وحدة الوجود

عبدالرحمن مصطفى
2020 / 2 / 21

مذهب وحدة الوجود احد اهم المذاهب الدينيه والفلسفيه التي اثرت في وعي الإنسان وعكست مشاعره ورغباته في البحث عن اصل للكون والحياة وعكست رغبته في الخلاص والإنعتاق من تناقضات مظاهر الحياة الطبيعة فبحثه عن اصل وجامع يعود الى رغبته في البحث عن مخرج من التناقضات التي تكتنف نظام الطبيعة وتعدد مظاهرها وحيرته جراء ذلك..في هذا الموضوع عرض لعلاقة هذا المذهب بالدين والفلسفة القديمة والحديثة والعلم الحديث والعلاقات الاجتماعية ..

مذهب وحدة الوجود ليس بالضرورة ان يكون وحدة روحية او إلهية كما هو منتشر في الديانات الهندوالصينية مثلا ..كما في الهندوسية والتاوية مثلا..هناك العديد من المذاهب الي بحثت عن أصل للكون في الطبيعة ..كفلاسفة الإغريق السبعة قبل ارسطو وافلاطون

فطاليس وجد ان الماء اصل الكون والحياة وانكسمندريس وجد ذلك في الهواء ..ووجد ديمقريطس ذلك في الذرات او الجزء الذي لايتجزأ وفضلا عن ذلك وجد هذه المعتقدات (المادية) صداها في بعض الأديان فأديان الشرق الأدنى القديمة كأديان سومر

وبابل القديمة حيث ان الماء الساكنة الراقدة (نمو في دين سومر وتعامة في الدين البابلي) كانت تمثل نقطة البدء الاولى او الهيولى الأولى وليس مستبعد ان فلاسفة الإغريق اخذوا منهم هذه الأفكار كما نرى هذا الطرح واضحا في الكتاب المقدس (و كانت الارض خربة و خالية و على وجه الغمر ظلمة و روح الله يرف على وجه المياه ).الإصحاح الثاني .سفر التكوين




..........

وحدة الوجود في الأديان والفلسفات المثالية ..

افضل مثال ديني لهذا المذهب هو الدين الهندوسي حيث يمثل برهمن الأصل الروحي وما الوجود الا تمظهرات سواء الروحية (الالهة او الأرواح الكبرى) او الموجودات المادية ..وحيث فشنو يمثل جانب الخير ..وفشنو يمثل اله الدمار والخراب في العالم الأرضي ..فكرة الثالوث ذاتها لصيقة بمذهب وحدة الوجود فالعقيدة المسيحية تعتبر ان المسيح هو التجسد المادي للأله ..

في الدين التاوي نجد ان اللوغوس او التاو او القانون او المبدأ الكوني يشكل جوهر الكون تتجاذبه قوتان متناقضتان ..

في اديان الشرق الأدنى نجد وحدة الوجود واضحة حيث ان نمو في الدين السومري شكل الهيولى الاولى ثم منها انبثق كل شيء السماء والأرض وحيث ان انليل ابن الاله آن (إله السماء) وكي إلهة الارض قام بشق ابواه الآلهين الى نصفين ثم فيما بعد خلق ال إنسان والكائنات الحية الخ..

كذلك الديانة البابلية حيث ان تعامة هي الهيولى الاولى (الماء) ومثلت هذه الماء الشكل والهدوئ والصمت وعدم الحركة وهذا ترافق مع سيادة العصر الانثوي قبل عشرات الاف السنين قبل ان ينتقل الانسان الى الزراعة ثم فيما بعد صنع المعادن الخ ..هذه المذاهب نجدها كذلك في الدين البعلي القديم والدين المصري والاغريقي الخ...ونقطة الاثارة ان في جميع اديان الشرق الادنى مثلت المياه الاولى المصدر الاول للكون والحياة وهذه الافكار ايضا موجودة في الاديان الابراهيمية ايضا ..

الأديان السحرية الطوطمية تبنت هذه الافكار ايضا مع فارق ان الاديان السحرية تخيلت مايشبه اللوغوس او القانون او الكلمة اي لم تعرف هذه الاديان البدائية الاله الشخصي الذي سنجده متجلي فيما بعد في اديان الشرق الادنى والابراهيمية فيما بعد ..هذا الاله هو اقرب للألوهة التي اعترف فيها الفلاسفة فيما بعد اللوغوس او القانون ..



في الفلسفة نجد الكثير من الأمثلة لهذا المذهب في وحدة الوجود المادية كما ذكر في المقدمة حيث مذهب الطبائعيين وكذلك يعض المذاهب الفلسفية المادية في الهند ..اما وحدة الوجود الروحية فالبداية كانت مع فلسفة الإيليين حيث مثلت هذه المدرسة امتداد لفلاسفة الطبيعيين الأوائل وفلسفة فيثاغورس في الوحدة العددية او الرياضية للوجود..

