التعصب الرياضي من منظور علم الإجتماع الرياضي

أيمن محمد أبو الخير
2020 / 2 / 21

التعصب الرياضي من منظور علم الإجتماع الرياضي:
علم الاجتماع الرياضيهو الانضباط الفرعي لعلم الاجتماع الذي يركز على الرياضة والظواهر الاجتماعية، وهو مجال دراسة يتعلق بمختلف الهياكل الاجتماعية والثقافية، والأنماط، والمنظمات أو المجموعات المعنية بالرياضة، وهناك العديد من وجهات النظر التي من خلالها الرياضة التي يمكن أن ينظر إليها، لذلك في كثير من الأحيان يتم التأكيد على بعض الانقسامات الثنائية، مثل: (المهنية مقابل الهواة، كتلة مقابل المستوى الأعلى، الرجال مقابل النساء، الرياضة مقابل اللعب)، فالرياضة أحيانا هي أنشطة متنازع عليها، أي الأنشطة في مركز اهتمامات الأشخاص والجماعات المختلفة (صلة الرياضة ونوع الجنس، ووسائط الإعلام الجماهيري، والسياسة الحكومية).
وفي هذا الصدد، يقول ادواردز (Edwards) هو الدراسة العلمية للبناء والتركيب الاجتماعي والعمليات الاجتماعية في عالم الرياضة، وهو بذلك يمثل تطبيقات للموضوعات الاجتماعية وخصوصا هذا التركيب الاجتماعي والعمليات الاجتماعية لهذه المؤسسة لتحليل الرياضة كعنصر وكنظام اجتماعي في المجتمع).
كما أصبحت الرياضة في العصر الحاضر ظاهرة حضارية لها تأثيرها الفعال ومداها الواسع وتعقيداتها، ولذلك فقد أصبحت أيضا ظاهرة اجتماعية تخدم التربية والاقتصاد والفن والسياسة ووسائل الاتصال والعلاقات الدولية، بل إنّ مداها أكثر من ذلك، فكل فرد أصبح مهتما بشكل أو بآخر بالرياضة، وأنها على الرغم من ذلك لم تجد الاهتمام والدرجة الكافية من الدراسة، وبالشكل الذي تستحق.
فقد أصبحت الرياضة جزءاً لا يتجزأ من حياة الشعوب، فهي مظهر من مظاهر تقدم المجتمعات، ومتعة تسمو بها النفوس، وتعمل على نشر الأخلاق الحميدة والقيم الفاضلة، وتهذب النفس وتوجه السلوك، من إيجابياتها التنافس الشريف، ومن سلبياتها التعصب الرياضي.
ويعتبر التعصب الرياضي من الموضوعات الهامة في علم النفس الاجتماعي ويرتبط بموضوع الاتجاه وموضوع القيم بدرجة كبيرة، والتعصب أو التميز العنصري هو توجيه عبارات أو القيام بأعمال مفادها عدم تقبل أفراد الجماعات العرقية الأخرى، سواء كانت هذه الأعراق بيولوجية في مضمونها أو أنها من نفس الثقافة، وهذه الظاهرة السلبية، لها العديد من الأخطار، فهي تحول الأفراح إلى أتراح، وتنشر الفتنة والبغضاء في المجتمع، ناهيك عن إشعال الحروب بين الدول، كما حدث بين الجارتين هندوراس والسلفادور عام 1970، بعد مباراتهما بتصفيات كأس العالم، كما لها أيضاً أضرار صحية على الفرد، مثل ارتفاع ضغط الدم والأزمات القلبية والجلطات الدماغية.
فالتعصب الرياضي هو إتجاه نفسي مشحون إنفعالياً نحو أو ضد لاعب أو فريق أو هيئة رياضية معينة، وغالباً ما يتحكم فيه الشعور والميول لا العقل، ويشكل التعصب الرياضي خطورة كبيرة على حياة الفرد والمجتمع إذ يصيب المجتمع بالخلل ويعيقه عن أداء وظائفه الإجتماعية والتربوية والثقافية الأساسية إذا ما إتسعت مساحة هذا السلوك المرفوض الذي يتنافى مع قواعد الضبط الإجتماعي والقيم الأخلاقية من جهة، ويسهم في ظهور أنماط من السلوك والعلاقات غير السوية بين الأفراد والأسرة الواحدة عند تبنيها لإتجاهات مختلفة، نظراً لما للتعصب الرياضي من أثر على أفراد الأسرة الواحدة وتبعاته الخطيرة من الناحية الإجتماعية والنفسية والأمنية والصحية.
