مكافحة وباء ترامب بجرثومة أوسلو

معتصم حمادة
2020 / 2 / 21

■ بدأت الرهانات في الدوائر الأميركية على الضغوط العربية لجرّ الفلسطينيين إلى مقصلة ترامب
ينشغل العالم كله بوباء «كورونا»، وقد تحول على يد البعض من مأساة إلى موضوع للتسلية، في ظل عجز مجتمعاتنا عن مجابهة مثل هذا الوباء، إذا ما قورن الأمر بالوضع في الصين العظيمة، بعدد سكانها، وطاقاتها الطبية والعلمية.
ومع ذلك يمكن القول إننا نعاني الآن خطر وباء، ربما هو أخطر من وباء «كورونا». الوباء الذي يحاول ترامب أن يصطاد به المنطقة باسم «رؤية ترامب للسلام».
إذا كان وباء «كورونا» يستهدف الأفراد، فإن «وباء ترامب» يستهدف شعباً بأكمله. يكرر معه تجارب الغزو الاستعماري الأبيض، لآسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، حين نجح في «إزاحة» و«تحييد» الشعوب الأصلية بالإبادة العرقية، باعتبارها الطريق الأسرع، والأكثر ضماناً، لطيّ صفحة تاريخ الشعوب «البدائية» (كما يصفها الرجل الأبيض). وباء ترامب أخطر من وباء «كورونا».
إذا كان وباء «كورونا» يستهدف الإنسان، فإن وباء ترامب يستهدف أيضاً الإنسان، فيلغي وجوده، من خلال تجويعه، والقضاء على إنسانيته، وتحويله إلى آلة تعمل وتأكل وتنام، وتمارس حياة هادئة، دون أي صخب، حتى لا تزعج الجار «الأبيض»، ممثلاً بدولة الاحتلال. كما يستهدف وباء ترامب الأرض، حين يصادرها، ويلغي اسمها، ومعالمها، كما فعل «الرجل الأبيض» مع شمال أميركا، فأصبحت الولايات المتحدة الأميركية (وقبله أطلق عليها كريستوف كولمبوس اسم الهند الجديدة، وبذلك تصبح فلسطين «أرض إسرائيل»، وتصبح فلسطين «دولة إسرائيل الكبرى»، وتصبح القدس «يروشلايم»، وتعدم جنسية الفلسطيني، وعنوانه، ولقبه، ففي تلافيف اسم فلسطين ما يقود إلى ولادة الإرهاب، ولم يعد الاحتلال هو مصدر الإرهاب في المنطقة، بل بات الفلسطيني هو «الإرهابي». وقد تباهى وزير جيش الاحتلال بأنه قتل (اغتال ـ حسب تعبيره) منذ تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي (أي خلال ثلاثة أشهر) 30 فلسطينياً (حسب تعبيره «30 إرهابياً») وأن حصاده في الربيع سيكون وفيراً، فيملأ سلته برؤوس الفلسطينيين القتلى، كما كان «الرجل الأبيض» يملأ حقيبته برؤوس الأفارقة، والهنود الحمر، والسكان الأصليين، من الشعوب «الهمجية» التي تحولت بلادها من «أوطان» إلى مستعمرات.
■■■
الصين تجهد في توفير الدواء لمكافحة «كورونا». حتى أن ترامب نفسه انخرط في النقاش وتوقع أن ينحسر الوباء مع ارتفاع الحرارة في الصين، بعد شتاءٍ قاسٍ.
خطورة ما نعانيه في مجابهتنا لوباء «رؤية ترامب»، أن السلطة الفلسطينية، وقيادتها، ما زالت تحاول أن تعالج وباء ترامب بوباء لا يقل عنه خطورة اسمه اتفاق أوسلو.
فما زالت تعترف بإسرائيل، دولة الاحتلال، رغم أن خطوات تطبيق «رؤية ترامب» انطلقت في لجنة مشتركة أميركية ـ إسرائيلية، لرسم خرائط الضم، وفي السياق رسم «حدود الدولة الفلسطينية» المزعومة لجعلها حظائر للقطعات الآدمية المسماة فلسطينيين.
وما زالت السلطة تلتزم التنسيق الأمني (تصريحات نائب رئيس الحكومة، وزير الإعلام، والناطق باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة في 16/1/2020).
