ذكرى يناير وفرص تجدّد الحراك في مصر

عصام شعبان حسن
2020 / 2 / 16

مع مرور ذكرى ثورة 25 يناير في مصر، أو وقوع أزمات ومواقف صادمة للرأي العام، يتجدد الجدل بشأن احتمالات ولادة حراك سياسي جديد، يشابه الحراك السابق على الثورة، أو ما تلاه. وغالبا ما يأخذ النقاش طابعا حادّا ومتناقضا حتى في صفوف جمهور الثورة، بعضُه حالم مغلفٌ بالتفاؤل والتمنّي، ينتظر هبّة شعبية، أو متشائما أقرب إلى العدمية واليأس والاستسلام للأمر الواقع، بوصفه ساكنا لن يتغير. تبقى السلطة وجبهة مؤيديها والطبقات الاجتماعية المسيطرة متوجسةً من شبح "25 يناير"، يسودها خوفٌ من أن تكون الأزمات، بتنوعها وتراكمها، دافعا إلى احتجاج واسع يصعب تحجيمه. ولم يولد هذا القلق مع مرحلة إسقاط حكم جماعة الإخوان المسلمين بعد 30 يونيو/ حزيران 2013، وما تلا ذلك من مواجهات وصراع سياسي، ولكنه بدأ منذ أيام الثورة الأولى، وما صاحبها من عدم القدرة على استكشاف مصيرها ومستقبلها، أو لجم قواها، خصوصا مع كثافة المشاركة الشعبية فيها، والتي مثلت سمة تميز الثورة المصرية.
مع الذكرى الأولى للثورة، كانت الطبقات الحاكمة تريد عودة الاستقرار، وهامشا أوسع من ديمقراطية شكلية، وانتخاباتٍ نزيهة، لكن المضمون الديمقراطي غائب، كانت أولى قرارات المجلس العسكري تجريم الإضرابات والتظاهرات العمّالية، بل واتهمت أصواتٌ من المجلس والإخوان المسلمين المظاهرات المطلبية بأنها صنيعة فلول حسني مبارك، فيما صنّف أي تحرك احتجاجي بعد "30 يونيو" بأنه مؤامرة إخوانية متصلة بدول معادية، تريد تعطيل عبد الفتاح السيسي وتشويه صورته. ولهذه الاتهامات المتبادلة في مرحلتين مختلفتين المنطق نفسه الذي يتجاهل آليات الحراك ومنطلقاته وأهدافه، ويعتبره مؤامرةً لا نتاج أسباب موضوعية، ومحصّلة تفاعلات وصراعات متعدّدة، وتعبيرا عن تفاعل قوى اجتماعية تشعر بالحرمان وقوى سياسية تشعر بالاستبعاد.
تواجه فرص تجدّد الحراك السياسي في مصر تحدّيات عدة، مرتبطة ببيئة السياسة التي تشهد حالة غيبوبة بجانب الحركة النقابية والشبابية، وهزالها وتراجعها، لأسبابٍ موضوعية وذاتية، في ظل استدامة نمط الاستبداد السلطوي غير المسبوق، وإغلاق شبه تام للمجال العام، مع ندرة المبادرات السياسية التي تحاول مواجهة هذا الخلل. بالإضافة إلى غلبه حالة نفسية وثقافية، تمثل خليطا من اليأس وعدم اليقين والتشوش لدى قطاعات من الجمهور، على الرغم مما تعانيه من أوضاع صعبة، بالإضافة إلى قطاعاتٍ ترى أن سياسات السلطة تضرّ أمنهم الاقتصادي وقدرتهم على الحياة بشكل كريم، لكن أغلبهم مدرك كلفة الاحتجاج حاليا.