في حين هناك مجموعة من الخصائص العامة التي تميز الفرد المتعصب بغض النظر عن نوعية التعصب، ومنها الإنفعالية الزائدة والإنغلاق الفكري والعدوان الشديد والإستئثار بالحديث واللجوء إلى الصوت المرتفع، والرغبة في السيطرة على الحديث والحساسية المفرطة وتشوش الأفكار، هذا وتتضمن الجوانب المعرفية للإتجاهات التعصبية الرياضية، والإعتقاد بأن النادي أو الفريق المعين أفضل من سائر الأندية الأخرى وأن لاعبيه ذو مهارات فنية تفوق مثيلتها الموجودة لدى لاعبي الأندية الأخرى، وعدم القدرة على إخفاء التعبيرات الحماسية أثناء مشاهدة المباريات والشعور بمشاعر الكراهية نحو بعض النجوم البارزين في الأندية الأخرى، كما تتضمن الجوانب السلوكية للتعصب الرياضي في حرق أعلام الفريق المنافس، وسب وقذف بين الجماهير والدعاء على الفريق المنافس والشجار والعراك، إضافة إلى المسيرات والتظاهرات المنددة بالفريق المنافس وأخيرا تخريب وإفساد المتاجر، والمكاتب والمصالح العامة.
ومن العوامل المؤدية إلى التعصب الرياضي:
- قلة الوعي الرياضي للفرد المتعصب رياضيا لفريق رياضي ما.
- عدم تحكيم العقل عند أي تصرف لعدم الإلمام الكافي بالمعاني الحقيقية للتنافس الرياضي الشريف.
- حب الذات (الأنانية) والتي لا تقبل استقبال النقد او الاستماع لوجهات نظر الآخرين.
- تقديم المصلحة الخاصة للمتعصب رياضيا على المصلحة العامة وهي مصلحة الوطن.
- عدم الإيمان الكامل بأن الرياضة وسيلة لإسعاد الناس وليس لزرع الأحقاد بينهم.
- لا يعرف المتعصب رياضياً بأن الرياضة وسيلة لتكوين العلاقات المتينة بين الرياضيين مما يحقق الأهداف النبيلة للتنافس الرياضي الشريف.
والصادم فعلا أن تتحوّل الرياضة بكافة أشكالها وخاصة كرة القدم من لعبة مسلية ذات بعد تثقيفي وحضاري وأداة من أدوات التلاقح الحضاري والانصهار الإيجابي بين الأمم والشعوب، إلى مدعاة للكراهية والتلاسن المقيت بألفاظ نابية من التجريح والشتم، حيث من المفروض أن تكون مقابلة النهائي في أي مسابقة محلية أو إقليمية أو قارية أو عالمية، عرسا كرويا، يحمل إلى جانب التسلية والترفيه فيه بعداً تثقيفيا يسمو بقيم التسامح والتحابب والتآخي من منطلق إنساني بحت، لا دخل للحسابات السياسية أو الفكرية أو العقائدية أو الأيديولوجية فيه.
ولكن للأسف الشديد أضحت هذه اللقاءات الرياضية مناسبات لبث الحقد والضغينة والشتم والتجريح من خلال توظيف ذلك بطريقة متعصبة لفريق أو شعب أو أمة أو سياسة أو أيديولوجيا، ما جعل هذا الصراع المحموم بوسائل التواصل الاجتماعي التي سهّلت انتشار التلاسن الفيسبوكي، والذي يتطور في تصاعد سريع ليمسّ بجوهر النقاش والجدال والحوار المبني على الاحترام المتبادل رغم اختلاف الرؤى والميولات.
كما أن هناك العديد من الأسباب التي قد تؤدي إلى نشوء حالة من التعصب الرياضي عند الأفراد، وأهم هذه الأسباب هي:
1- الأسباب المُتعلِّقة بالجمهور الرياضي:
- التصرُّفات التي تسيء إلى رابطة الجماهير في الأندية.
- تنشئة الأطفال على التعلُّق بنادٍ مُعيَّن.
- الأنانيّة، وعدم قبول الرأي الآخر، أو تقبُّل النقد الإيجابي.
- نقص الثقافة الرياضية لدى العديد من المُشجِّعين.
- قلة وجود القدوة من الإداريّين والرياضيّين في الأندية.