وما زالت الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي، في ظل سياسة تخبط واضحة المعالم، نحاول أن تقاطع الاقتصاد الإسرائيلي، وأن تقاومه، دون أن يتخلى «المرفهون» عن الحاجات الكمالية للترفيه، في تناقض صارخ بين مواقف إعلامية تضج بالتحدي، وبين افتقار للإرادة السياسية لبناء اقتصاد مقاوم، يكتفي بتوفير اللازم، بل الحد الأدنى من اللازم، مقابل التخلي عن الاقتصاد الاستهلاكي القائم على تلبية حاجات الطبقات والفئات المرفهة من أطنان من الكماليات لمئات بل لآلاف ملايين الدولارات من خلال إسرائيل.
والحنين إلى إحياء أوسلو نجد تعبيراته في العديد من التصريحات والخطوات، والسياسات التي مازالت تراوح مكانها، ولم تنتقل خطوة واحدة إلى الأمام في المجابهة الميدانية لوباء ترامب والتصدي له.
ولعل هذا، ما دفع اثنين من كبار المستشارين الأميركيين، هما دنيس روس، المستشار الخاص للرئيس أوباما بشؤون الشرق الأوسط، والراعي الميداني للمفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية في الإدارات السابقة، وديفيد ماكوفسكي كبير المستشارين السابقين لشؤون المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في مكتب وزير الخارجية الأميركي، لينصحا الرئيس ترامب، في واشنطن بوست (29/1/2020) أي بعد ساعات من إطلاقة رؤيته، بضرورة عدم إسقاط الرهان على إمكانية اجتذاب الجانب الفلسطيني إلى المفاوضات تحت سقف رؤيته، وأن هذا يتطلب الضغط على نتنياهو لتعطيل أية خطوة لضم الأراضي الفلسطينية في هذه المرحلة. وقد بنى المستشاران الأميركيان هذه النصيحة على قراءتهما لتمسك الجانب الفلسطيني بالمفاوضات «حلاً وحيداً»، وضرورة أن لا يتم إغلاق الطريق أمامه، للعودة إلى المفاوضات، تحت سقف «رؤية ترامب»، إذا ما نجحت الإدارة الأميركية وإلى جانبها الدول العربية وبعض الدول الأوروبية في «إقناع» الفلسطينيين الدمج بين «مفاوضات الحل الدائم» كما نصّت عليها أوسلو، والدعوة للمفاوضات كما وردت في «رؤية ترامب».
ولا يفيد القول هنا إن روس ـ ماكوفسكي يعيشان أحلام اليقظة، ولا يفيد هنا أن نستبعد أن تتعرض السلطة الفلسطينية للضغوط الشديدة، من أجل جرّها بقوة الإذعان إلى المفاوضات، على غرار الضغوط الشديدة التي تعرضت لها قيادة م. ت. ف. لجرها بقوة الإذعان إلى مفاوضات مدريد بالشروط الإسرائيلية.
والأمر المقلق هنا أن تصدر بعض التصريحات النافرة، كالتأكيد أن الجانب الفلسطيني جاهزة للعودة فوراً إلى طاولة المفاوضات «إذا كانت تضمن له دولة فلسطينية وعاصمتها القدس»، في الوقت الذي يدرك فيه الجميع أن العرض الوحيد في سوق المفاوضات هو عرض ترامب، وأن كل الأطراف التي تحدثت عن «حل الدولتين»، من عرب وأجانب، لم تقدم «رؤية» لنقل هذا «الحل» من كونه عنواناً، إلى خطوة عملية في وضع شديد التعقيد، يدرك الجميع أنه تجاوز، بوقائعه الميدانية، حدود «حل الدولتين» كما رسمه أوسلو وخطة خارطة الطريق.
■■■
لا أملك حلً سحرياً لا لوباء كورونا، ولا لوباء ترامب.
لكن هذا لا يعني أن الشعب الفلسطيني بخبرته النضالية العظيمة، والمبنية على تضحيات تاريخية يصعب على المؤرخين حصرها في مجلدات، لم يرسم، عبر مؤسساته الوطنية، في المجلس الوطني، وفي المجلس المركزي، وفي أعمال لجنته التنفيذية، وفي اجتماعه القيادي في 25/7/2019، وفي اجتماعه القيادي في 28/1/2020، بالتزامن مع المؤتمر الصحفي لترامب، خطته للمواجهة، القائمة على تحصين وتعزيز المناعة الفلسطينية ضد الإغراءات الوهمية، وضد الضغوط المحتملة، بما فيها ضغوط التجويع الجماعي.
وخارج هذه الخطة، سنكون كمن يحاول أن يعالج «وباء ترامب» بوباء آخر، هو «اتفاق أوسلو»