في المذهب الإيلي نجد اسطع مثال على هذا هو زينون الأيلي حيث رفضه الحركة في حججه الشهيرة ..كمثال حجته حول القوس ..عند رمي السهم مثلا ..عندما يقطع السهم مسافة معينة في الثانية الاولى و الخطوة ثانية في نصف ثانية ان يقطع نصف الاولى في ..ثم الخطوة الثالثة نصف نصف الثانية الخ ..فهكذا سيحتاج الزمن الى مالانهاية له حتى يصل الى الهدف ..

والامر ذاته على المكان والحجة الشهيرة لأخيل والسلحفاة حيث لو سبقت السلحفاة أخيل (خيل) ببضع خطوات لن يستطيع أخيل ان يلحقها لأنه يحتاج ان يقطع ميل مثلا ثم نصف الميل ثم نصف نصف الميل الخ..وحيث هنا لاتغير وانقسام المكان مستحيل

فيما بعد انتقلت الفكرة الى المذهب الافلاطوني ..افلاطون يرى ان الروح او العقل هو جوهر العالم والمادة ماهي الا ظلال او وهم ..فيما بعد نجد الافلاطونية المحدثة حيث مثلت فكرة الفيض الآلهي اساس المذهب ففي البدأ كان هناك الروح الكبرى او الاصل الروحي الذي لايمكن ان يُتحدث عنه (لايمكننا ان نعرف الاله الا بالسلب كما في الدين الهندوسي) ثم فيما بعد نجد كذلك في الفلسفة الإسلامية ..

في الفلسفة الإسلامية ..نجد اخذ لمذاهب الاغريق القدامى خصوصا الافلاطونية المحدثة ..في فلسفة ابن سينا والفارابي نجد فكرة الفيض الأفلاطونية التي نسبوها خطأ الى ارسطو طاليس ..

وحدة الوجود الاشهر كانت التي تم تبنيها من ابن عربي والفلاسفة المتصوفة فمثلا نجد فكرة الاله المعرف بالسلب اولا حيث يسمى مقام الغيب (دلالة عن المقدرة على المعرفة) ..ثم فيما بعد مقام أحدية الذات حيث تتجلى الذات العليا لله في هذا المقام تجتمع التناقضات والاسماء المتعارضة فمثلا الرحيم والعادل ..فيما بعد مقام واحدية الذات حيث تتجلى الاسماء لله ..العادل والرحيم ومن هذه الاسماء تخلق الكائنات ..والانسان الكامل يمثل مقام احدية الذات حيث تجمع فيه كل الصفات الإلهية ..

وهكذا مذهب وحدة الوجود يشمل البحث عن اصل روحي للكون والبحث عن اصل مادي للكون وشكلت نقلة من الأديان الى البحث الفلسفي والبحث عن اصل للكون والحياة يمثل حاجة سيكولوجية (طبعا مع طابعها التاريخي فليست هذه حاجة ابدية انما هي نتاج لمجموعة من الظروف الاجتماعية والتاريخية) ..


وحدة الوجود والفلسفة الحديثة والعلم الحديث ..

هاجمت الفلسفة الحديثة (الإسمية وما انبثق منها من فلسفات مختلفة) رغبة الفلاسفة القدماء في بناء انساق كلية بناءات على مغالطات لغوية ..فامصطلحات كالوجود والخير والشر الخ ليست الا مصطلحات عمومية لاتعبر عن افراد او اجزاء في الواقع يمكن الاشارة اليها بإستخدام تعبيرات (كهذا وهذه الخ...) ..فهكذا لايمكننا ان نوحد بين وجود الذرات ووجود الخلايا وحتى على هذا التفسير ليس هناك تطابق بين الذرات والخلايا والاجسام وان تشابهت فليس هناك sameness انما likeness

فهنا توهم التطابق وتلاعبات اللغة اوهمت الفلاسفة في الماضي ان في الإمكان العثور على اصل للكون والحياة فحتى الماء لايمكننا ان نفصل بين الماء والجليد والغاز مثلا ليس بين هذه الحالات المختلفة الا تبدلات فيزيوكيميائية بين الجزيئات مثلا ..وليس هناك تطابق تام ..

في العلم وهنا سنبحث عن مسألة الجوهر المادي ..الكثير من الفلسفات الوضعية (من فلسفة هيوم الى كانط الى فلسفة الوضعيين الحديثة) أنكرت ان هناك جوهر مادي وحيث لايمكننا معرفة الا الظواهر الإحساسات اللون والرائحة والصوت الخ ولا نعرف ان كان هناك جوهر مستقل عن هذه الإحساسات !..

في العلم الحديث مع النظرية الكمية تغيرات تصوراتنا عن الكون 360 درجة والأشهر في هذا وما سأقتصر عليه هنا هو قانون شرودنجر نسبة الى عالم الماني شهير ..في هذا القانون العالم في ذاته عبارة عن دوال موجية wave -function-s لكن في فرض القياس يخضع measurement postulate لقيم محددة ..