- حب إيذاء الآخرين، واستغلال اللقاءات الرياضية لتحقيق ذلك.
2- الأسباب المُتعلِّقة بالحالة النفسية والصحية: حيث تؤدي الضغوطات التي يتعرَّض لها الفرد من قِبل المجتمع، والأصدقاء، والأسرة، إلى ممارسة مظاهر لفت الانتباه، والتصرفات الخاطئة التي قد يشعر بأنّها نوع من التنفيس.
3- الأسباب المُتعلِّقة بوسائل الإعلام: فقد تزيد وسائل الإعلام المختلفة: المقروءة، والمسموعة، والمرئيّة حدّة التعصُّب الرياضي، من خلال التحيُّز لإحدى الفِرق الرياضيّة، أو التقصير في دورها بغَرْس مبادئ الأخلاق الرياضية بين الجماهير.
4- الأسباب المُتعلِّقة بالكيانات الرياضية: عدم تحقيق بعض الأندية للانتصارات والبطولات. عدم أداء واجب التوعية. إصدار التصريحات الاستفزازية من قِبل المسؤولين في الأندية، واتّحادات الكُرة، ولجان التحكيم. تقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. وجود صراع تنظيمي في الأندية، والاتّحادات الرياضية. عدم الإلمام الكافي بالمعاني الحقيقية للتنافس الرياضي الشريف. عدم التمتُّع بصفة الروح الرياضية لتقبُّل الخسارة. عدم كفاءة جهاز التحكيم الرياضي.
والمفروض أن لعبة كرة القدم أو أي رياضة أخرى، جسدية كانت أو فكرية، مظهر ثقافي يضطلع بمهام ترفيهية وتثقيفية صلب العائلة والمجتمع، ولكن -بفعل التعصب- يقع الانحراف عن هذا الهدف السامي فتنحرف بذلك المنظومة الأخلاقية برمتها، فيصبح من الصعب على من لم يتعوّد سماع الألفاظ النابية والسلوكيات الشاذة والعنف أن يسمح لنفسه أو لأحد أفراد عائلته بالذهاب إلى الملاعب والتمتع بمشاهدة مقابلات في كرة القدم.
أساليب التعامل مع التعصب الرياضي:
هناك أساليب للتعامل مع المتعصب الرياضي، والتي يمكن من خلالها التقليل من حدّة التعصُّب عند الأشخاص المُتعصبين من خلال اتّباع الأساليب الآتية:
1- الإصغاء إليهم، والاستماع إلى ما يريدون التحدث حوله، بهدف امتصاص غضبهم وانفعالهم.
2- التحلّي بالهدوء عند التحدث معهم، وعدم إظهار أيّ انفعال أمامهم.
3- التمسُّك بوجهة النظر، واللجوء إلى الحجج، والبراهين.
4- عدم الأخذ بحديثهم على أنّه أمر شخصي يمس الطرف المقابل.
5- التركيز في الحديث على النقاط التي تمّ الاتّفاق عليها.
6- التمتُّع بروح المرح أثناء الحديث معهم، كالإجابة بنعم، ولكن.
7- اللجوء إلى أسلوب المنطق عند مناقشتهم، والبُعد عن العاطفة.
وبشكل عام فإنه يجب وضع أساليب لمواجهة التعصب بشكل عام، لكي يمكن الحد من التعصب الرياضي، لأن مواجهة التعصب يتطلب تضافر الجهود من العديد من مؤسسات المجتمع، واهتمام كل مؤسسة بالقيام بدورها في نبذ العنف والتمييز وزرع قيم المساواة، فعلى سبيل المثال:
1) الأسرة: وهي المؤسسة الأهم بين مؤسسات المجتمع، ومن خلال التنشئة الاجتماعية السليمة المبنية على تقبل الآخر وعدم التعالي عليه يمكن معالجة التعصب ومظاهره المختلفة.
2) المؤسسات التربوية: كالمدارس والجامعات، التي يجب أن تهتم بوضع مناهج دراسية تنبذ العنف والتعصب وتدعو للوحدة والتجانس بين أفراد المجتمع، وتمثل ذلك في سلوك الأفراد وأنظمة المؤسسات.
3) المؤسسات الدينية: عليها أن تعدل من خطابها الديني، وأن تقدم خطاباً دينياً عصرياً يتماشى مع مشكلات العصر ويناقشها ويقدم الحلول الواقعية والعملية.
