهود بالحمير .