بناء القصيدة عند سمير التميمي -رأيت الحقيقة

رائد الحواري
2020 / 2 / 21

بناء القصيدة عند
سمير التميمي
"رأيت الحقيقة"
في زمننا هذا أصبحت الألفاظ البياض بشكلها المجرد تجذبنا إليها، فكثرة الألم، وعدم وجود آفاق، كلها تسهم في (دفعنا) نحو إيجاد شيء مريح/ مفرح، يزيل عنا شيء من كربتنا وكآبتنا، من هنا تجدنا نميل إلى الأدب، إلى الشعر، فمن يكتبون يعرفون ألامنا، فهم يعانون كما/مما نعاني، لكنهم يمتازون عنا برهافة مشاعرهم وقدرتهم على تحاوز وكتم الانفعال، لهذا يقدمون شيء جميل، متجاوزين الواقع، وأن تأتي القصيدة متكاملة، متسلسلة، متراصة "كالبنيان المرصوص" فهذه جمالية أخرى تضاف إليها، يفتتح الشاعر القصيدة:
" رأيت الحقيقةَ
تلبسُ ثوبَ امرأةْ
وتكشفُ عن ساقين مرمرْ
وتسدلُ ليلاً على كَتْفِيها
وشالَ حريرٍ على كَشْحِها
يلملمُ ما تناثرَ منها
ويجمعه كي يستقيمَ القَوامْ"
اللافت في هذا المقطع البياض الملازم والموازي للفكرة المرأة، فرغم أن الشاعر بدأ القصيدة بجملة خبرية (عادية)"رأيت الحقيقة" إلا أن المرأة (سيطرة) على المشهد، بشكل كامل، ومحت أي حديث عن الحقيقة، هكذا بدت القصيدة، بخصوص الألفاظ هناك علاقة انسجام بين "يلملم وتناثر ويجمعه، وبين يجمعه ويستقيم، وتلبس وتسدل" ولكن أيضا نجد حالة تنافر وتناقض بين " تلبس وتكشف، وبين تسدل ـ أي المرأة ـ ليلا" فليل ليس بحاجة إلى فعل "يسدل" لأنه بطبيعته يخفي الأشياء، الأجسام، وهذه المتناقضات تشير إلى عدم سوية/انسجام الحال، بمعنى أن هناك (لغم) ، لكنه مخفي، لم يحن وقت انفجاره.
" فتزهرُ مثلَ حديقةِ وردٍ
بها يرقصُ اللونُ
يضيءُ على رِدفها
ويرسمُ على صدرِها سربَ حمامْ
ويكتبُ ما اختزنَ الشوقُ في فمِها
من كلام"
يقدمنا الشاعر أكثر من البياض والنعومة، فهناك بياض مطلق، يجتمع فيه المعنى مع الألفاظ: "فتزهر، حديقة، ورد، يرقص، اللون، يضيء، ردفيها، يرسم/ سرب، حمام/ يكتب، الشوق، فمها، كلام" فالعلاقة الطبيعية بين تزهر والحديقة والورد واللون ويضيء ويرسم وسرب حمام ويكتب وكلام/ كلها متلاصقة ومتراصة ومتكاملة، وهذا ما يجعل القارئ ينهل من القصيدة بشهية ولذة، مندفعا نحو الحصول على مزيد من الرؤية البيضاء، والصور الهادئة.
" فإذا مرَّ سحابٌ عليها
أمطرت
قوسَ قزَحْ
وانتعش اللونُ على صفحةِ الأرضِ
اخضرَ "
يكمل لنا الشاعر حالة البياض، مؤكد على أن المرأة هي التي تمنحنا البياض المطلق، وهي من توصلنا إلى العاصر المخففة/الفرح الأخرى، فقد ذكرنا في السابق "يكتب"، والكتابة/القراءة أحد التخفيف/الفرح، وها وهو يستخدم العنصر الثالث الطبيعة: "أمطرت، سحاب، قوس قزح، انتعش، الأرض، أخضر، ويبقى العنصر الرابع "التمرد/الثورة" هو الباقي.
" وذاتَ جدالْ
اقتربتُ قليلاً كي أبوح لها
بما في خاطري
ففَرتْ وغابتْ في الزِحامْ
ونادت أغيثوا فتاةَ الحقيقةِ
من حالمٍ يلهوا بها
في المنام "
تستوقفنا الألفاظ القاسية "فرت، غابت، الزحام، أغيثوا" وهذا الانقلاب في الألفاظ وفي المعنى، هو اللغم الذي وجدنا طرف خيطه في فاتحة القصيدة، ـ التناقض بين تلبس وتكشف، وتسدل ليلا ـ والانقلاب الثاني جاء أننا لم نسمع صيغة المتكلم إلا في بداية القصيدة "رأيت الحقيقة" وبعدها أخذ الحديث يدور عن المرأة والكتابة والطبيعية، لكن الشاعر يتقدم من جديد ليحدثنا بصيغة المتكلم، "اقتربتُ، خاطري"، والانقلاب الثالث في سلوك المرأة/الحقيقة، فنجدها "فرت، غابت" وكأن البياض والألوان والورود والزهور التي شاهدناه اختفت، والنعومة التي لمسناها وعشناها كانت حلم، فالشاعر استيقظ وايقظنا معه بعد أن قال لنا الحقيقة، حقيقة ما قرأنا، "حالم يلهو بها في المنام"، فالدهشة لم تكن متعلقة بالشاعر فقط، بل بنا نحن القراء الذين أرادوا ورغبوا أن يبقوا في يتمتعون (بالحلم).
القصيدة منشورة على صفحة الشاعر.