المصافحة بين الجنسين

عبد اللطيف بن سالم
2020 / 2 / 11

حول المصافحة بين الجنسين

المرأة في المجتمع الغربي – ولسنا مضطرٌين دائما إلى مقارنة أنفسنا بما يجري في الغرب – ولكن لأننا مدعوون في العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التقارب بعضنا من بعض في ثقافتنا وأخلاقنا وسلوكنا الحضاري تشعرُ (المرأة الغربية ) بكثير من المهانة إذا صافحت غيرها وهي حاضرة ولم تصافحها وقد تشعر بالنقص والحقارة إذا لم تقم بذلك نحوها بل وقد تنتظر منك أكثر من ذلك تقبيل يدها إذا لم تستطع لسبب من الأسباب تقبيلها وربما يتحول هذا السلوك في بعض الأحيان وفي بعض الوضعيات إلى ضرورة تقبيلها فلا ذلك يزعجها أو يزعج أحدا من أهلها إذا كانوا مصاحبين لها بل العكس هو الصحيح أي الإحساس بالفرح والانشراح والاحترام والتقدير وارتفاع المعنويات والالتقاء السعيد بالآخر على مستوى الإنسانية ( ودونما اعتبار لما قد يسميه البعض بسوء نية ) ... فإلى متى إخوتي إخواني سيبقى الجنس يحاصرنا في حياتنا وهو المتحكم الأكبر في سلوكنا وأخلاقنا ؟ أليست " الإنسانية " هذه هي المعنى الأكبر والأوسع له في حياتنا ؟ لأننا إذا وقفنا في حدود هذه الجنسية في معناها البيولوجي الضيق فحسب فإننا إذن قد وقفنا في حدود حيوانيتنا .

لماذا حرام علينا أن نرى المرأة أو نُعجب بها أو نُبوٌئها المنزلة التي تستحقها من أنفسنا ؟ أليس هذا ما هو طبيعي فينا ؟ لماذا نحن دائما ضد طبيعتنا ؟ إنما الثقافة ليست ضد الطبيعة وإنما هي تهذيب لها . ألم يكن الرسول يرى خديجة قبل أن يتزوجها ؟أولم يكن قد رأى عائشة أيضا ؟ هذا والله افتراء . يقول بعض الفقهاء في مركز الفتاوى المسجل ب "الانترنات" أن من حرُم النظر إليه حرُم لمسه وبالتالي لا تجوز مصافحته ،إذن فإن كل ما نفعله اليوم في حياتنا حرام وجزاؤنا غدا جهنم و بئس المأوى ؟ أليس كذلك ؟
ربما كان ذلك معقولا في زمن مضى لم تكن المرأة فيه مشاركة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية بأي شكل من الأشكال إلا في حدود ضيقة جدا ولم تكن فيه مسؤولة على أمر غير الجنس والإنجاب وإدارة المنزل وربما تقوم أيضا ببعض الأعمال الفلاحية عند الضرورة ...فإذا لم تكن هذه المرأة الآن قابلة بالسلوك الحضاري المتعارف عليه اليوم والمعمول به بين البشر فلا عليها أن تنخرط في هذه الحياة الجديدة وتعود من حيث أتت في السابق ولا لوم عليها من أحد إذا كانت بوضعها ذاك مقتنعة أما أن تشارك الرجل في كل النشاطات وتختلط به في جميع المجالات وترفض في نفس الوقت التعامل معه بنفس الأخلاقيات فهذا لعمري تناقض بغيض لا يرضى به أحد . (وها قد لامسنا وجوده أيضا – وأخيرا - وبكل أسف – حتى في ردهات المجلس الوطني التأسيسي التونسي ) .

أشباح في المدينة :

أعتقد أن الجنس عند العرب لا يزال بالفعل هو العقبة الكأداء في طريقهم إلى التقدم ولعلها لا تزال تكبر وتتضخم هذه العقبة اليوم بدلا من أن تصغر أو تتضاءل وذلك كرد فعل لما استفحل من تفسخ وانحلال في المجتمعات الحديثة والمعاصرة الأمر الذي أدى - مع الأسف - إلى بروز هذه الظواهر الغريبة وغير المألوفة لأنه " عند الأزمات تظهر عادة الكثير من خوارق العادات " فمن الامتناع عن المصافحة هذه إلى العلاج بالعرافة والشعوذة إلى ظهور هذه الأشباح الآن تمشي في المدينة وتختلف على الجامعات طلبا للعلم والمعرفة ولا أحد يستطيع أن يعرف إن كانت من الإنس أو من الجن ما دامت هكذا هي ملفوفة بالأسود الكامل وإننا لا نقدر على معرفتها في وضح النهار فكيف لنا بمعرفتها في الليل الدامس إذا ما التقى الأسود بالأسود وصارا إثنين في واحد ؟ قد نرتطم بهذه الأشباح ليلا أو ترتطم هي بنا دونما ندري، فهل هذا مما جاء في القرآن أم مما ظهر في السنة أم هو من البدع الجديدة الناتجة عن الجهل والتعصب ؟أم لعلها من الدسائس والمؤامرات ضد العرب ؟ فهل من إمكانية إذن للتحرر من عقدة الجنس هذه وتركها تنحل وحدها على الطبيعة ؟أما موقف الأيمة الأربعة في اتفاقهم حول تحريم المصافحة ( كما يقال ) فلابد لكي يُفهم الآن جيدا من تنزيله في مكانه وزمانه ومراعاة فارق الزمن وفارق الأماكن وتغيٌر الظروف بتغيرها وتغير الملابسات والمقتضيات المنتجة للفكر المناسب لكل واقع فلو كان هؤلاء الأيمة حاضرين اليوم معنا مثل الشيخ يوسف القرضاوي في هذا المعترك الحضاري بكل أبعاده وملابساته لغيروا الكثير من مواقفهم إزاء المرأة وربما إزاء الكثير من الظواهر الاجتماعية والأخلاقية ولكانت لهم آراء أخرى غير التي كانت لهم في السابق .