لأول مرة على الإطلاق: الاسم الحقيقي لملكة سبأ

فكري آل هير
2020 / 2 / 21

أثناء ما كنت أقوم باختبار أحد المناهج التي طورتها، والذي أطلقت عليه مؤقتاً اسم [المنهج الاستعادي أو المنهج الاستردادي]- أحد عدة منهجيات جديدة ومبتكرة أقوم بتطويرها منذ عدة سنوات- أثناء ما كنت أقوم بتطبيق هذا المنهج في حقل الأنثروبولوجيا الرمزية، وبالتحديد على دراسة انثروبولوجية-لغوية وتاريخية تعنى بالبحث في امكانية استعادة أو استرداد الدلالات السيمائية والمعاني الرمزية للأسماء السبئية-الحميرية القديمة، توصلت وعلى نحو عرضي الى مجموعة من القرائن الاستعادية المدعومة بأدلة واستنتاجات اثنوجرافية الى ما أصبحت أثق بشدة بأنه الاسم الحقيقي لملكة سبأ المذكورة في القرآن الكريم..!!
فما هو يا ترى اسمها الحقيقي؟!
باستثناء الوثيقة الصينية التي تحكي قصة رحلة أحد ملوك الصين في القرن العاشر قبل الميلاد الى بلا سبأ ولقائه بملكة سبأ التي أحاطها نص الوثيقة بهالة عظيمة من الفخامة والقدسية التي ترقى بها الى مستوى الأم الآلهة؛ مازالت المعطيات الأثرية صامتة تماماً وعاجزة كلياً عن تقديم أي إشارة أو قرينة تدلنا على هذه الشخصية التاريخية العظيمة التي نجدها في كثير من ثقافات وأساطير الشعوب العالمية، والتي تنسب إليها اسم بلقيس، دون أي دليل فعلي، الأمر الذي دفع الكثيرين الى القول بأنه لم يكن لهذه الملكة أي وجود تاريخي، فيما عمد البعض الآخر الى البحث عنها في أساطير وآثار مناطق جغرافية أخرى غير اليمن.
...
عموماً؛ في اطار الدراسة والتطبيق اللذان أشرت إليهما آنفاً، وجدت ما دفعني الى الثقة بأن المدخل الأنثروبولوجي الرمزي متصلاً بالمنهجيات اللسانية المتقدمة، يمكن أن يكون هادياً ومساعداً في حل لغز الاسم الحقيقي لملكة سبأ؛ إذ كانت البداية، عندما توصلت بشكل عرضي وغير مخطط له الى ملاحظات واستدلالات بالغة الأهمية، تدل على أن اسم ملكة سبأ المذكورة في القرآن الكريم، لم يكن بلقيس على الإطلاق، وأن لا صلة لها بهذا الاسم لا من قريب ولا من بعيد، وهذا ما أصبحت متأكد منه قطعاً.
لكن وبدون أن اتسرع في استعراض أكثر وأهم الاستدلالات والقرائن التي توصلت إليها، أقول أن جميع ما تكون لدي يثبت وعلى نحو منطقي بأن الاسم الحقيقي لملكة سبأ هو (ملكة)، أي أن اسمها بالفعل كان "ملكة- "MALEKAH، وأن القرآن الكريم- وكذلك التوراة والانجيل- قد ذكرها باسمها وصفتها في آن معاً، وهذا ما لم يتنبه إليه أحد قبلنا على الإطلاق.
**
من خلال تتبع المسار التاريخي لاسم العلم الأنثوي (ملكة)، متصلاً بوشائجه وعراه اللغوية والأنثروبولوجية والتاريخية في الثقافة اليمنية على مر العصور، وجدت أن هذا الاسم لم تنقطع التسمية به لعدة آلاف من السنين، ولازال هذا الاسم حياً ومرتبطاً بدرجة شديدة بالذاكرة الجمعية اليمنية في مناطق جغرافية يمنية محددة، إذ شاع تاريخياً والى اليوم أيضاً اطلاق هذا الاسم -"ملكة"-على الفتيات في مناطق شمال اليمن ابتداءً من ضواحي صنعاء فما تلاها نحو الشمال، ويزداد هذا الاسم كثرة في الاستخدام وشيوعاً كلما اقتربنا من مركز مدينة مأرب، التي كانت عاصمة مملكة سبأ في عهد هذه الملكة العظيمة.
للتحقق من صدق الاستنتاج السابق ومنطقيته، قمت بمقاربة استعادية أخرى على اسم ملكة يمنية أخرى شهيرة، وهي الملكة "سيدة بنت أحمد الصليحي"- أول ملكة في عصر الإسلام، والتي اشتهرت باسم آخر وهو "أروى- ARWA؛ فتوصلت الى نفس النتيجة السابقة المتعلقة باسم ملكة سبأ, حيث لاحظت تواتراً في الاستخدام العَلَمي لاسم "سيدة" يمتد على نطاقين: زمني وجغرافي، فالنطاق الزمني يمتد الى ما يقارب 1000 سنة- أي الى العصر الذي عاشت وحكمت فيه هذه الملكة؛ أما النطاق الجغرافي؛ فيكاد يشمل اليمن كلها بالنسبة لاسم شهرتها أي اسم (أروى)، في حين أن الاستخدام العَلَمي لاسمها الأصلي "سيدة- SAYDAH"، يتركز وينتشر جغرافياً على نحو شديد جداً كلما اقتربنا من عاصمة حكمها- جبلة في محافظة إب اليمنية-، إذ لا يكاد المرء أن يجد أسرة على مدى قرون طويلة في هذه المناطق لم تطلق على إحدى بناتها اسم "سيدة".
وهناك كما قلت استدلالات أخرى أكثر قوة وعمقاً لا أجد الوقت مناسباً لعرضها.
خلاصة الأمر فيما توصلت إليه دراستي- التي سأحرص على نشرها عند الانتهاء منها- أن ملكة سبأ التي اتفقت الكتب السماوية الثلاثة على ذكرها بنفس التسمية، وهي: "ملكة سبأ" دون أن تطلق عليها أي تسمية أو صفة أخرى، اسمها الحقيقي هو "ملكة" وليس بلقيس، وأن ما نحتاج إليه هو البحث عما إذا كان اسم العلم الأنثوي هذا قد ورد في النقوش المسندية، أم لا.. هذا ما آمل أن يجتهد فيه الباحثين، من يدري لعلنا بهذا نكون قد حللنا أخيراً لغز الاسم الحقيقي لملكة سبأ.
**
ختاماً؛ اتمنى أن ينال الأمر اهتمامكم، كما انتظر آرائكم وتعليقاتكم التي ستثري النقاش وأتوقع أن تضيف أكثر في هذا الشأن..!