توضيح مختصر آخر: في الحالة الموجية القيم لاتكون محددة كمثال القطة الشهير اي مثلا القطة لاتكون في حالة موت او حياة ..بل تتجاوز هذه القيم superposition !

طبعا هناك عدة تفسيرات على هذه النظرية .. سأقتصر على بعض التفاسير التفسير الحرفي literal intrepretation هذا التفسير شهير اخذ نيلز بوهر حيث اننا ببساطة ينبغي ان نتعامل مع هذه المفارقة paradox

ونتعاطى معها ..فعندما لانراقب الالكتورنات والبروتونات microscopic يكون العالم ببساطة في حالة موجية اي ليس هناك قيم محددة والعكس في حالة الاعيادية او macroscopic


هناك تفسير evertt فيزيائي امريكي ..

في هذا التفسير ببساطة العالم الميكروسكوبي والماكروسكوبي يخضع لمعادلة شرودنجر! حيث ان الدوال الموجية هي جوهر العالم المادي بشقيه العياني والمجهري ..لكن المفارقة هنا ان خبرتنا الواعية تتعاطى مع قيم محددة اي عندما نراقب اي كائن هو في حالة معينة وهو مايخالف تفسير ايفرت ..في هذا ديفيد تشالمرز يرى ان وعينا هو قيمة اساسية primary value مثله مثل الكتلة والموقع الخ ..

طبعا بالنسبة لايفرت اقترح فكرة العوالم المتعددة ليس الاكون المتعددة (هناك كون واحد لكن ينقسم الى عدة مستويات) المستوى الذي يشمل عالم الدول الموجية بشقيه الماكرووالمايكروسكوبي ..وعالم خبرتنا الواعية ..

طبعا تفاسير نظرية الكم الحديثة كانت جذابة لأنصار وحدة الوجدة والمفاهيم الدينية حيث هنا وفقا لهذا التفسير تمثل الحالة الموجية الأصل وتجاوز القيم المتعارضة (الموت والحياة ..الحب والكراهية ..العدل والظلم ..النوم والاستيقاظ الخ...)

لاشك ان هذا التفسير لنظرية الكم غريب وو لم يحصل على الأدلة الكافية لصحته ومع ذلك هذه الفكرة تغري انصار مذهب وحدة الوجود حيث يماثل تصوراتهم وافكارهم حول هذا ..

بالنسبة للفلسفة الحديثة المادية والوضعية (المثالية فالوضعية فلسفة اقرب للمثالية هذه وجهة نظري) ترى ان التطابق مستحيل بين الموجودات بالتالي لامعنى للتوحيد بين الكائنات تحت اي بناء رياضي او ميتافيزيقي مثلا ....

لكل حدث او كائن زمن ومكان معين لايمكن ان نعممها على الاحداث او الكائنات الاخرى فالكثرة هي الاصل وليس الوحدة ..التفسير التاريخي (للطبيعة والاجتماع) يبين لنا ان فكرة التطابق مستحيلة حيث لكل حدث او كائن ظروف وزمان ومكان معين بحيث اي محاولة للتفسير التطابقي سيبوء

بالفشل ...

في الختام مذهب وحدة الوجود شكل رغبة الانسان في البحث عن اصل للكون والحياة امام تناقضات وتعدد مظاهر الطبيعة والحياة الاجتماعية فبذلك شكل مايقرب الى المهرب او الخلاص من هذا الاضطراب المزعج (لتعدد مظاهر الطبيعة وكثرتها اللانهائية) الذي يعكس انسان متحير ومضطرب ..وبعد انتقال الانسان وتحقيقه بعض الاستقرار بعد انتشار الزراعة مثلا ثم التجارة في بلاد اليونان هذه المعطيات شكلت اول محاولة لنقل العلوم من الاسطرة الى العقلنة خصوصا مع الفلسفة الاغريقية ..

الاساطير الشرقية (الادنى) القديمة ..حالة الرخاء هذه في اليونان مثلا كانت البداية لتنظير العلوم بعد ان كانت في الحضارات القديمة مبنية على الاحتياجات العملية (الفلك والهندسة والطب والزراعة الخ...) فكانت بلاد الإغريق التطور الكيفي الذي شمل كل

التراكم الكمي للحضارات السابقة .. ..

حالة الرخاء النسبية في اليونان هذه نتجت مع سيطرة ذكورية شاملة حيث البحث في القبائل القديمة انثروبولوجيا (يبين سيادة المرأة) ثم فيما الزواج الجماعي ثم الهيمنة الذكورية التي كانت نتاجا للسيطرة المادية للرجل ..حالة الرخاء في الانتاج ادت الى التطور الثقافي والعلمي في اليونان فيما بعد