تبلور حراك احتجاجي في ظل هذه الظروف مرتبط بعدة عوامل، ولصيق الصلة بالأسئلة المستمرّة بشأن أسباب تبلور الحركات الاحتجاجية ونشأتها، وهو ما حاولت مداخل نظرية الإجابة عنه، كدراسة العملية والفرصة السياسية ونظريات الحركات الاجتماعية، ومداخل تحليل بنية السلطة والمجتمع والقوى السياسية، وعلاقة كل ما سبق بالصراع الاجتماعي وإمكانات التعبير عنه بخطابات ورموز مقبولة وجاذبة، وتعطى التجربة المصرية في الاحتجاج دروسا وخبرات مفيدة بشأن فرص تبلور الحراك ومتطلباته وقواه ومراحله، منها:
أولا: من حيث المراحل، تسبق الحركات الاجتماعية، بمكوناتها المختلفة، الانتفاضة، وتتضمن المعارك الصغرى التي تعبر عن التناقضات بين حلف السلطة وفئات شعبية، تدفع بحراكها الاحتجاجي ذي الصبغة الاجتماعية المخاطر، أو تسعى إلى انتزاع حقوقٍ، تعد التعبئة الواسعة شرطا مهما لأي حراك من أجل اندلاعه. ويؤدّي استمرار فاعلياته إلى إيجاد تراكم يطوّر الحراك، من حيث الشعارات والمطالب واتساع جمهوره، وبالتالي نفوذه وتأثيره.
ثانيا: من حيث المتطلبات، يعتمد قيام حراك سياسي على وجود تفاعل وتعاون ما بين مؤسسات وقوى سياسية وحركات اجتماعية، تطرح خطابا يدعو إلى التغيير، ويتّصف بحالة القبول والموضوعية، ويتضمن حلولا وخلاصا لقطاعات شعبية. ويتطور الحراك بقوى تنظيمية ميدانية تمتلك مجموعاتٍ قادرة على قيادته، وجذب المستعدين وتنظمهم للانخراط فيه، خصوصا الذين يشعرون بالحرمان والاستبعاد، وينتظرون فرصة الانعتاق من مظاهره. ويمكن أن تنتفض هذه الفئات المقهورة بشكل عفوي نتاج صعوبة ظروف معيشتها، أو تخرج إلى الشوارع، استجابة لخطاب تحريضي، أو تلتحق بدعوة أو تحرّكات قوى سياسية واجتماعية تمثل النيات الأولى للحراك. وفى حالة حدوث احتجاج عفوي، مع غياب قوى منظمة له، فإن فرص تراجعه تكون عالية.
ثالثا: حالة الطبقات الشعبية، توفر الظروف الاقتصادية الضاغطة وعدم قدرة الأفراد على التكيف أو التعايش والانسجام مع بنى السلطة حالةً من القابلية للاحتجاج. ويشكل الإحساس بالحرمان، وليس وجوده فحسب، دافعا للاحتجاج، وكذلك الوعي بالحقوق دافعا وشرطا لنجاح الحراك في تحقيق مطالبه. وهذا يتطلب مؤسساتٍ تطرح رؤى وتشكل الوعي. ويمثل موقف المواطنين ورؤيتهم دور الدولة، ومدى تأثير حضورها وغيابها في تحقيق الأمن الاجتماعي والاقتصادي، محدّدا وفرصة للاحتجاج العفوي المرتبط بشعور قطاعاتٍ بالحرمان النسبي. ويفسر الاتجاه البنائي الوظيفي الحركات الاجتماعية بوصفها تعبيرا عن خلل في وظائف المؤسسات المجتمعية، ما يؤدي إلى تململ وحراك رافض للحل مطالب بالتغيير أو الإصلاح.
رابعا: حالة السلطة ومدى قوة تحالفاتها، وشرعية المؤسسات الحاكمة، تمثل إطارا لفهم الاحتجاجات، فمدخل تحليل بنية السلطة ومدى تماسكها أو تفكّكها إطار لفهم فرص نجاح حراك وإخفاق آخر، إذا كانت بنية السلطة مفكّكة وحلفاؤها شريحة ضيقة، فهذا يعنى توفر فرصة لتمدّد الحراك.
خامسا: قادة الحراك ومنظموه. يتطلب بروز حراك احتجاجي تبلور مجموعاتٍ تضع لنفسها أهدافا واضحة وممكنة وقادرة على كسب قطاعات شعبية من خارجها. ويلعب القادة والنخب أدوارا في تبلور نويات تلك المجموعات وتنظيمها، وكما أن التفتت في قوى السلطة، وضعف صورتها وتشوهها، يساعد في تكوّن الحراك، فإنه في المقابل يبلور كتلا سياسية وعملها بشكل جماعي، ويمثل مدى تواصلها مع الرأي العام إحدى فرص إشاعة حراك.