4) المؤسسات الاجتماعية: كالمؤسسات المعنية بعلم النفس والاجتماع، فعليها أن تطرح المبادرات المجتمعية التي من شأنها تضييق الفوارق بين شرائح المجتمع وسد الثغرات والنوافذ التي من خلالها يخرج التعصب.
5) المؤسسات الإعلامية: عليها أن تقوم بدور توعوي يهدف إلى تقبل الآخر، وعدم اللجوء للنعرات الطائفية والمذهبية، وتقديم نماذج وقدوات للشباب تزرع في نفوسهم المساواة والتعاون وعدم التمييز، كذلك الكف عن الممارسات التي من شأنها تأجيج روح الخلاف والتمييز.
6) المنشآت الرياضية: يجب أن تهتم ببناء العقول والأرواح كاهتمامها بالإعداد البدني والعضلي، فالمؤسسات الرياضية يجب أن تقوم بدورها التربوي لا سيما وأن لها شعبية كبيرة في فئة الشباب والمراهقين وتأثيرها عليهم كبير جداً وسريع.
وحسب دراستي لعلم الإجتماع، وخاصة التعصب فإن هناك علم الإجتماع الرياضي الذي يعتبر أحد فروع علم الإجتماع العام، والذي يدرس ويحلل الرياضة بطبيعتها كظاهرة من ظواهر المجتمع، وبناءا عليه هناك علاقة متبادلة بين علم الاجتماع الرياضي وعلم الاجتماع العام، وعلم الاجتماع بصفة عامة الذي يبحث في السلوك الإنساني المنظم للجماعات، كما ان علم الاجتماع الرياضي يدرس سلوك الأفراد داخل المجتمع الرياضي.
فالقضايا التي يبحث فيها علم الاجتماع الرياضي هي العلاقة بين التربية الرياضية كظاهرة اجتماعية، والرياضة كأساس من أساسيات بناء المجتمع، كما أنه العلاقة بين كافة العمليات الاجتماعية للرياضة مثل: (التعاون، التنافس، الصراع، الاحباط) للممارسين والغير ممارسين للرياضة، وأيضا العلاقة بين التركيب البنائى للمجتمع والمؤسسات الرياضية والاجتماعية الاخرى (مراكز الشباب، النوادي، الساحات الشعبية).
وعليه فإن هناك مجموعة من الإستراتيجيات التي من الممكن أن تساهم في تقليل التعصب، وخاصة التعصب الرياضي ومواجهته وتوجيهه للجانب الإيجابي ومنها:
1) تحكيم العقل عند الإقدام على أي تصرف.
2) الفهم السليم للتعاليم الدينية وتدبر النصوص القرآنية، وعدم ربط الأفعال العدوانية للمتعصبين بالدين، ومراعاة الشباب وتربيتهم على الروح الرياضية الإسلامية.
3) معرفة المعاني الحقيقية للتنافس الرياضي الشريف وان الرياضة فوز وخسارة.
4) الإيمان الكامل بأن الرياضة وسيلة لإسعاد الناس وليس لزرع الأحقاد بينهم.
5) التعايش السلمي وتقبل الحوار بين الثقافات والفئات المختلفة، وتقبل النقد من الآخرين والاعتراف بالخطأ، وتنمية مفاهيم تقويم الذات.
6) مقاومة الفتن والإعلام المضلل بكل وسيلة ممكنة.
7) التعاون مع الآخرين والاستفادة مما عندهم من معارف وخبرات ومميزات.
8) تنشئة الأسرة على احترام الآخرين وعدم استخدام الفرد لألفاظ الذم والشتم، وكظم الغيظ والصبر في كل الأحوال.
9) ضرورة تقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة، مع عدم إهمال وتهميش الأخيرة، وعدم استخدام الصالح العام ذريعة لضرب المصالح الخاصة.
10) تفريغ طاقات الشباب البدنية في ما ينفعهم، ومراعاة الشباب وتربيتهم على الاعتزاز بهويتهم.
11) فرض العقوبات الصارمة على الفوضويين، ووضع أنظمة وضوابط حازمة على الصحافات الرياضية.
12) معرفة الإنسان المتعصب بأن الرياضة وسيلة لتكوين العلاقات المتينة بين الرياضيين مما يحقق الأهداف النبيلة لمتنافس الرياضي الشريف.
13) مساعدة الإنسان المتعصب على أمور مهمة في الحياة أهم من الرياضة لابد إن يضعها في عين الاعتبار.