البراغيث والسلاح المنفلت!

طه رشيد
2020 / 2 / 11

"كريم" شخصية شعبية يمتلك حانوتا لبيع كل ما يحتاجه المواطن في تلك المدينة التي ما زالت اقرب للقرية منها للمدينة..كان كريم كريما بقفشاته وبنكاته لينثر البسمة على من يمر به.
كان هناك رجل قروي اشترى من كريم مسحوقا لمعالجة " البرغوث " وهي حشرة تؤرق نوم الفلاحين اذ انها تنشط ليلا وتقوم بلسع النائم في اماكن حساسة، تدفعه للاستيقاظ والبحث عنها!
لم ينفع مسحوق كريم في معالجتها، فعاد اليه يشكوه عدم صلاحية دوائه في القضاء عليها بالرغم من رش زوايا الغرفة ومحيطها بالمسحوق. فقال له كريم بانه يجب ان يجتهد في استخدام الدواء وذلك عن طريق مسك البرغوث ووضع المسحوق مباشرة في فمه!! فاجابه الفلاح بانه اذا استطاع المسك بالبرغوث فما حاجة الدواء " افرك خشمه واقلع اسنانه"!
سنوات مضت وشرفاء هذا الوطن يصرخون ويطالبون بحصر السلاح بيد الدولة، والدولة نفسها ممثلة بسلطاتها الثلاث تصرخ ايضا معهم وتطالب بنفس المطلب!!
اذا الدولة ترى السلاح منتشرا مثل البراغيث وتطالب بحصره في يدها فمن ذا الذي يمتلك القدرة على نزع هذا السلاح من المجاميع المسلحة خارج الدولة؟!
في مرحلة سابقة ربما كان سكوت الدولة عن هذا المطلب، لاسباب تتعلق بالوضع الامني للبلد، مبررا، نظرا لانشغالها في محاربة اعتى قوة ارهابية الممثلة بداعش، ومن لف لفها من قوى ارهابية تكفيرية، انتشلتها القوى الامبريالية من مزابل التاريخ وعادت انتاجها مجددا! واستطعنا الانتصار عليها بفضل " اولاد الملحة" والقوى العسكرية والامنية بمختلف فصائلها، ولم يتبق من المعركة سوى جانبها الفكري والاعلامي الذي يحتاج لشحذ الهمم من اجل تنظيف المجتمع من ادران الثقافة الداعشية.
وللاسف لم يتوج النجاح على داعش بنجاحات موازية في البناء، فبقيت اسس الخراب المروع في تهديم كيان المجتمع والدولة على حد سواء، وهما المحاصصة والفساد لينخرا اخر ما تبقى من امكانية وضع البلد على السكة الصحيحة. وضاعت الفرصة على الشباب من ابناء " الملحة"، واولادهم الذين ضحوا بارواحهم في المعركة مع داعش، ان يجدوا لهم فرصة عمل لائقة توفر لهم ولعوائلهم لقمة عيش كريمة. وحين نفد صبر هؤلاء الشباب وخرجوا في تظاهرات عارمة، ظهر مجددا "البرغوث" الذي لا يلسع بل يصيب مباشرة في مقتل مؤكد من خلال امتلاكه لسلاح منفلت تحت مسمى " الطرف الثالث"!
الجميع يخشى تسمية هذا الطرف، بما فيها الحكومة، والذي لا ينفع معه الا تكاتف الجميع مجددا من اجل حصر السلاح بيد الدولة.
الكارثة الكبرى اذا ما اكتشفنا مستقبلا ان الطرف الثالث هو جزء من الدولة !
يعني حاميها حراميها!