سادسا: يمثل تشوّه صورة السلطة، مثل ظهور وقائع الفساد، أو تمظهر وقائع القمع، أو إخفاق سياساتها التنموية والأزمات الاقتصادية الحادّة فرصا لتهيئة المناخ لحراك احتجاجي. وأحيانا تكون هناك حوادث تبدو عارضةً، تجعل صورة للسلطة محل رفضٍ من قطاعاتٍ واسعة. كانت واقعة تعذيب الشاب خالد سعيد حتى الموت في أحد شوارع الإسكندرية شرارةً لسلسة من المظاهرات ضد التعذيب قبل ثورة يناير. وقبلها استطاع عمّال المحلة قيادة قاطرة الإضرابات العمالية. وقوبل تنازل مصر للسعودية عن جزيرتي تيران وصنافير بحالة رفض. ومثلت حالات تعذيب في مناطق شعبية سببا في الاحتجاج. وتشكل أزمات السلع الغذائية والخدمات حالةً مؤهلةً للاحتجاج، كانتفاضة يناير 1977، وتشكل السياسات الخارجية وقدرة الدولة على الردع وحفظ الحدود والسيادة إحدى محدّدات صورة السلطة ومستوى قبولها، خرجت عام 1968 مظاهرات رافضة نكسة 1967، ومطالبة بمحاسبة المتسبّبين بها.
سابعا: يعد حساب المخاطر وتكلفة الاحتجاج مقابل النتائج عاملا مهما في اندلاع الحراك. وهنا يمكن الاعتماد على مداخل متعدّدة، منها المدخلان النفسي والثقافي، ومدى توفر فسحة من الأمل بالانعتاق من المظالم أو غلبة الإحباط، وهذا مرتبط بعملية إنتاج الوعى والوعي الزائف ومدى قدرة مؤسسات السلطة في استجلاب الرضى، أو قدرة من يحضر للحراك على كشف مسالب السلطة وإيجاد حالة من التعبئة، متحصنة بالأمل في التغيير وبذل التضحيات.
قياسا على العوامل والشروط السابقة، وخبرات التجربة المصرية، لا يتوقع في المرحلة القريبة أن تندلع احتجاجات واسعة، خصوصا بعد احتجاجات سبتمبر/ أيلول الماضي (2019)، والتي لم تجد قوى تنظمها وتطوّرها، ولم تتبنّها أي قوى سياسية بشكل حقيقي، حتى جماعة الإخوان المسلمين. ومع ذلك، تفتح الأزمة الاقتصادية والاجتماعية أبوابا وفرصا لاندلاع حركات إضرابات عمالية، وعودة النشاط النقابي تدريجيا، كتعبير عن حالة احتقان وصراع اجتماعي. ولا يستثنى بالتأكيد الحوادث العارضة أو احتجاجات في مناطق ما نتاج تهجير أو واقعة تعذيب أو أزمة. وعموما لا تأتي الانتفاضات بدون مقدّمات ولا قيادات ولا تنظيمات، حتى ولو كانت ضعيفة. أما تجاهل ذلك وادعاء حدوث حراك قوي من دون هذه الشروط عبر التغني بالعفوية وقدرات الشعب وغضبه، فهي مزيج من الشعبوية والتمنّي، ليس بالاحتقان وحده تندلع الاحتجاجات.
وعلى الرغم من الأحاديث المتكرّرة عن الثورة التي بلا قيادات، إلا أن أي حراك يخلق قيادته. وقبل الحراك، تكون هناك قيادات مهّدت له، وساهمت في حدوثه. وتبقى الشروط سابقة الذكر من وجود خطاب يدعو إلى التغيير وقوى قادرة على التعبئة والحشد، وضعف النظام وتفسّخ مكوناته، عوامل حاكمة لتبلور حراك أو نجاح أي حراك عفوي مستقبلا.